حسين آغا وروبرت مالي*

يجلس الإسرائيليون والفلسطينيون على الطاولة نفسها يوم الخميس [الفائت]، لكنّ ما يفرّقهم أكبر من الهاوية التي تفصل بين مواقفهم الحقيقية. فاللاتوازي المذهل بين الطرفين يمكن أن يهدّد المحادثات برمّتها. يترأس رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دولة مستقرة، ويبدو قادراً على الالتزام بتعهّداته. في المقابل، على الرغم من الاحتفاء ببناء مفترض للمؤسسات، لا يملك الفلسطينيون أيّ سلطة مركزية متينة. تنقسم أرضهم بين الضفة الغربية وغزة. وإن تُركوا وحدهم، فسيجد الفلسطينيون صعوبة في تطبيق أيّ اتفاق، مهما تمنّوا ذلك. تسيطر إسرائيل أيضاً على كلّ الأصول المادية، ولا يستطيع الفلسطينيون، في أحسن الأحوال، سوى تقديم تصريحات ووعود غير ملموسة.
يعمل نتنياهو في إطار توافق داخلي. تتوافق مواقفه مع الشعب الإسرائيلي في قضية تلو الأخرى: القبول بحلّ الدولتين، الإصرار على اعتراف فلسطيني بيهودية دولة إسرائيل، رفض إيقاف تام للاستيطان ومن ضمن ذلك القدس، ورفض الشروط المسبقة للمفاوضات. لا يريد اليمين، الذي ينتمي إليه، أو اليسار الذي ينفّذ نتنياهو طموحاته الخاصة بالسلام، حرمانه من التفويض المعطى له للتفاوض. يتوجّه نتنياهو، بشروطه هو، إلى مفاوضات طالب أن تستمر عشرين شهراً، أما الرئيس الفلسطيني محمود عباس، فيُجرّ إليها من دون تحقيق أيّ من شروطه المسبقة.
لم تكن القيادة الفلسطينية يوماً على هذا القدر من الضعف. عارضت تقريباً كلّ المجموعات الفلسطينية السياسية المشاركة في المفاوضات المباشرة، باستثناء «فتح» التي ساندتْها ببلادة. حتى مناصرو عباس ينظرون بعين الشك إلى قراره القاضي بالحضور إلى واشنطن. في المقابل، يساند نتنياهو حتى من يعارضه.
يعرف الجميع وجهات النظر الفلسطينية. ثمّة تمايز ضئيل، إن لم نقل تمايزاً معدوماً، بين مواقفهم العلنية، الأولى والأخيرة. لكن لا أحد يعرف حقيقة الموقف الإسرائيلي. يمكن أن يبدأ نتنياهو بالمواقف المتطرفة ثمّ يتنازل، مظهراً ليونة، مقابل ما يمكن اعتباره حتماً عناداً فلسطينياً. من المرجّح أن يكون الفلسطينيون محبطين، والجو مسموماً.
صرف المفاوضون الفلسطينيون ساعات كثيرة على قضايا الوضع النهائي منذ التسعينيات. العكس صحيح في الجانب الإسرائيلي. انطلاقاً من نتنياهو، وبالعودة إلى من سبقوه، تناولت شخصية بارزة واحدة فقط قضايا الوضع الدائم بجدية، وليس واضحاً ما هو الدور الذي يمكن وزير الدفاع إيهود باراك أن يؤديه. يجب أن يفيد هذا التباين الفلسطينيين، فالخبير يتفوّق على المبتدئ. لكنّهم سيكونون أسرى مواقفهم المكررة التي عفّى عليها الزمن، فيما سيكون الإسرائيليون أحراراً في تقديم أفكار جديدة. هكذا سيواجه الفلسطينيون مرة أخرى المهمة المحبِطة القاضية بالبدء من الصفر في مسار مشوا فيه في مناسبات عدّة.
عزلة إسرائيل المتزايدة، واعتمادها الكبير على المساعدة الأميركية، لم يعرّضا قدرتها على اتّخاذ خيارات مستقلة للخطر. في المقابل، تقلّصت قدرة القيادة الفلسطينية على اتخاذ القرارات.
كانت القرارات الفلسطينية الأخيرة متماشية مع المطالبات الدولية، وذلك ضد الرغبات الغريزية للقيادة وفي تناقض واضح مع التطلعات الشعبية. رغم هذا الإذعان، لا يستطيع القادة الفلسطينيون الاعتماد على الدعم الدولي، ويشعرون أنّ حلفاءهم العرب خانوهم، كذلك تخلّت عنهم واشنطن. وعكس ذلك، تحدّت إسرائيل إدارة أوباما دون تعريض صلاتها الوثيقة بواشنطن للخطر. سيضطر الفلسطينيون إلى أن يأخذوا في الاعتبار آراء الدول العربية والمسلمة، فيما تستطيع إسرائيل أن تفاوض بنفسها ومن أجل ما تراه في مصلحتها، دون استشارة طرف خارجي.
ماذا سيحصل إذا فشلت المفاوضات؟ رغم أنه دون المقبول من وجهة


يخسر عباس حتى لو ربح، ويربح نتنياهو حتى لو خسر
نظرها، لا يمثّل الوضع الراهن أي خطر على إسرائيل. ما يريده الإسرائيليون من أيّ اتفاق هو شيء تعلّموا أن يعيشوا بدونه (الاعتراف الفلسطيني) أو اعتادوا تحقيقه بأنفسهم (الأمن). قد يكون الخطر الديموغرافي مبالغاً فيه، رغم اعتبار العديدين أنّه سبب للتحرك بسبب إمكان تفوّق عدد العرب على اليهود، ما قد يجبر إسرائيل على الاختيار بين بقائها يهودية، وتحوّلها إلى ديموقراطية. لقد فصلت إسرائيل نفسها أصلاً عن غزة. في المستقبل، تستطيع التنازل، أحادياً، عن مناطق في الضفة الغربية، مقلّلة بالتالي من احتمالات الوصول إلى أغلبية عربية محتملة. يفتقر الإسرائيليون إلى الإحساس بالحاجة إلى العجلة لأنّهم يملكون بديلاً مناسباً. في المقابل، فإنّ لدى الفلسطينيين خيارات محدودة ويحتاجون يائسين إلى اتفاق.
على أيّة حال، سيعود عباس إلى مجتمع محطّم ومنقسم على نفسه. إذا توصل إلى اتفاق، فإنّ العديد من الأشخاص سيسألونه باسم من كان يتخلّى عن الحقوق الفلسطينية. وإذا فشلت المفاوضات، فسيتهمه عديدون بأنّه تعرّض للخداع مرة أخرى. أمّا نتنياهو، فإن عاد مع اتفاق فسيصبح قائداً تاريخياً. سيزيد عدد مناصريه، وسيجد اليسار نفسه غير قادر إلا على الترحيب. وإذا انهارت المحادثات، فسيشكره مناصروه لأنّه كان حازماً، فيما من المتوقع أن يلوم منتقدوه الفلسطينيين. سيكون عباس ملعوناً إذا توصّل إلى اتفاق، وملعوناً إن لم يحصل ذلك. وسينجح نتنياهو إذا نجحت المحادثات، وسيعيش إذا فشلت. يخسر أحد الاثنين حتى لو ربح، ويربح الآخر حتى لو خسر. ليس هناك لاتوازٍ أكثر من ذلك.
* عن صحيفة «واشنطن بوست»