قبل أشهر، وفي الساعة الثالثة و54 دقيقة، وجدت إيمي واينهاوس جثة هامدة في شقتها في بريطانيا. يوم السبت وفي الساعة الثالثة و55 دقيقة بتوقيت بيفرلي هيلز في كاليفورنيا، وجدت ويتني هيوستن جثة في حوض الاستحمام في جناح الفندق حيث كانت تستعد للمشاركة في الاحتفال الـ 54 لتوزيع جوائز «غرامي». نجمة شابة في عزّ مجدها تنطفئ في وحدتها بجرعة زائدة، وأخرى في منتصف العمر تمتعت بمذاق الشهرة حتى الثمالة، قبل أن تشكّل منذ سنوات مادة دسمة لصفحات التابلويد بسبب إدمانها الكوكايين والماريوانا والعقاقير والكحول.


كأنّها لعنة تلاحق هؤلاء الذين يعيشون تحت الضوء. لا يمكننا تخيّلهم يهرمون على كرسي هزاز قرب مدفأتهم، أو محاطين بأحفادهم وحيواناتهم الأليفة. هم محكومون بالموت هكذا، بجرعة زائدة، بحركة خرقاء، بعشقهم للذهاب دوماً إلى حافة الأشياء... إلى حافة الهاوية. كأنّهم «أعداء أنفسهم» كما وصفت ويتني هيوستن نفسها مرة في مقابلة مع أوبرا وينفري.
هكذا رحلت النجمة السمراء (1963 ــ 2012) أول من أمس عشية التكريم الخاص الذي كانت ستحظى به في حفلة جوائز «الغرامي» التي فازت بها ستّ مرات، إضافة إلى أكثر من 400 جائزة أخرى امتدت طوال 25 عاماً من مسيرتها. ورغم عدم إعلان أسباب وفاتها، إلا أنّ المغنية السمراء دخلت منذ أعوام دوّامة الجرعات الزائدة في الكوكايين والحياة الشخصية.
ابنة مغنية الغوسبل سيسي هيوستن كانت تملك كل المواصفات التي يعشقها عالم الشوبيز. صوت قوي وجسم عارضة أزياء وحضور جميل. الفتاة التي تربّعت على عرش البوب في الثمانينيات، ستتأثّر بمناخات الغوسبل والصول والـ«آر. أند. بي». في العشرين، ستوقّع أول عقد لها مع شركة «أريستا». ألبومها الأول «ويتني هيوستن» (1985) سيبيع 24 مليون نسخة في العالم، و«ويتني» (1987) سيحتلّ المرتبة الأولى في البيلبورد». القصة ستكمل مسارها المتوقّع. ستكدّس ويتني النجاح تلو الآخر، وستكون أوّل فنانة امرأة تتصدّر سبع أغنيات لها قائمة المبيعات. وطبعاً، ستدخل هوليوود، وتؤدي دورها الأشهر في «الحارس الشخصي» (1992). ستلهم قصة حبها مع كيفن كوستنر ملايين المراهقات حول العالم، وستتصدّر أغنية «سأحبّك دوماً» التي تؤديها في الفيلم قائمة المبيعات في العالم وتنال جائزة «غرامي» بوصفها أغنية العام. صوتها ذو الكاريزما الفريدة، وُصف بالمتفجّر مع قدرة غريبة على تطويعه. لكن منذ التسعينيات، سيبدأ انحدارها المأساوي صوب القاع. ستدخل المشاكل الزوجية والفضائح. وستفصل ثماني سنوات بين ألبومها «أنا حبيبتك الليلة» (1990) وألبومها «حبي هو حبك» (1998). وستتصدّر صفحات التابلويد بمشاكلها مع زوجها المغني بوبي براون (تزوجته عام 1992) قبل أن تتطلّق منه عام 2006. في تلك السنة، أسدلت الستار على علاقة مدمّرة تخللها الكثير من العنف والفضائح، وابنة تدعى بوبي كريستينا. ستغرق بعدها في دوامة الإدمان، وسيصل بها الأمر حدّ بيع أغراضها الشخصية عام 2007 بسبب ديونها وجلسات العلاج. حين عادت عام 2010 بألبومها «أنظر إليك»، كانت الساحة ملكاً للجيل الأصغر من بيونسيه، وريهانا ونجمات تأثّرن بالساحرة السمراء. ورغم الحفاوة المقبولة بألبومها، إلا أنّ صوتها بدا تعباً أنهكته الماريوانا. حتى إنّها لم تكمل جولتها العالمية عام 2010 بسبب مشاكلها الصحية. الصدمة التي تركها رحيل هيوستن خيّم على جوائز «غرامي» أمس. نيل بورتناو رئيس «ريكوردينغ أكاديمي» المنظمة للحدث وصفها بـ«أعظم مغنيات البوب في التاريخ». باربرا سترايسند لخّصت «اللعنة» التي تلاحق ويتني بـ«كانت تملك كل شيء. الجمال، الصوت الرائع. محزن أنّ مواهبها لم تجلب لها السعادة التي كانت تجلبها لنا». على أي حال، سيكون الجمهور على موعد أخير مع هيوستن في النسخة الجديدة من فيلم The sparkle الذي سيطرح في الصالات في آب (أغسطس). سيكون الإطلالة الأخيرة للنجمة التي ولدت في شهر آب قبل أن تنطفئ في حوض الاستحمام في الفندق. في أغنيتها «لا شيء سوى الحبّ» التي تضمنها ألبومها الأخير، تغني صاحبة العينين السوداوين والضحكة العريضة: «أستطيع مقاومة الألم، لكنّ حياتي لا تختصر بذلك».