أصدر، أمس، رئيس حكومة الوفاق الوطني، فائز السراج، أمراً لآمري المنطقتَين العسكريتَين الغربية والوسطى بالتدخل، وتشكيل خطّ فاصل بين الميليشيات المتقاتلة في ضواحي العاصمة. وبموازاة ذلك، أعلنت لجنة فضّ النزاع هدنة لم تمضِ سوى سويعات حتى انهارت، من دون أن يُلحَظ أثر للقوات المحايدة التي كان يُفترض استجلابها من وسط البلاد وغربها.

وأعلن «اللواء السابع مشاة» (وهو ميليشيا تسمى أيضاً «الكانيات»)، في بيان، عدم التزامه بالهدنة، وقال إنه لن يوقف عمليته التي جاء في سبيلها من مدينة ترهونة (نحو 90 كيلومتراً جنوب طرابلس) إلا بعد حلّ الميليشيات الموجودة في طرابلس، وإبقاء عناصر الشرطة والجيش فقط. واعتبر «اللواء» أن الهدنة ليست أكثر من محاولة يقودها خصومه من «دواعش المال العام» لتجميع قواتهم. والمقصود بذلك الوصف مجموعات مثل «كتيبة ثوار طرابلس» و«قوة الردع والتدخل المشتركة – محور بوسليم» و«الكتيبة 301»، التي تتبع جميعها وزارة الداخلية في حكومة الوفاق، وتتلقّى منها مخصصات مالية شهرية. لكن تقارير عدة أشارت إلى استغلال هذه الميليشيات قوتها العسكرية وضعف الحكومة من أجل فرض إتاوات على البنوك، وتأسيس شركات تجارية وهمية تتحصّل بواسطتها على مبالغ من العملة الصعبة تتاجر بها في السوق السوداء، إلى جانب أنشطة أخرى غير شرعية.

يجري المسؤولون مشاورات حول تغيير صيغة حكومة الوفاق


وعلى رغم تحقيق القوات المهاجمة تقدماً في الأيام الأولى، أدّى إلى سيطرتها على مفاصل مهمة أبرزها معسكر اليرموك، إلا أنها تعاني صعوبات في بسط نفوذها على مناطق أوسع. وأمس، أعلن «اللواء السابع مشاة» أنه تَقدَّم في منطقة بوسليم، لكنه تراجع خشية وقوع اشتباكات داخل الأحياء السكنية المكتظة. ورداً على ذلك، قالت «قوة الردع المشتركة –محور بوسليم» (وهي ميليشيات تعرف باسم «غنيوة»، نسبة إلى قائدها عبد الغني الككلي) إن المنطقة التي تسيطر عليها تعيش «هدوءاً حذراً بعد محاولة فاشلة للتقدم (داخلها)». ودافعت الميليشيات عن نفسها تجاه الاتهامات التي وُجّهت لها، حيث قال بيانها إنه «لا يوجد لدينا ممثلون في الحكومة، ولم نتحصّل على اعتمادات، بل بالعكس قبضنا على كبار المسؤولين في المؤسسات المالية في قضايا فساد مالي، وقمنا بتقديمهم إلى النائب العام على رغم حجم المغريات، ناهيك عن تجار المخدرات وغيرهم من التشكيلات العصابية».
من ناحية الخسائر، أعلن عدد من المؤسسات الإغاثية سقوط قذائف عشوائية على منازل مدنيين، ونزوح عشرات العائلات من مناطق الاشتباك. وسقط في اليوم الماضي تسعة قتلى على الأقل وعشرات الجرحى، فيما لا يزال عدد آخر محتجزاً ضمن خطوط القتال. وقال الهلال الأحمر الليبي إنه سلّم خمس جثث لمقاتلين إلى أعيان من مدينة ترهونة، فيما تَسلّم في المقابل أربع جثث لقتلى من طرابلس.
على المستوى السياسي، يُكثّف المسؤولون الخطى لتسريع إيجاد حلول عملية، ويقع على رأس جدول الأعمال تغيير صيغة حكومة الوفاق ومجلسها الرئاسي المشرف عليها. ويوم أمس، التقى رئيس «المجلس الأعلى للدولة»، خالد المشري، بنواب مدينة مصراتة، في إطار النقاش حول آليات تفعيل لجنة الحوار مع البرلمان. وجاء ذلك تفاعلاً مع عريضة وقّعها 80 نائباً طالبوا فيها بتقليص عدد أعضاء المجلس الرئاسي إلى عضوين ورئيس، بدل تسعة أعضاء، وفصل الحكومة عنه، وعرضها على البرلمان لنيل الثقة قبل تسلّمها مهامها. ويبدو، حتى الآن، أن المشري وأعضاء مجلسه قد اقتنعوا بجدوى المقترح على ضوء المعارك الجارية، وما تعكسه من فشل في تطبيق الترتيبات الأمنية التي حدّدها اتفاق المصالحة السياسية المُوقّع في مدينة الصخيرات المغربية عام 2015.