strong>فنسان الغريّب *


مع اقتراب انتهاء ولاية الرئيس جورج بوش الابن الثانية، لا بدّ من محاولة تقويم الاستراتيجية التي اعتمدها، والتي أتت بنتائج سلبيّة، إن لم تكن كارثية، على سمعة الولايات المتحدة وهيبتها حول العالم، التي سبّبت زيادة النقمة عليها وتعريضها لمخاطر فعليّة نتيجة سياسة التمدّد المفرط التي اعتمدها صقور الإدارة الأميركيّة. وأدّت هذه السياسات إلى استنزاف القوات الأميركية في العراق خصوصاً، الذي سبّب أيضاً تحميل الاقتصاد الأميركي أعباء إضافية، وهو الذي يعاني أصلاً عجزاً ضخماً ومشكلات بنيوية يشكّ الكثير من الاقتصاديين في إمكان تجاوزها، لا بلّ إنّ العديد منهم يتوقّع أن يؤدّي هذان العاملان (أي التمدّد العسكري المفرط والأعباء الاقتصادية المتزايدة)، إلى الضغط باتجاه تراجع الولايات المتحدة عن قمّة الهرم العالمي، وبداية أفول نجمها، مع تصاعد أصوات تنادي باعتماد التعدّدية القطبيّة بدلاً من نظام القطبيّة الأحادية الذي سبّب انتشار العنف و«الإرهاب» حول العالم نتيجة رفض آليات الهيمنة الأميركية التي أقل ما توصف بأنها «غير مسؤولة» و«مجحفة» بحقّ شرائح واسعة من سكّان العالم.

أحادية من دون منازع

يجدر بنا في هذا الإطار مراجعة كتاب زبيغنيو بريجنسكي، «الفرصة الثانية»، وهو يقصد بذلك فرصة إعادة صياغة سياسة خارجية للولايات المتحدة تكون أكثر حكمة من تلك التي اعتمدتها إدارة بوش الحالية، التي أضاعت الفرصة الأولى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة وتربّع الولايات المتحدة على قمة الهرم العالمي من دون منازع وبشكل أحاديّ، حيث أخذ الرئيس الأميركي يتصرّف كأنّه الزعيم العالمي الفعلي من دون أي مباركة دولية رسميّة.
ويرى بريجنسكي أن تسمية الولايات المتحدة زعيمةً للعالم، تذكّرنا في بعض النواحي بتتويج نابوليون نفسه إمبراطوراً، حيث أخذ هذا الأخير التاج من يدي بابا الفاتيكان ليضعه على رأسه، وحيث رأى نفسه عاملاً شخصياً في التاريخ، يقوم بتوجيه اليقظة الثوريّة للجماهير الفرنسيّة نحو إعادة البناء الكبرى لأوروبا.
وهكذا كان يجب برأيه إشراك جميع الأوروبيين الآخرين بشعار «الحرية والرخاء والمساواة» بالقوّة، سواء رغبوا في ذلك أو لم يفعلوا، وهو ما حاول القيام به بوش الابن من دون أن يحالفه الحظّ ولا النجاح في ما يتعلّق بشعاري «الحريّة والديموقراطية» في منطقة «الشرق الأوسط الكبير»، بعدما كان الرئيس الأميركي قد أعلن، على غرار نابوليون، أنّ رسالة أميركا التاريخيّة هي حفز تحوّل لا يقلّ عن تغيير ثقافة وسياسة العالم الإسلامي بأكمله، حيث بدا أن القرن الجديد هو قرن أميركي بامتياز، وأن مهمّة أميركا «التاريخية» هي إعادة صياغة العالم بما يتوافق ورغبة سيّد البيت الأبيض. وقد تبيّن بعد ذلك، بعد تساقط المحافظين الجدد الواحد تلو الآخر نتيجة فشل مهمّة القوات الأميركية في العراق، أن هذه الرغبة لم تكن سوى سراب.
لقد أثبت العقد الأوّل بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تفوّقاً أميركياً وحضوراً عالمياً للقوات الأميركية وزيادة وتيرة تدخّلها في القتال أو العمليات الحربية، حيث لا وجود لنظير عسكري أو سياسي للولايات المتحدة مع انتشار قواتها في كل قارات العالم وسيطرتها على المحيطات، وحيث إنّ القوى الأخرى لا تعدو كونها مجرّد قوى إقليمية عليها التعايش، بشكل أو بآخر، مع وجود القوات العسكرية الأميركية بالقرب منها. هذا ما كانت الصورة عليه قبل اجتياح العراق. فهل سياسات بوش الابن «المتهوّرة» حافظت على هذه المكانة المرموقة للقوات الأميركية، أم أنها استنزفتها في حروب شوارع لا تقوى على الخروج منها أقوى قوة عالمية مسيطرة؟
من هنا يطرح بريجنسكي السؤال المركزي التالي: هل الولايات المتحدة الأميركية تمارس قيادتها الدولية بمسؤوليّة وفعالية؟ أم أنها تمارسها باعتباطية وغرائزية وبنظرة مصلحيّة ضيقّة سوف تؤدّي، إذا لم يُصحَّح المسار، إلى أفول نجم الإمبراطورية الأميركية بأسرع ما يتوقّعه الكثيرون، بعدما كان «حلم» المحافظين الجدد يتمثّل في تأبيد الهيمنة الأحادية إلى ما لا نهاية. من المشروع طرح هذا التساؤل بعد عقد ونصف من الهيمنة الأميركية، إذ إننا نعيش، برأي بريجنسكي، في زمن تتسارع فيه الأحداث بوتيرة لم يكن تصوّرها ممكناً قبل بضعة عقود. لذلك يرى الكاتب أنه ليس من المبكر إجراء «تقويم استراتيجي» لأداء الولايات المتحدة الأميركية الدولي منذ بروزها قوّة عظمى وحيدة في العالم منذ 1990 وحتى اليوم.

مهمات مركزية ثلاث

للإجابة عن هذا التساؤل، سوف نحاول تبيان إذا ما كانت إدارة بوش الابن قد نجحت في تحقيق المهمّات المركزيّة الثلاث التي تحمّلت أعباءها مع بروزها أقوى دولة في العالم. وهذه الأعباء هي: أولاً إدارة علاقات القوة المركزيّة في عالم ذي موازين جغرافية ـــــ سياسية متغيّرة، وتوجيه تلك العلاقات وتشكيلها، وتقوية التطلّعات القوميّة لتمكين نشوء نظام عالمي أكثر تعاوناً؛ ثانياً احتواء النزاعات أو إنهاؤها، والحؤول دون انتشار «الإرهاب» وأسلحة الدمار الشامل، وتعزيز حفظ السلام الجماعي في المناطق التي مزّقتها الحروب الأهلية، بما يؤدّي إلى تراجع العنف العالمي بدلاً من انتشاره؛ ثالثاً التعامل بفعاليّة أكبر مع تزايد انعدام المساواة مع ما لهذه اللامساواة من نتائج سلبية على أوضاع السكّان حول العالم، والتوافق مع الواقع الجديد لـ«الضمير العالمي» الناشئ، والحضّ على ردّ مشترك على التهديدات البيئيّة الجديدة التي تسبّبها «الشراهة الصناعية» الناتجة من التنافس الاقتصادي المحموم في عالم يحكمه منطق الربح من دون رادع في ظلّ غياب القيود الناظمة وضعف آليات الرقابة وفرض منطق السوق بما يتوافق مع استراتيجيات المؤسّسات المالية الدولية.
إنّ تعامل الإدارة الأميركية مع تلك الأعباء، هو الذي يوفّر لنا الإجابة الحاسمة عن مدى قدرة الولايات المتحدة الأميركية على قيادة العالم، وعمّا إذا كانت السياسات الخارجية المتّبعة تتوافق أو لا مع القيادة العالميّة الفعّالة على المدى البعيد. هل أدركت الإدارة الأميركية اللحظة التاريخية التي وجدت نفسها تتصرّف فيها كـ«زعيمة للعالم»؟ وهل نجحت في هذا التحدّي أم فشلت، بعدما انتقلت السياسة الخارجية إلى البيت الأبيض ليهيمن عليها نائب الرئيس ديك تشيني ومجموعة من المحافظين الجدد الذين أعادوا تعريف الرئيس الأميركي كـ«قائد أعلى لأمة في حالة حرب»، مع ما يترتّب على تعزيز دور الرئاسة في مجال الأمن القومي بشكل كبير، من عواقب دستوريّة خطيرة ومثيرة للنزاع؟
إن التغيّرات الجوهريّة التي طرأت على البيئة العالمية في الخمس عشرة سنة الأولى من صدارة الولايات المتحدة العالمية وغير المسبوقة، هو الذي يجب البناء عليه لتقويم السياسات الأميركية بشكل نقدي، وتفحّص مدى إفادة تلك الإدارة من الفرص التي كانت في متناولها بعد احتلالها موقع فريد واستثنائي على قمّة الهرم العالمي.
لم يعد من الصعب الإجابة عن هذه التساؤلات مع تورّط الإدارة الأميركية في العراق وانزلاقها إلى مستنقعه (وهو مستنقع أسوأ بكثير من فييتنام بحسب بعض المراقبين)، ومع استياء (لا بل معارضة) الكثير من الدول والقوى الإقليمية من السياسات الأميركية المتهوّرة والأحادية التي اتُّبعت خلال تلك الفترة. إنّ الخطوات التي اعتمدتها إدارة بوش الابن بدعم وتشجيع من المحافظين الجدد، هي التي أدّت إلى وقوع الولايات المتحدة في أزمة متزايدة التعقيد، إن لم نقل في «مأزق متعاظم»، من دون أن تكون هناك بوادر لإمكان معالجة هذا الخلل الضخم الذي سبّبته إدارة بوش الابن على الصعيد العالمي، في وقت نشهد فيه جدلاً كبيراً داخل المؤسّسات الأميركية وبين الحزبين الرئيسيّين، ما يؤدي إلى شرخ كبير داخل المجتمع الأميركي بين مؤيّد ومعارض لتلك السياسات، وما يؤدي بالتالي إلى تراجع موقع الولايات المتحدة كـ«قائدة عالمية» من دون منازع، في ظلّ تحدّي دولة إقليمية كإيران لها، مع ما لذلك من نتائج سلبية على سمعة أميركا وهيبتها دولياً.

انكشاف التمدّد العسكري

إن القوات العسكرية الأميركية في حالة تمدّد مفرط ومكلف وفي حالة انكشاف خطيرة، والاقتصاد الأميركي يزداد عجزاً يوماً بعد يوم، فهل من إمكان للخروج من هذا المأزق المستفحل في المدى القريب؟ وبالنظر إلى نموّ مديونية أميركا العالمية (تقترض اليوم نحو 80 في المئة من مدّخرات العالم)، وعجزها التجاري الهائل، فإن حدوث أزمة مالية كبرى، وبخاصّة في جوّ مشحون عاطفياً تنتشر فيه المشاعر المعادية لأميركا في العالم، بحسب بريجنسكي، قد يكون له عواقب وخيمة ومخيفة على الرفاه والأمن الأميركيَّين. لقد أصبح اليورو منافساً جدّياً للدولار الأميركي (حيث إن خفض قيمة هذا الأخير في مواجهة اليورو لدعم الصادرات الأميركية هو دليل إضافي على ضعف الاقتصاد الأميركي في مواجهة صعود قوى اقتصادية كبرى أخرى)، وثمّة حديث اليوم عن عملة آسيوية جديدة منافسة لكل من الدولار واليورو. وربما أصبحت آسيا المعادية وأوروبا المنطوية على ذاتها، أقل ميلاً لمواصلة تمويل العجز الأميركي (أي الدين الأميركي الهائل) في المرحلة القادمة.
فهل يمكننا تصوّر الوضع المأساوي الذي سوف تكون عليه الولايات المتحدة في ظلّ اقتصاد منهار؟ وهل نشهد نتيجة لذلك سيناريو شبيهاً بسيناريو الحرب العالمية الثانية، التي من بين أسبابها، الانهيار الاقتصادي الذي أصاب الاقتصاد الأميركي، ومعه الاقتصاد العالمي عام 1929؟ من المؤكّد أن حرباً كبرى كتلك سوف تكون هذه المرّة أشدّ كارثية على العالم أجمع (وعلى البيئة أيضاً)، ومن المؤكّد أن الولايات المتحدة سوف تخرج منها أكثر ضعفاً، لأن من المرجّح أن تفقد موقعها الأحادي المهيمن.
وضمن هذا الإطار المتزايد التعقيد، يتساءل الكثيرون عمّا إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على استعادة سمعتها في علاقتها مع العالم الإسلامي، حيث إن فشلها في القيام بذلك سوف يزيد حدّة العداء تجاهها، ويدفع بحركات المقاومة للعمل باتجاه المزيد من محاولات عرقلة جهودها لتثبيت مواقعها في أماكن عدة من هذا العالم. كما أنه، في ظلّ الوضع الأميركي المتأزّم، سوف تعمد الصين إلى تعزيز دورها في العالم الإسلامي، لا مع إندونيسيا وباكستان فحسب، بل مع إيران أيضاً، وكذلك دول الخليج النفطيّة. من هنا يأتي الهاجس الأميركي لمنع قيام مثل هذا التحالف النفطي العملاق، وبخاصة منع قيام محور بيكين ـــــ طهران ـــــ موسكو، الذي أقلّ ما يقال فيه، أنه سوف يهدّد الزعامة الأميركية ويزيحها من مكانها. وإذا تواصل تدهور الموقف الأميركي في هذه المنطقة الشاسعة من العالم، فقد يصبح الحضور السياسي الصيني، برأي بريجنسكي، موضع ترحاب كبير، وسيزيد ذلك نفوذ الصين عالمياً بشكل كبير، ما سيدفع بعض الدول الأوروبية إلى الاستنتاج أن من مصلحة الاتحاد الأوروبي، على المدى البعيد، إقامة علاقة خاصة مع «مجموعة شرق آسيا» الآخذة بالنموّ المتسارع والمتعاظم.
إن ظهور «مجموعة شرق آسيا» على الصعيد العالمي، بحجمها الاقتصادي الهائل، سيمثّل تغيّراً كبيراً في الشؤون العالمية وتراجعاً مهمّاً للسيطرة التقليدية للعالم الأورو ـــــ أطلسي. وقد أخذ يظهر بالفعل تقسيم ثلاثي الأطراف يتكوّن من الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي وشرق آسيا، فيما تفضّل بلدان كالهند وروسيا والبرازيل، وكذلك اليابان، التصرّف بشكل متأرجح بما يتناسب ومصالحها القوميّة. وربما دفع الاستياء الروسي من سياسات الإدارة الأميركية العدائية تجاهها، كإقامة درع صاروخية على حدودها تهدّد الأمن القومي الروسي، وكذلك ضرب حلفاء موسكو كإيران مثلاً، فإن ذلك سوف يدفع بروسيا إلى الارتباط بشكل متزايد بالمتنافسين الصاعدين للولايات المتحدة الأميركية، الذين يشكّلون تحدّياً جدّياً لها، وخصوصاً على الصعيد الاقتصادي.
وهكذا من الممكن برأي بريجنسكي أن نشهد في المرحلة المقبلة ظهور ائتلاف أكثر توجّهاً لمعاداة الولايات المتحدة، ائتلاف تقوده الصين في منطقة شرق آسيا، والهند وروسيا في منطقة أوراسيا، مع إمكانية كبرى لجذب إيران. ورغم أن ذلك الاحتمال يبقى طويل الأمد، فإن انعقاد أول قمّة صينية ـــــ هندية ـــــ روسيّة في سان بطرسبرغ عام 2006 قد أعاد إلى الأذهان احتمال قيام حلف مناهض للغرب يتكوّن من هذه البلدان الثلاثة، وهو حلف كان قد دعا إلى قيامه لينين في الماضي، وخصوصاً أن هذا الحلف سوف يضمّ 40 في المئة من سكان العالم، 44 في المئة من مساحته و22 في المئة من ناتجه المحليّ الإجمالي.

نحو حلف أطلسي موسّع

ولمواجهة مثل هذا الاحتمال، وفي ظلّ وجود وقائع سياسية عالمية جديدة تشير إلى تراجع السيطرة الغربية التقليديّة، يدعو بريجسنكي المجموعة الأطلسية إلى الانفتاح قدر الإمكان، أمام إشراك الدول غير الغربية الناجحة، وبالأخصّ اليابان وكوريا الجنوبية، وإشراكها في تخطيط أمن «الحلف الأطلسي الموسّع». بكلام آخر، فإنه من خلال دعوة اجتذاب دول غير غربية، لكن متقدّمة نحو التعاون الأوثق في القضايا العالمية، يمكن أن يواصل محور الاعتدال والثروة والديموقراطية المسيطر (أي التحالف الأورو ـــــ الأطلسي)، إبراز النفوذ البنّاء في العالم. ودعوة بريجنسكي ليست سوى مناشدة القيادة الأميركية لترشيد آليات الهيمنة الاقتصادية والثقافية الغربية وتصويبها، بقيادة الذراع العسكرية الأميركية، تصويبها بشكل يتيح لها الخروج من مأزقها الحالي المتمثّل برفض بقية العالم لآليات وأشكال الهيمنة تلك. ويمكن وصف تلك الدعوة بأنها مناشدة لفرض «سيطرة إمبريالية أكثر حرفية»، وهو الأمر الذي سبق وأشار إليه وحذّر منه سمير أمين حين تحدّث عن هيمنة بلدان الثلاثيّة (أي الولايات المتحدة، أوروبا، واليابان) على القرار والسلطة والثروة العالمية. وهو ما تحاول الإدارة الأميركية اليوم القيام به، بشكل فظّ وأكثر دمويّة. وقد تلاقت دعوة بريجنسكي تلك مع اقتراح بوش الابن أخيراً، أثناء إلقائه خطابه في هيئة الأمم المتحدة، لإشراك دول جديدة كاليابان في صنع القرار العالمي، وبالتالي توريط تلك الدول في مستنقعات الحروب الأميركية الجديدة.

امبرياليّة متعجرفة

يختم بريجنسكي كتابه بالقول إنه عند بداية الحقبة العالمية، لا تملك القوّة المسيطرة خياراً آخر سوى خيار انتهاج سياسة خارجية عالمية حقيقية في روحها ومضمونها ونطاقها. ولا يمكن أن يكون هناك ما هو أسوأ بالنسبة إلى أميركا والعالم، برأيه، من النظر إلى السياسة الأميركية بأنها إمبريالية متعجرفة في عصر ما بعد الإمبريالية، وأن توصم بالاستعمار في عصر ما بعد الاستعمار، وأنها لا مبالية بأنانية في وجه تكافل عالمي غير مسبوق، وأن تدّعي الصلاح الذاتي في عالم متنوّع دينياً. عندئذ ستكون برأيه أزمة القوة العظمى الأميركية «مميتة».
يتمنّى بريجنكسي أن تكون فرصة أميركا الثانية بعد انتخاب رئيس أميركي جديد عام 2008، أكثر نجاحاً من الأولى التي تجسّدت في ولايتي بوش الابن، إذ لن يكون هناك برأيه فرصة ثالثة (وهذا كلام خطير يصدر عن مستشار أمن قومي سابق). كما يرى أن هناك حاجّة ماسّة لصياغة سياسة خارجية عالمية في أعقاب الحرب الباردة. ولا يزال بوسع الولايات المتحدة برأيه القيام بذلك، شرط إدراك الرئيس المقبل أن «قوة الدولة العظمى تتقلّص إذا توقّفت عن خدمة فكرة ما»، أي إنه يدعو الرئيس الجديد لربط القوّة الأميركية بشكل ملموس بتطلّعات الإنسانية اليقظة سياسياً، وهذا ما فشلت إدارة بوش الابن في القيام به، لا بل قامت بعكسه، ما شكّل خطراً على سمعة الولايات المتحدة وسلطتها عبر العالم، وأفقدها فرصة الإفادة من موقعها الأحادي كي تفرض إرادتها باللين، لا بالقوّة، على شعوب العالم كافة.
يرى بريجنسكي أن التأثير المؤتلف لـ«اليقظة السياسية العالمية» والتكنولوجيا الحديثة، يسهم في تسارع التاريخ السياسي. فما استغرق بنظره قروناً في الماضي يستغرق اليوم عقوداً. وما استغرق عقداً يحدث اليوم في سنة واحدة. وبالتالي فإن تفوّق أي قوّة سيخضع من الآن فصاعداً لضغط متزايد من أجل التكيّف والتغيير في نهاية المطاف. أي إن دينامية «اليقظة الشعبية القومية»، التي تنطوي على تفعيل قدرات غالبية البشر السلبيين إلى حدّ كبير حتى الآن في كل قارّة، لا تشير فقط إلى أن عصر الإمبراطوريات التقليديّة قد ولّى، بل إلى أن السيطرة العالمية «الخرقاء»، بحسب تعبيره، لدولة واحدة، لن تدوم طويلاً.
لقد اعتمد الاستقرار الإمبريالي تاريخياً على السيطرة الماهرة، والتنظيم العسكري المتفوّق، والسلبيّة السياسية للشعوب الخاضعة. إن شعوب العالم اليوم ترفض، بشكل متزايد، آليات الهيمنة الأميركية وأدواتها العسكرية والاقتصادية على حدّ سواء. فهل تلتقط الإدارة الأميركية الجديدة المقبلة الفرصة الأخيرة لاستعادة هيبة وسمعة بلادها؟ أم أنها سوف تزيد الشرخ العالمي الذي لن ينتج منه سوى تزايد العنف وانتشار الحروب على امتداد الرقعة العالمية بدءاً بمنطقة الشرق الأوسط، حيث ستتحوّل الحرب الباردة الدائرة فيها وحولها اليوم، إلى حروب شديدة السخونة. فهل من يتّعظ؟
* باحث لبناني