منذ الأيام الأولى للوجود البشري، ابتكر البشر وسيلة للتواصل في ما بينهم. اتخذت هذه الوسائل أشكالاً مختلفة كانت تتعلّق بشكل رئيسي بظروف الحياة ونمطها، ودرجة التطور التي بلغتها المجتمعات، انطلاقاً من لغة الإشارة، مروراً بالحمام الزاجل والبريد وغيرهما، وصولاً إلى التواصل عبر الانترنت في عصرنا الحالي. هذا التواصل بلغ ذروته ومرحلة غير مسبوقة من التطور في ظل ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، التي ساهمت في تحوّل العالم إلى قرية كونية صغيرة وبقعة جغرافية واحدة. تواصلٌ تختلف وسائله وأدواته، لكنّ أكثرها شيوعاً يبقى مواقع التواصل الاجتماعي للعديد من الأسباب، أهمها ابتعادها عن التعقيدات وسهولة استخدامها والولوج إليها، إضافة إلى الكلفة المالية البسيطة، التي يمكن اعتبارها في متناول الجميع على اختلاف وضعهم الاقتصادي، الضرورية لاقتناء هاتف ذكي أو حاسوب وربطه بالشبكة العنكبوتية.

عديدة هي الأهداف من إنشاء مواقع التواصل هذه، مثل فايسبوك وتويتر وغيرهما، وجعل الأشخاص أكثر قرباً من بعضهم البعض وأكثر قدرة على التواصل هو أحدها. بحسب مؤسس فايسبوك مارك زوكربرغ: «كنت أحاول المساعدة على ربط الناس في الكليات والمدارس. كانت هذه حاجة أساسية، إذ أن كل شيء متوفر على الإنترنت مثل الموسيقى والأخبار والمعلومات، لكنك لا تستطيع إيجاد الأشخاص الذين تهتم لأمرهم والتواصل معهم».
مع مرور الوقت، بدأت تطفو على السطح سلبيات في طريقة استخدام هذه المواقع من طرف بعض روادها، بما يتناقض مع الأهداف التي أُنشئت لأجلها. شيئاً فشيئاً بدأت تحوّل إلى منصّات لبثّ الكراهية والتشجيع على العنف وممارسة العنصرية والتنّمر، إضافة إلى التعدّي على خصوصيات الآخرين وعدم احترام حريتهم الشخصية والسخرية والقدح والذم، لاسيّما تجاه من لا يتشارك بالآراء ووجهات النظر عينها مع هؤلا. الخطر في الأمر، أن كثيرين ممن مارسوا هذه الفظائع لم يُقاضوا قانونياً، وبالتالي لم يُعاقبوا على أفعالهم، لتصبح هذه الممارسات عادية ومقبولة لدى آخرين أيضاً.
على سبيل المثال، حدث مؤخراً في مدينة صيدا أن دفع شاب يافع عجوزاً أثناء قيامه بصيد الأسماك، وتمّ تصوير الحادثة ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي. صحيح بأن القوى الأمنية أوقفت الشاب، ولكن هناك بُعد غاية في الخطورة لهذه الحادثة. المؤسف أن الشاب الذي قام بهذا الفعل، لم يتردد لبرهة قبل الإقدام عليه ولم يكن لديه أي رادع أخلاقي يمنعه، ولم يلتفت أن في الأمر تعدياً على خصوصية وحرية العجوز، وأن في الأمر اعتداءً يُحاسب عليه القانون. الشاب عاد لاحقاً ونشر الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، وكأن همّه الأول وجلّ ما يدور في خلده كان إضحاك رواد هذه المواقع، وطمع بنيل بعض عبارات المديح والإطراء على خفّة دمّه المفترضة. وهنا يُطرح سؤال في غاية الأهمية: هل كان ليُقدم على هذا الفعل لولا مشاهدته، غالباً، الكثير من مقاطع الفيديو المشابهة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي رسخّت لديه قناعة بأنه يندرج تحت خانة المزاح والضحك؟ الجواب قطعاً لا.
هذه الحادثة وغيرها، تعكس تحوّلاً ما يستحق التوقف عنده. تحوّلٌ مفاده أنّ سلوكاً كهذا، كان مرفوضاً تماماً حتى وقت قريب، بات يمرّ مرور الكرام تقريباً، وقد يصبح عمّا قريب سلوكاً جماعياً. سلوكٌ يمارسه جزء لا بأس به من مكوّنات مجتمعنا، سيّما الجيل الجديد الذي يمارس حياته على مواقع التواصل الاجتماعي أكثر من ممارستها على أرض الواقع. جيلٌ في طور بناء شخصيته ووعيه الاجتماعي يرى ويقرأ ويتفاعل ويكتسب من تلك المواقع ما هو مناف للأخلاق والقيم الاجتماعية كالفظائع التي أتيت على ذكرها آنفاً. كيف لا، ومكوّنات هذا الجيل ترى في نجومها الافتراضيين مثلاً عليا لهم، يتماهون بهم، يضحكون على النكات التي يطلقونها، يتكلمون ويتصرفون مثلهم.
ما زاد الطين بلّة أن هذه الفظائع لم تعد محصورة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل امتدت لتصبح مادة دسمة للإعلام التقليدي. فبدل أن ينحصر وجود هؤلاء النجوم الافتراضيين على مواقع التواصل، فُتحت أمامهم أبواب وسائل الإعلام، لاسيما قنوات التلفزة، نظراً لأن رصيد متابعيهم سيُترجم نسب مشاهدة عالية على التلفزيون، لتتحول الشاشات منابر ومنصّات لنشرها والترويج لها، ولتتكرس تالياً وفي وعينا الاجتماعي على أنها ممارسات مقبولة وعادية ومحببة حتى.
هي عوامل ساهمت في تحوّل مواقع التواصل الاجتماعي إلى مواقع تواصل لا اجتماعي، وهو واقع يستطيع أي متصفح لتلك المواقع ملاحظته. ما هو الحلّ وما هي الوسيلة لضبط الأمور؟ لنتفق أولاً أن هذه المواقع باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، وتصفحها هو طقس نكرره يومياً. إنكار هذا الواقع لا يفيد، والحديث عن مقاطعة ما وتجنّب الولوج إليها هو أمر غير منطقي كذلك. لذا يجب مواجهة المشكلة والعمل على وضع منظومة فكرية متكاملة تتناغم مع التطور الحاصل، وتلقينها عبر العديد من القنوات كالمناهج التعليمية مثلاً. منظومةٌ تعمل على تسليح الناس بالوعي وترشدهم إلى الطرق المُثلى لمواجهة الفظائع الموجودة على مواقع التواصل الاجتماعي، وكيفية التصرف في حال وقوعهم ضحايا لها، كالتنمر والابتزاز الإلكتروني مثلاً، تطبيقاً للمثل القائل: «درهم وقاية خير من قنطار علاج».