حسان الزين

ليس غريباً أن تكون القوات اللبنانية ورئيس هيئتها التنفيذيّة سمير جعجع عنوان الخلاف بين رئيس تيّار المستقبل سعد الحريري وسوريا. هذا متوقّع إلى حدّ البداهة، والأمر يتجاوز صدق الحريري مع حلفائه من عدمه، على أهميّة ذلك في الحسابات السياسية و«أخلاقها». والحريري يعرف أن تراجعه عن هذا التحالف، مع القوّات اللبنانية، هو أقرب إلى الخيانة، إضافةً إلى كونه عزلاً للقوّات وعودة إلى النصف الأوّل في التسعينات، حين تُركت القوّات وحيدة وأُدخِلَ قائدها، بحسب لغة ذاك الزمن وقاموسه الحربي المستمر، السجن. وقبل أيّ حديث عن الغاية السورية من «فك» الحريري تحالفه مع القوّات، لا بد من القول إن هذه الخطوة تعني تراجع الحريري عن شعارات السيادة والاستقلال المرتبطة بالمحكمة الدوليّة.
وليس في هذا الكلام أيّ رغبة في نسب تلك الشعارات إلى القوّات، حتى إن كانت ما زالت تكرّرها وترفع سقفها، بل معنى الكلام أن فكّ الحريري تحالفه مع القوّات مدخل للرجوع إلى القواعد السابقة في علاقات القوى السياسية اللبنانية مع سوريا، بما فيها من إملاء وشروط.
كأنّ الحريري يدرك ذلك ويعانده، أو يسعى إلى إيجاد مخارج له وتدوير زواياه، من خلال عمله مع القوات لاختراعهما معاً معادلة تحفظ للقوّات استقلالية أو خصوصية ما في خطابها، وفي الوقت نفسه تمشي معه في «التسوية» السعودية ـــــ السورية. لكنْ دون ذلك صعوبات كثيرة، أولاها أن القوّات ورئيسها ليسا من «طينة» التسوية بشروطها الحالية وما يبدو منها ويلوح. مرجعُهما ليس السعوديّة. وهذا ليس اتهاماً بعلاقات خارج دائرة التسوية، بل إن «تطرّفهما» يضعهما خارج التسوية قبل أن تكتمل أضلاع التسوية وملامحها في المنطقة لا في لبنان وحده.
هذا الأمر تتحسّس منه القوّات ويزعجها لكن يجب أن يُقال، ويجب أن تستثمره القوّات في حركتها نحو لبنان، وفي إنتاجها خطابها عن لبنان وللبنان. نعم، تطرّف القوّات ورئيسها في مكان ما مفتوح على قيم لبنان والسيادة والاستقلال، وإن كانت المشكلة الأساس في هذا الأمر هي القوات نفسها، إذ تسبقها صورتها كميليشيات ارتبطت، يوماً ما، بإسرائيل، وارتدت من ثيابها وحملت من أسلحتها. وبالرغم من ذلك لا يجوز أن يتحوّل الأمر مدعاةً للتفريط بقيم السيادة والاستقلال، أو أن يكون مبرراً للتنازل عن تحسين شروط لبنان في العمل لتحقيق سيادته واستقلاله، ودوره المستقبلي ومشروع بناء الدولة الديموقراطية فيه. وغير هذا الكلام سياسي وليس بريئاً.
تستدعي هذه المقاربة للقوّات النظر إليها من خارج الكليشيهات والتناول الإعلامي وما يأسرها ويعزلها. وعليها، في هذا، دور الحوار والنقد والخروج من صورة الملاك غير الحقيقيّة لقوى سياسية تلعب اللعبة الشعبوية وحساسيتها المذهبية عالية جدّاً وذات ارتباطات عابرة للحدود.
لا شك في وجود اختلاف بين القوّات والمستقبل، لكنّهما إذ يقدّمان نموذجاً لتحالف يحفظ مساحات للاختلاف والحوار، يدركان أن مصالحهما السياسية مشتركة. وإذا كانت خريطة طريق المستقبل تُفضي إلى التفاهم مع دمشق وفق التوافق السعودي ـــــ السوري، فإنه لا يجد مبرّراً للاستغناء عن تحالفه مع القوات، لأن في ذلك ارتماءً في الأحضان السورية، وضرباً للمختلفين معها وإضعافاً للأفرقاء الإقليميين والدوليين الآخرين. وهذه المعادلة «المستقبلية» لمصلحة القوات وتظلّلها، كما في خطابها السياسي كذلك في حركتها الداخلية بهذا الاستحقاق وغيره.
واستراتيجياً، سواء أكان في الإقليم أم في الداخل، في مواجهة سوريا وإيران وحزب الله، ليس من مصلحة القوات والمستقبل فكّ تحالفهما، سواء أنتج ذلك تسوية وتوازناً أو حرباً.
ليس في الأمر مزاج شخصي لدى الحريري في عدم ترك حلفائه. المسألة أعقد من ذلك وتتجاوز الشكليات. والتسوية لم تنجز بعد، والمحكمة الدولية ما زالت تخيّم على لبنان والمنطقة، والتوازن المذهبي مختل، وفوق هذا ما زالت العلاقات اللبنانية ـــــ السورية تعني علاقات أفرقاء لبنانيين مع دمشق، وهذه محكومة ببورصة المنطقة وسياساتها.