بوتيرة متصاعدة، تسير «لعبة المحاور» بين المحور التركي ــــ القطري ومحور «الاعتدال العربي» (ممثلاً في الرباعي: السعودية، الإمارات، مصر والبحرين). منذ عام 2015، تكاثرت النقاط الساخنة بين المحورين، لكن بعد المواجهة في ليبيا، بات كلّ شيء جاهزاً لدخول مرحلة «اللعب على المكشوف»، فيما تجاوزت حدود المواجهة الميدان، وجرى استدعاء التاريخ والجغرافيا والعرق والدين.

تصفية الحساب الجديد ــــ القديم هي عنوان لعلاقات ملتهبة، كان غبار الفوضى العارمة التي اجتاحت الشرق الأوسط منذ عام 2011 يستر المدى الناري الذي بلغته، بعدما التهمت أجزاء جوهرية من سيادة واستقرار، وحتى مصير دول أعضاء في ما يسمى «الجامعة العربية». أعادت ثورات «الربيع العربي» رسم خريطة الشرق الأوسط، واستنفر المتربّصون من أرباب الثورة المضادة للانقضاض واختطاف الجنين الثوري قبل استكمال شرط ولادته التاريخية الطبيعية.

خضوع القاهرة لحكم الآستانة حقباً من الزمن العثماني لم يخمد تطلّع مصر إلى الريادة في الشرق (أ ف ب )

منذ عام 2011، بدت تركيا لاعباً شرق أوسطياً، شأنها شأن بقية اللاعبين الإقليميين والدوليين. وكان وصول «الإخوان المسلمين» إلى سدة الحكم في مصر في تموز/ يوليو 2011 قد أطلق أشرعة الأمل بتحقق الحلم «الإخواني» بمشروع الدولة ــــ الأمة الذي انهار بأفول الخلافة العثمانية عام 1924.
تحوّلت تركيا إلى موئل لقادة الجماعة الذين ينفرون كل عام للاجتماع السنوي فيها والتفكير في مشروع المستقبل. ولكن «لو تُرك القطا لغفا ونام»؛ إذ ثمة في المقلب الآخر من يعمل على تقويض الحلم «الإخواني» في مهده. وكان انقلاب حزيران ــــ يونيو/ تموز ــــ يوليو 2013 على محمد مرسي بتمويل سعودي ــــ إماراتي بداية انهيار ذلك الحلم، والذي فجّر غضباً تركياً عارماً، وشكّل فاتحة مسار من الخصومة، ليس بين تركيا ومصر السيسي فحسب، بل بينها وبين «محور الشر»، الذي يضم السعودية والإمارات ومصر.
اختار اللاعبان السعودي والإماراتي قواعد اشتباك من نوع مختلف، وقرّرا الهروب إلى الأمام في المواجهة مع أنقرة. وكانت محاولة الانقلاب في منتصف تموز/ يوليو 2016 الرسالة الصاعقة التي وصلت إلى الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، من أبو ظبي والرياض. أدرك إردوغان أن خصومه أحرقوا مراكب العودة، وأن المعركة لا حدود لها، وقد تخترق القصر الرئاسي.
في ليبيا، كما في سوريا والعراق، وفي قبرص حيث النزاع التركي ــــ اليوناني، ثمة شعاع مواجهة يتّسع بسعة الغضب والحلم لدى أطراف الصراع كافة. فالصراع هذه المرة بلا جبهات، وهذا هو معنى أن يكون صراع محاور، إنه أشبه بلعبة الشطرنج، حيث يتمّ تحريك الجنود والملوك والقلاع بحسب الفرصة والخدعة اللتين تحدّدان طبيعة كلّ معركة.
دعمت تركيا حكومة «الوفاق الوطني» في ليبيا بقيادة فائز السراج والمدعومة من الفصائل الإسلامية، في مقابل قائد «الجيش الوطني» الجنرال المتقاعد خليفة حفتر المدعوم من السعودية ومصر والإمارات والأردن. خسارة حفتر في معارك الغرب الليبي كانت فاصلة لجهة انتقال الصراع إلى نقطة مصيرية يتقرّر على أساسها مَن يبقى ومَن يرحل في المعادلة الليبية الميدانية، وتالياً السياسية.
ليس في الذاكرة التاريخية ما يسعف. فما يفرّق تركيا ومصر أكثر مما يجمعهما، والتاريخ يخبر عن تجاذب حادّ بينهما، وأن خضوع القاهرة لحكم الآستانة حقباً من الزمن العثماني لم يخمد تطلّع مصر إلى الريادة في الشرق. وكانت ثورة تموز/ يوليو 1952 بداية القطيعة النهائية بين البلدين، بعد إطاحة النظام الملكي، بإرثه العثماني. لاحقاً، أدى الانبعاث القومي العروبي من مصر ــــ عبد الناصر، والتمفصل الجديد للتحالفات (انحازت القاهرة إلى المعسكر السوفياتي، فيما انحازت أنقرة إلى المعسكر الأميركي) إلى تزايد التباعد بين البلدين، وفي الوقت الذي لم يقرّب فيه ذلك بين الرياض وأنقرة، حيث بقيت السعودية متمسّكة بتحفّظها على أيّ تقارب مع تركيا لأسباب تاريخية وأيديولوجية واستراتيجية.
الملفات الخارجية هي الميادين التي يحتدم الصراع عليها بين أنقرة والقاهرة والرياض وأبو ظبي. في الحرب الباردة، كان عزوف مصر عن دعم الموقف التركي في المحافل الدولية في المسألة القبرصية، يكافئ، من وجهة النظر الناصرية، تطبيع العلاقات التركية الإسرائيلية. يختلف الحال في الوقت الراهن، تركيا إردوغان تعيب على السعودية موقفها المتخاذل من القدس في قضية «صفقة القرن». وكان إردوغان قد خاطب السعودية في أواخر كانون الثاني/ يناير الماضي بالقول: «أحزن عند النظر إلى مواقف الدول الإسلامية، وعلى رأسها السعودية، حيث لم يصدر منها أي تصريح (رافض لصفقة القرن)، فمتى سنسمع صوتكم؟». وردّ عليه أحد أمراء آل سعود، وهو عبد الرحمن بن مساعد، قائلاً: «نفّذ أولاً ما هدّدت بتنفيذه تجاه إسرائيل حين أعلن ترامب قبل عام وأكثر نقل السفارة إلى القدس... كان هذا في تصريح عنتري كتصريحك الآن... ولكن لم يحدث شيء مما زعمت أنك ستقوم به...».
في القيادة العسكرية المصرية من يرفض الامتثال لرغبات السعوديين والإماراتيين


سلك صراع المحاور درباً شائكاً، وطاول ملفات حيوية تشمل غزة وقبرص والعراق وسوريا، وصولاً إلى ليبيا. الخلاف التركي ــــ المصري في المسألة السورية تَفجّر سريعاً، وحسمت القاهرة موقفها في وقت مبكر بعد انقلاب تموز/ يوليو، حيث أعلنت دعمها للرئيس السوري بشار الأسد حتى قبل أن تبدأ الرياض وأبو ظبي إعادة التموضع في سنوات لاحقة. كما بدا الخلاف التركي ــــ الخليجي جليّاً في المسألة الكردية، كما تخبر زيارات ثامر السبهان، وزير الدولة لشؤون الخليج العربي، إلى مناطق شرقي الفرات، ولقاؤه قيادات «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد)، والذي لا تفسير له، تركياً، سوى كونه مناكفة سعودية.
لم يتأخر الرد التركي على انتقادات الرياض لعملية «نبع السلام» التي أطلقتها تركيا في شرقي الفرات في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، حيث خاطب إردوغان السعودية آنذاك بالقول: «إن على المملكة العربية السعودية أن تنظر في المرآة، قبل أن تنتقد عملية نبع السلام». وقابل موقفها بموقف مضادّ من الحرب على اليمن، قائلاً: «على السعودية أن تنظر في المرآة، من أوصل اليمن إلى هذه الحالة؟ كيف هي أوضاع اليمن الآن؟ ألم يمت آلاف الأشخاص في اليمن؟ عليكم أولاً أن تقدّموا حساب ذلك». وعرّج على السيسي بالقول: «أما رئيس النظام في مصر، فلا تتكلم أبداً، فأنت قاتل الديموقراطية في بلدك».
في لغة إردوغان رسائل موجّهة ومقصودة، فهو يلعب بورقة الرأي العام حين يذكّر السعودية بالكارثة الإنسانية التي تسبّبت بها في اليمن، كما يذكّرها بضعفها في مواجهة حركة «أنصار الله»، وعجزها عن درء الهجمات الجوية ضدّ منشآتها النفطية. وهو هنا يخاطب أنصار النظام السعودي، ويلامس صميم كرامة آل سعود التي تمرّغت في الوحل اليمني.
على الجبهة التركية ــــ المصرية، استضافت القاهرة في الثامن من تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 قمة ثلاثية جمعت السيسي ورئيس وزراء اليونان أنطونيس ساماراس، والرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس، وكان عنوان القمّة بحسب الصحافة المصرية «مواجهة أطماع أنقرة في المنطقة»، وبحث إمكانية ربط حقول الغاز القبرصية بالمنشآت البترولية في مصر. وفي 11 أيلول/ سبتمبر 2019 أجرى وزير الخارجية السعودي السابق، إبراهيم العساف، لقاءات مع المسؤولين في قبرص، في زيارة هي الأولى لمسؤول سعودي رفيع، وتبطن رسالة واضحة إلى تركيا، ولا سيما من ناحية تصريح العساف بدعم موقف نيقوسيا في خلافها مع أنقرة في شأن التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط، وهو ما وصفته قناة «AHABER» التركية بـ»الصفيق».
ما يراد من مصر خليجياً أبعد من مجرد الضجيج الإعلامي والتلويح بالخيار العسكري. صحيح أن مصر هي القوة العسكرية الأكبر في العالم العربي، لكن دخولها في مواجهة مباشرة تقليدية أو حروب الوكالة ضدّ تركيا يضعها أمام امتحان جدارة، وقد يخدم، نسبياً، النظام السعودي في صرف الأنظار عن فداحة خسارته العسكرية في اليمن، حيث لا تزال الرياض عاجزة عن تصميم «إخراج لائق» لورطتها. معارك ليبيا، بقدر ما تنقل جزءاً من الاهتمام الإعلامي الإقليمي والدولي، تفتح في الوقت نفسه الصراع مع تركيا على أفق أوسع، وتزجّ بمصر في الواجهة. قد تجد القاهرة مبررات كافية للمواجهة مع أنقرة، لكن السؤال: هل هذا هو الخيار الصائب؟
كانت تركيا، في عهد عمر البشير، قد حصلت في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018 على امتياز استراتيجي بمنحها حق تطوير وإعادة تأهيل جزيرة سواكن الواقعة شرق السودان في البحر الأحمر، والتي وصفت بأنها قاعدة عسكرية تركية. أثار القرار السوداني حفيظة مصر والسعودية والإمارات، كلّ لأسبابه، فكان قرار إسقاط البشير عبر انقلاب عسكري مشابه لانقلاب مصر في 3 تموز/ يوليو 2013، بالدمج بين الانتفاضة الشعبية والترتيبات العسكرية.
دخول تركيا على خطّ المعارك في ليبيا، عبر إرسال سفينة تحمل اسم «أمازون» محمّلة بأسلحة وآليات عسكرية إلى ميناء طرابلس الليبية الخاضعة لسيطرة الفصائل الإسلامية في 18 أيار/ مايو الماضي، كان هو الآخر مصدر تهديد للأمن القومي المصري.
القلق السعودي من تعاظم النفوذ التركي في المنطقة لم يعد خافياً. بعد مقتل الإعلامي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في اسطنبول في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2018، أحرق قادة المحورين ما تبقى من فرص للتقارب. لهجة أنقرة تبدّلت بعد مقتل خاشقجي، وأخذت وتيرة تصعيدية ممنهجة.
كلّ شيء يجري في الهواء الطلق بين أنقرة وخصومها، ولا سيما القاهرة والرياض. في السابع من كانون الثاني/ يناير الماضي، أصدر مجلس الوزراء السعودي برئاسة الملك سلمان بياناً شديد اللهجة ضدّ التدخلات التركية في ليبيا، ووصفها بأنها «انتهاك واضح وصريح لقرارات مجلس الأمن، ومخالف للموقف العربي الذي تبنّاه مجلس جامعة الدول العربية...». جاء ذلك بعد إعلان تركيا، على لسان كبار مسؤوليها، إرسال خبراء عسكريين وفرق تقنية لدعم حكومة «الوفاق» برئاسة فائز السرّاج.
لعقود طويلة، كانت القاعدة المصرية في التعامل مع ما يعتقد أنها تهديدات إيرانية هي «أمن الخليج من أمن مصر»، ولكن بعد الدخول التركي إلى ليبيا أصبحت القاعدة على النحو الآتي: «أمن مصر من أمن الخليج»، وأن حماية مصر ليست أمناً قومياً مصرياً فحسب، بل هي أمن قومي عربي لمنع «ابتلاعها من دولة إقليمية متربصة كتركيا». وإذ لا يمكن قبول وجود تركيا على حدود مصر، «لا يمكن قبول الحوثيين على حدود السعودية»، بحسب طارق الحميد في مقالة في «عكاظ» السعودية في 22 حزيران/ يونيو الجاري بعنوان (بيننا وبين مصر «مسافة السكّة»)، استعاد فيها تصريح السيسي الشهير عن دعم مصر لدول الخليج في مواجهة الأخطار الأمنية الخارجية.
منذ بداية العام الجاري، تبدّلت قواعد التدخل التركي في سوريا ولاحقاً ليبيا، وتبدّلت معها قواعد الاشتباك، وما إن تراجعت سخونة المعارك في سوريا، حتى بدت ليبيا بؤرة المواجهة الأشدّ سخونة. لا يخفى استغلال الخليجيين للمسألة الليبية بما تمثّله من قضية أمن قومي لمصر، وبالتالي توظيفها كورقة في الصراع التركي ــــ السعودي/ الإماراتي.
في نيسان/ أبريل الماضي، لحظت حكومة السرّاج بوادر تحرّك ثلاثي، سعودي ــــ إماراتي ــــ مصري، لدعم قوات حفتر التي كانت قد مُنيت بخسائر فادحة بفعل تعاظم الدعم التركي لخصومها. طائرات عسكرية محمّلة بأسلحة وعتاد هبطت في قاعدة الخادم شرق ليبيا لدعم حفتر، ووقف تقهقره في غرب البلاد.

كلّ شيء يجري في الهواء الطلق بين أنقرة وخصومها ولا سيما القاهرة والرياض


على رغم التحريض الإعلامي على خيار دخول القوات المصرية إلى الساحة الليبية، والذي لا تزال الرياض وأبو ظبي تضخان المال والسلاح والذخيرة من أجله، إلا أن في القيادة العسكرية المصرية من يرفض الامتثال لرغبات السعوديين والإماراتيين في إقحام الجيش المصري في حروب استنزاف غير مأمونة العواقب. ينبّه هؤلاء إلى المشكلات الاقتصادية الضاغطة في مصر، والتي من المقدّر لها أن تتفاقم بطريقة غير قابلة للسيطرة فور اندلاع المواجهات، وهم يفضّلون استغلال الأموال الخليجية لدعم الاقتصاد المصري والاقتصار على دعم حرب الوكالة لتأدية المهمة، ولا سيما أن حفتر بات في عداد الخاسرين للأبد، بعد سيطرة قوات «الوفاق» على مدينة ترهونة (جنوبي شرقي العاصمة طرابلس)، المعقل الرئيس لما تبقى من قواته غرباً، بعد خسارته مدناً أخرى مثل صبراتة والعجيلات.
تنعكس المعركة الشاملة بين المحورين على المستويات الإعلامية والثقافية والدينية والتاريخية. في منتصف نيسان/ أبريل الماضي، أعلنت السعودية أنها حجبت الوصول إلى وكالات الأنباء التركية التي تموّلها الدولة، بالإضافة إلى العديد من المواقع التركية الأخرى. وردّت تركيا بخطوة مماثلة، ومنعت الوصول إلى العديد من وكالات الأنباء السعودية والإماراتية.
كذلك، وفي خطوة لافتة، أقدمت أمانة العاصمة السعودية، الرياض، في منتصف حزيران/ يونيو المنصرم، على إزالة اسم السلطان العثماني سليمان القانوني من أحد شوارعها الرئيسية، في خطوة وصفت بأنها إعلان قطيعة نهائية مع تركيا.
في منتصف أيار/ مايو الماضي، نقلت وكالة «الأناضول» عن الرئيس التركي تصريحات نارية قال فيها: «لن نخلي الساحة لأيّ من قوى الشر بدءاً من منظمة غولن إلى بي كا كا، ومن اللوبيات الأرمنية والرومية، وصولاً إلى محاور العداء التي مصدرها الخليج». وحذّر مستشار إردوغان، ياسين أقطاي، دول الخليج من التدخّل في الشأن التركي، وقال: «إن تمادي بعض دول الخليج في عدوانها وتدخلها في الشأن السياسي التركي ستكون له آثار سلبية وعواقب وخيمة على تلك الدول أو الدويلات».
وفجّرت التصريحات تلك ردود فعل غاضبة وسط أنصار النظامين السعودي والإماراتي، والذين أطلقوا وسماً بعنوان «إردوغان يهدّد الخليجيين»، سكبوا فيه مواقف مشفوعة بمقتطفات من سيرة المعارك الغابرة، ومعطوفة على مطالبة بقطع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع تركيا.
خيار الهروب إلى الأمام بدأ خليجياً، وصار ــــ بعد تبدّل موازين القوى في ليبيا ــــ تركياً. ولدى الأخيرة ما تقاتل بشراسة من أجله هناك، ولن تقبل التنازل عنه بسهولة. فقرار القاهرة والرياض وأبو ظبي اللعب في المنطقة المحرّمة تركياً، ولا سيما في المسألة القبرصية ومشاريع الغاز شرق المتوسط، يدفع أنقرة إلى الاحتفاظ بالورقة الليبية حتى النهاية للضغط على مصر التي انطلقت منها اتفاقيات ثلاثية (مصرية ــــ يونانية ــــ قبرصية) للتنقيب عن الغاز، وأيضاً لقطع الطريق على استكمال مشروعات مصر واليونان وقبرص بخصوص التنقيب وخطوط التصدير إلى أوروبا، وبما يجهض محاولات رسم الحدود البحرية بين مصر واليونان. لا يُغفل، هنا، البعد السوري في التحرّك التركي العاجل على خطّ المعارك الليبية، والمتمثل في تحويل ليبيا إلى خزّان استيعابي لفائض المقاتلين المكدّسين في إدلب السورية، والذين شكّلوا قلقاً دائماً متعاظماً، وتسبّبوا في تأخير موعد المعركة السورية ــــ الروسية ــــ الإيرانية لاستعادة ما تبقى من الأراضي السورية.
وفي النتائج، تحوّلت تركيا إلى لاعب فاعل في الميدان الليبي، ولا سيما بعد الاتفاقية الدفاعية التي أبرمتها نهاية عام 2019 مع حكومة السرّاج، على رغم اعتراض القاهرة والرياض وأبو ظبي وعواصم أوروبية عليها. منحت الاتفاقية تركيا فرصة ذهبية للتحرّك العسكري والسياسي بغطاء رسمي، وتالياً تعزيز نفوذها عبر السيطرة على القواعد الاستراتيجية في ليبيا (الأمر الذي عجزت روسيا عن الحصول عليه)، بما يحسّن من شروطها في المسألة السورية.
بعد خسارة حفتر لمناطق حيوية في الشرق، وفشله في الوصول إلى الغرب، بات الكلام عن مبادرات مصرية أو حتى أممية لحل الأزمة الليبية غير ذي جدوى، لأن الميدان يفرض منطقه ومبادرته البديلة. وتنظر أنقرة إلى مبادرة القاهرة في 8 حزيران/ يونيو المنصرم على أنها تسديدة خارج الوقت الرسمي، في محاولة مكشوفة لإنقاذ قوات حفتر من الغرق في الرمال الليبية. ولا يتطلّب الأمر مزيد عناء لفهم أن المبادرة هي رسالة إلى إردوغان للحيلولة دون استعجال قطف انتصارات حلفائه.
وفي نهاية المطاف، ثمة صراع محاور تدور رحاه على زعامة العالم السنّي بين تركيا بإرثها العثماني وثقلها الاستراتيجي من جهة، وبين مصر بمركزيتها العربية والسعودية بثقلها المالي وسيطرتها على الحرمين الشريفين من جهة أخرى، مع الإشارة إلى أن الرياض، حين يتعلّق الأمر بزعامة العالم الإسلامي، لن تقبل مبدأ الشراكة لا مع مصر ولا مع تركيا ولا مع أيّ بلد آخر؛ فهي تراه امتيازاً حصرياً لها.