نصري الصايغ *



I

لا يبصم التاريخ ماضيه. ولا يعيد إنتاج أحداثه. وجوه الشبه فيه للعبرة، لا للنسخ. أما وجوه الاختلاف والتناقض فلا تحصى. باستثناء عرب يبنون على ماضيهم «المجيد»، ركامهم التليد، ويقرأون المستقبل عندما يفرزون حروفهم في أبجدية الماضي.
لا شبه بين الماضي والحاضر إلا في أذهان استنساخية، لا تعترف بالإضافة، ولا تقيم وزناً لغير الكارثة. والأخطر أننا، عندما نعود الى الماضي لنؤكده، ننفي حضورنا التاريخي الثري والحي، ونؤبده في كسل التكرار.
ثمة توضيح ضروري، بهدف إلغاء الصورة النمطية التي يرسمها بعض كتّاب الغرب، وكثير من الكتّاب العرب. ويستخرجون منها قوانين الأحداث، ومصائر أيامهم، فإن خسروا قلّدوا وإن انتصروا انتسبوا.
المقاومة في لبنان، ليست كذلك.
II

يؤرخ برنارد لويس، الأب الروحي للمحافظين الجدد، حقبة الشرق الأوسط ويحدد بدايتها بحملة نابليون بونابرت على مصر في نهاية القرن الثامن، وانتهاءها في ذروة الوفاق بين جورج بوش (الأب) وميخائيل غورباتشوف.
ويمكن اختصار هذه الحقبة، وفق لويس، بقانون مفاده: « إن حملة عسكرية صغيرة، كحملة بونابرت، تستطيع غزو بلد عربي واحتلاله من دون صعوبة تذكر». ولما كان بونابرت قد طرد من مصر على يد الأميرال البريطاني راشيو نلسون، فإن تتمة القانون تصبح كما يلي: «إن حملة غربية ثانية كانت قادرة على إخراج المحتل».
إذاً، لا طاقة للشرق الأوسط، دولاً وشعوباً، على القبول والرفض، فهي عرضة إما لاحتلال لا يقاوم وإما لطرد احتلال أول باحتلال غربي آخر، وما بين الاحتلالين تنافس قوى عظمى وتدخل وتوريط واختراق وتسلل وسيطرة.
لكن تاريخ العرب الحديث، لا يشبه هذه الصورة النمطية بالكامل، وإن كانت أحداث المنطقة قد أبرزت تفاصيل هذه الصورة مراراً، مع قصد لدى المؤرخين بعدم الإشارة الى ان هذا القانون، «العرب بين احتلالين»، قد خرق.
المقاومة كسرت قانون لويس.
III

للتأكيد على استنتاج لويس، ترسيمة عامة: خضعت منطقة الشرق الأوسط لنفوذ متعدد ومتناقض ومتضارب، إذ تصارع البريطانيون والفرنسيون منذ القرن الثامن عشر على وراثة السلطنة العثمانية. انتصرا معاً في الحرب العالمية الأولى، تقاسما المنطقة. أنتجا سايكس ــ بيكو ووعد بلفور.
تكرس النفوذان بالقوة العسكرية، والحكم العسكري المباشر، والحكم المدني المداور، والحكم الوطني المطيع. امتلأ الفضاء السياسي العربي بهذا النفوذ، في مده وجزره، واستمر حتى العدوان الثلاثي على السويس.
تأكيداً لقانون لويس نشير الى:
* احتلال دمشق بالقوة العسكرية.
* إسقاط لبنان من الجغرافيا القومية.
* تنفيذ وعد بلفور بالقوة والمراوغة.
وحدث أن أُخرجت فرنسا وإنكلترا من الشرق الأوسط، لينزل فيها النفوذان السوفياتي والأميركي. واستمرت الحال على هذا المنوال، حتى سقوط الاتحاد السوفياتي.
بعد ذلك: دخل الأميركيون الخليج العربي وتغلغلوا في بلاد المغرب حتى بوابات النفط المشرقية.
ثم: احتلت اسرائيل «سيناء وأُخرجت منها بالتفاوض بواسطة النفوذ الأميركي، ومعها خرجت مصر وباتت في صف التطابق الأميركي.
ثم: احتلت أميركا العراق، وليس بقوة صغيرة، ولم تخرج بعد، لازدياد الطلب العربي على بقائها.
بلى: يمكن الاستنتاج بأن قوة صغرى أو كبرى، تحتل منطقة في الشرق الأوسط، ثم تخرجها قوة أخرى. فمن يخرج أميركا من العراق إذاً، ومن يزيح الاحتلال الاسرائيلي عن فلسطين؟
IV

يغفل المؤرخون وأهل الرأي، الأدوار التي أدتها المقاومة في حقب الانكسارات العسكرية ميدانياً:
عندما قرر الجنرال غورو إخضاع دمشق، وإلغاء الحكومة العربية الاستقلالية السيادية الأولى، لم يقبل التفاوض مع الملك فيصل، لوقف الهجوم من رياق الى دمشق، إلا بعد القضاء على «المخربين». تمنّعت الحكومة ثم وافقت، فشنّت عمليات إبادة للمقاومة العسكرية، التي كانت تكبّد الفرنسيين خسائر كبيرة، وتقطع خطوط الاتصال، وسكك الحديد وسواها. ويروى أن شقيق الملك تكفل بإبادة المقاومة بنفسه في العاصمة دمشق.
نُفّذ الأمر الأول، فطلب غورو حل الجيش العربي الذي كان بقيادة يوسف العظمة ــ تردد الحكم الفيصلي، ثم خضع. فحُلّت فرق الجيش، وعاد الجنود الى بيوتهم.
نُفّذ الأمر الثاني، فباتت الطريق سالكة، فمشاها غورو بسهولة، فيما كان من عاد من التسريح، يلبّي نداء يوسف العظمة للمقاومة المنتحرة.
ثم: إبان العدوان الثلاثي على مصر، واحتلال مدنها، تطوعت المقاومة الشعبية لإخراجه. وقلما نجد لذلك ذكراً في كتب الجيوش العربية المستأثرة بالخسائر والغنائم السياسية والنياشين.
أما من أخرج فرنسا من الجزائر، فليس أي دولة أجنبية. رقم المليون شهيد أصغر من دماء المليونين.
V

تخرج فلسطين من دائرة برنارد لويس. الفقرة الأولى من قانونه صحيحة. «قوة أجنبية صغيرة تحتل أرضاً عربية»، لكن من يخرجها من هذه الأرض؟
الجيوش العربية راكمت الخسائر بجدارة. لم تفلح إلا في تطويع شعوبها وإخراجها من معادلة المقاومة. استقرت الجيوش حكومات طاغية، لاغية، أبدية. ثم تحولت الى فرق عسكرية وأمنية وسياسية، تتلقى أمرها اليومي، من عواصم القرار، ومن نجا منها من النفوذ، عاجز عن الحراك، لأنه قبض على شعبه ولم يفك أسره الطغياني الاستبدادي.
على أن المقاومة الفلسطينية أنجزت نصف المستحيل وأمامها النصف الآخر. حاولت في الأغوار، في الأردن، في الضفة، في الجليل، في الجنوب اللبناني. تعرضت لقبضات إسرائيل الدامية، وتعرضت لكفّ الأنظمة. قبل يومها: «كفّ الأنظمة في رقبة المنظمة» أشدّ وطأة من قصف المخيمات.
خرج شعب من مدن الصفيح واللجوء، ليقاتل عدوه من أي مكان تتوافر فيه مساحة لبندقية. استشهد، أخطأ، أصاب، ولكنه ظلّ مسيطراً على البوصلة: مقاومة الاحتلال. وكانت البنادق البحار والصحاري، ثم عادت لتلزم اسرائيل، على الرحيل من غزة، وعلى الانسحاب من بعض الضفة.
ليس صحيحاً ان احتلالاً بقوة صغيرة تخرجه قوة احتلال أخرى، فلسطين تعود الى أهلها، ولو بعد قرن، بقوة الضعفاء الهائلة.
هنا التاريخ لا يجدي الماضويين، ومستقر في كف الأحداث، ليضعوا العرب في جعبة الاستلاب ودونية العجز.
VI

ما زال الحديث ممكناً عن المقاومة الاسلامية في لبنان، وإن كان يتعذر الحسم في الحديث عن المقاومة في العراق، لشدة الالتباس الطائفي والمذهبي هناك.
قد يكون من المفيد استعادة الإنجازات: انتصارات في أقل من عقد من الزمان؟ تحرير في عام ألفين، وصمود أسطوري في عام 2006. وهو ما لم تفز به جيوش عربية جرارة وحديثة ومتفوقة، بإرادات سياسية خائرة وزائفة ومفلسة.
هنا، في لبنان، سقط الاحتلال بمقاومة. وفي فلسطين، يترنح الاحتلال بفعل المقاومة.
ثم، وهذا هو المفيد، المقاومة، لم تنسخ ماضي العرب، وتاريخ جيوشهم وانكساراتهم، بل نقضته بالكامل. ولذلك، هي اليوم، ليست من الماضي، بل هي مشروع للمستقبل.
وعليه، فكيف يمكن تمهيد الطريق لتحصين المقاومة، من إرث الماضي السياسي العربي المفتون بالتبعية والكسل وإهداء الإرادات، للمريد الأميركي!
وعليه أيضاً، تسقط دعوى الاستنجاد بالأميركي، فهو المحتل الجديد، ولا يقدر محتل آخر إخراجه من المنطقة العربية.
وعليه كذلك، يصير الحديث الاتهامي في لبنان، بأن المقاومة مشروع إيراني ــ سوري ــ فارسي ــ مجوسي، من سقط السياسة.
والمعادلة المزدوجة التي تفصح عن الواقع الإقليمي هي التالية:
فريق مع الولايات المتحدة الأميركية، في كل ما تصنعه أياديها الدموية في العراق وفلسطين والصومال، ومع الولايات المتحدة في كل ما تصنعه سياساتها المعولمة الزاحفة لقضم الخيرات، ومع الولايات المتحدة في كل ما تعلنه (إنها لا تخفي شيئاً) وتنفذه.
وفريق ضد الاحتلال والهيمنة والسرقة.
الأول، لا دين له. والثاني، لا مذهب له.
التمدين والتمذهب سلاحان أميركيان.
المقاومة، سلاح يراهن على الحرية والسيادة والاستقلال.
VII

كذب برنارد لويس كثيراً، أكبر كذباته، عندما وضعنا بين طرفي احتلال. إنما صح معه أن العرب لم يخرجوا احتلالاً بواسطة جيوشهم. ولم يصح معه، أن عصراً جديداً بدأ، يصعب كثيراً حذفه من بداياته.
القرن الواحد والعشرون، عصر المقاومة، بكل أشكالها الجديدة، ديموقراطياً، واقتصادياً، وبيئياً، وثقافياً، و... بالسلاح لمقاومة الاحتلال. فلكل مقام مقاومته الخاصة.
والتاريخ العربي، يمكن أن يتجدد، خارج نمط التقليد، فالمقاومة كانت إبداعاً جمع روح الماضي وأفق المستقبل، بموضوعية الواقع.
* كاتب لبناني