فنسان الغريّب *

يمرّ الاقتصاد الأميركي اليوم بأزمة مالية خطيرة سوف يؤدّي تحوّلها وتطوّرها الى أزمة مالية كبرى، وإلى التسبّب بنتائج أسوأ بكثير من نتائج أزمة عام 1929، بحسب العديد من المراقبين والمحللين الاقتصاديين.
إنّ هذه الأزمة لن تؤدّي إلى ضرب أسس الاقتصاد الأميركي بكامله فقط، بل سوف تمتدّ أيضاً كي تطاول اقتصادات أخرى حول العالم نظراً للارتباط العضوي بين الاقتصاد الأميركي وهذه الاقتصادات. ارتباط بُني بُعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بفعل اقتصاد عالمي تزعّمته الولايات المتحدة طيلة عقود، ونشهد بداية نهايته اليوم مع تراجع الاقتصاد الأميركي في ظلّ تحوّل أميركا من بلد دائن إلى بلد مدين، ومع صعود قوى وتجمّعات اقتصادية كبرى تنافس الاقتصاد الأميركي الذي يعاني اليوم أزمات بنيوية رفضت الإدارات الأميركية المتعاقبة معالجتها، مفضّلةً التهرّب من تلك المعالجة عبر اتّباع سياسات اقتصادية ومالية تحاول الالتفاف على المشكلات الحقيقية، جاعلةً من الاقتصاد الأميركي اقتصاداً تابعاً لرؤوس الأموال الأجنبية، التي يجري ضخّها يومياً في هذا الاقتصاد لإبقائه على قيد الحياة.
إنّ تراجع الاقتصاد الأميركي ودخوله مرحلة ركود طويلة المدى، سوف تكون له نتائج كارثية على «الإمبراطورية الأميركيّة» التي كانت حرب العراق بداية النهاية لعصر «الأحادية القطبية» القصير الأمد، الذي سرعان ما أدّت سياسات المحافظين الجدد إلى عكس ما كانت تبتغيه من أهداف. فبدل إطالة عمر هذه الإمبراطورية وتأبيد الهيمنة الأحادية الأميركية على العالم، نشهد اليوم بداية تراجع المشروع التوسّعي الأميركي ومؤشّرات على انهيار هذه الإمبراطورية. أمّا مدخل هذا الانهيار، فسوف يكون تعرّض الأسواق المالية الأميركية لانهيار مالي شامل، ما سوف يسبّب انتقال عدوى الأزمة إلى باقي الأسواق المالية حول العالم، وبالتالي وقوع أزمة مالية عالمية كبرى، لكي يُعاد خلط أوراق القوى العالمية والتوازنات التي يقوم عليها النظام الدولي اليوم، كي يتكوّن نظام عالمي جديد أقل اعتماداً على القوة الأميركيّة المهيمنة وأكثر عدلاً وتعدديّة.
يغرق القطاع المالي الأميركي اليوم بكامله في الأزمة التي سوف تمتدّ من قطاع العقارات كي تضرب باقي القطاعات الأخرى، حيث يمثّل القطاع المالي العمود الفقري للاقتصاد الأميركي.
لم تُتَّخَذ الإجراءات الكافية بعد فضيحة شركة «انرون» التي لم تكن الشركة الوحيدة التي تفتقد أعمالها الشفافية أو الأخلاقية، بل إنّ الفساد قد أصاب كبريات الشركات الأميركية التي يرأس إداراتها عدد غير قليل من صقور الإدارة الأميركية وعلى رأسهم ديك تشيني الذي يستفيد اليوم، على عكس مواطنيه، من ارتفاع أسعار النفط. إنّ «انرون» لم تكن هي الوحيدة التي غرقت في عمليات غشّ محاسباتي ولم تكن الوحيدة التي تلاعبت ببيانات أرباحها مضخّمة هذه الأرباح بشكل وهمي، ما سبّب إفلاس الشركة وضياع أموال المساهمين الذين ينتمون إلى الطبقة الوسطى أو إلى فئة العمّال والموظّفين الذين عادةً ما يُفرض عليهم توظيف أموالهم ومعاشاتهم التقاعدية في أسهم الشركات التي يعملون فيها. وكما عوّضت إدارة بوش الابن حينها على الشركات المفلسة، نراها تعوّض اليوم على الشركات المالية التي تعمل في قطاع العقارات، والتي شهدت إفلاسات متلاحقة، من دون أن تمنح أي تعويض للمواطنين الأميركيين الذين أفلس الكثير منهم بسبب الفساد والسياسات المالية الخاطئة المتبّعة من جانب مديري تلك الشركات!
لا بدّ من الإشارة في هذا الإطار، إلى أنّه لولا الأموال الناتجة من فقاعة الرهون العقارية التي كانت تسمح بالاستهلاك بفضل رأس المال الموظّف في هذا القطاع، لكان الركود الذي بدأ يضرب الاقتصاد الأميركي اليوم، قد ظهر قبل أشهر عديدة من الآن (أقلّه تسعة أشهر).
لقد مثّل هذا الإنفاق الاستهلاكي «قناعاً» أخفى حقيقة الوضع المالي المتردّي، الذي عاد وظهر جليّاً مع تفجّر الفقّاعة المالية للرهون العقارية بعد أشهر قليلة.
يقف الاقتصاد الأميركي اليوم على أعتاب مرحلة ركود جديدة سوف يكون، برأي الكثير من الخبراء وعلى رأسهم الباحث الاقتصادي بول جوريون، ركوداً أسوأ بكثير من ركود عام 1929 وسوف يضرب معظم الأسواق المالية حول العالم، التي سوف يصيبها الجفاف أو النضوب الواحدة تلو الأخرى.
لقد جرى تطوير الآليات المالية المعقّدة (وخلق مشتقّات جديدة) بهدف زيادة الأرباح. إلّا أنّ الثقة بتلك الأسواق، أو بالأحرى بالسيولة، آخذة بالتبخّر اليوم. إنّ نضوب الأسواق المالية سوف تكون نتائجه وخيمة على المواطن الأميركي، وكارثية على البلدان الأخرى والمسشتثمرين الأجانب الذي يوظّفون أموالهم في هذه الأسواق، مع تراجع قيمة سعر صرف الدولار اليوم من دون أن تتمكّن قرارات بوش الابن المالية من أن توقف هذا التدهور المتعاظم، حيث نرى أن الأزمة آخذة بالتفاعل دون أن يتمكّن أحد من إيقافها، وذلك بالرغم من كل الإجراءات المتّبعة.
لقد أسهم اتساع الهوّة بين الأميركيين إلى تعميق حدّة تلك الأزمة. منذ ستينيات القرن الماضي، تدنّت العائدات المنخفضة فيما ازدادت المرتفعة منها، وهو عامل أسهم في تعميق حدّة الأزمة المالية أكثر من عامل الإنفاق العسكري على الحرب على الإرهاب وحربي أفغانستان والعراق، حيث يمكن إصدار المزيد من الدولارات لتجاوز أعباء هذا الإنفاق الضخم، بالرغم من التكاليف والنتائج الخطيرة المترتّبة على إجراء كهذا على «وول ستريت»، حيث إنه من الممكن امتصاص تلك النتائج (إحدى هذه النتائج هي التي نشهدها اليوم من تدنٍّ في قيمة الدولار).
إنّ المشكلة الحقيقية التي يواجهها الجيش الأميركي اليوم، تكمن في مشكلة التطوّع فيه. لم يعد العراق يمثّل العنوان الأول في نشرات أخبار وعناوين الصحف الأميركية، حيث ينصبّ اهتمام المواطن الأميركي اليوم أكثر فأكثر على القضايا الاقتصادية الداخلية التي تمثّل اليوم العبء على معيشته. وحين يفكّرون في الاقتصاد، يتركّز اهتمامهم أساساً على قضية «الضمان الصحّي» الذي يمثّل أولوية بالنسة إليهم. يعيش اليوم سبعة وأربعون مليون أميركي من دون أي تغطية صحية أو ضمان صحّي، وعدد غير المستفيدين هؤلاء يزداد يوماً بعد يوم، كما أنّ تكاليف التأمين الصحّي ترتفع هي الأخرى.
إنّ ما يرغب المواطن الأميركي في سماعه اليوم هو ما يتعلّق بقضية الصحة، وكيفية معالجتها من جانب مرشّحي الرئاسة الأميركية. لقد كانت هيلاري كلينتون قد تقدّمت بمشروع ضمان صحّي جديد لدعم دخول زوجها إلى البيت الأبيض، إلّا أنّها واجهت معارضة شديدة للمشروع من جانب تحالف صناعة الأدوية الأميركية وشركات التأمين، وهو تحالف يملك قوة مالية كبرى رأى في مشروع كلينتون هذا ضرراً على مصالحه. أمّا المفارقة في الأمر اليوم، فهي أنه من بين أكبر مموّلي حملة انتخابات كلينتون إلى الرئاسة (وكذلك منافسها أوباما)، هي شركات الأدوية والتأمين تلك.
إنّ ما نشهده اليوم في الولايات المتحدة هو الاختفاء المبرمج لدولة الرفاهية بسبب اعتماد إدارة بوش الابن سياسة فكّ القيود والأطر المنظمّة (وهي سياسة اتّبعتها في البدء إدارة ريغان، حيث يعدّ بوش الابن الوريث الشرعي لمدرسة ريغان المتميّزة بالجنوح نحو الليبرالية المفرطة في المجال الاقتصادي وضرب قطاعات الدولة الراعية لمصلحة القطاع الخاص، أو ما يعرف بالليبرالية الجديدة، منهج المحافظين الجدد في المجال الاقتصادي). إنّ اتّباع «سياسة الأقوى» من جانب تلك الإدارة ومن يديرها من منظّري الليبرالية الجديدة (الذين يريدون تصدير سياساتهم الاقتصادية إلى البلدان الأخرى بدعم من منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي)، سوف يؤدي، برأي جوريون، إلى «كارثة غير مسبوقة»، أزمة أكبر من أزمة 1929 مع ما يستتبع ذلك من كوارث وحروب وأزمات كتلك التي حصلت خلال الحرب العالمية الثانية، هذه الحرب التي كانت أزمة 1929 أحد أهم مسبّباتها. لن يكون الحلّ أمام الإدارة الأميركية المقبلة للخروج من تلك الأزمة ـــ المأزق (أياً تكن هوية الفائز في الانتخابات الرئاسية المقبلة)، سوى إعادة الاعتبار لـ«دولة الرعاية»، كما حصل بعد أزمة 1929 في حقبة روزفلت.
إنّ المغامرات العسكرية الخارجية لن تؤدّي إلى معالجة الخلل الاقتصادي الداخلي. والسبيل الوحيد هو بإعادة تركيز الجهد على المشكلات الاقتصادية الأميركية الداخلية وإعادة تفعيل دولة الرعاية. أما الذين يدّعون أن «اليد الخفيّة» سوف تعالج تلك الأزمة تلقائياً، فيتناسون أن هذه «اليد» لا تعمل سوى خلال الفترات الطبيعية، وأنّ الحلول الأميركية المتّبعة من جانب بوش منذ ثماني سنوات، لم تعد مفيدة، ولم تؤدِّ سوى إلى تأجيل الانهيار الشامل لبعض الوقت. لقد قادت سياسة الإعفاءات الضريبية التي اتّبعها بوش إلى كارثة. لقد آن الأوان لاتخاذ العبر.
إنّ السؤال المطروح بقوّة اليوم هو، ما النتائج الكارثية التي سوف يشهدها العالم في حال انهيار الأسواق المالية الأميركية وانهيار الدولار، اللذين سوف يستتبعان تلقائياً انهيارات متتالية في الأسواق المالية العالمية (بفعل تأثير العدوى)، الأمر الذي سوف يؤدّي بدوره الى إعادة تكوين النظام المالي العالمي وفق أسس جديدة لا تقوم على الركيزة الأميركية. لكن هل هذا التحوّل في ميزان القوى (الاقتصادي والمالي) الدولي سوف تقبل به (وتخضع له) واشنطن سلمياً وتسلّم بتحوّل النظام العالمي نحو نظام أكثر تعدّدية وتوازناً، أم أنّ رفض واشنطن سوف يسبّب حرباً عالمية جديدة ستكون نتائجها من دون شكّ كارثيّة على أميركا نفسها كما على بقية العالم.
في كل الأحوال، فإنّ نتيجة هذه الأزمة المالية الكبرى التي سوف تضرب أسس الاقتصاد الأميركي والنظام المالي الدولي الذي بنته بنفسها، ستكون نتائجها وخيمة على الولايات المتحدة قبل غيرها، حيث ستؤدي إلى تراجع نفوذها على الساحة الدولية وتمهّد لقيام نظام عالمي أكثر احتراماً للإنسان والبيئة.
* باحث لبناني