طائرة الـ «أف.16» الإسرائيلية التي أسقطتها المضادات السورية أول من أمس في الجليل الأسفل، وألهبت وأرعبت الصهاينة، انسحب لهيبها، سعاراً، على العديد من وسائل الإعلام اللبنانية والخليجية. إذ عملت الأخيرة على تجهيل الفاعل، وتفريغ الحدث من مضمونه. ورغم أنّ الحادثة وُصفت ــ حتى على ألسنة صهاينة ـــ بأنها «غيّرت قواعد اللعبة»، وفرضت معادلة ردع جديدة في المنطقة، تكفّ يد «إسرائيل» عن العبث بالساحة العربية، إلا أنّ المنصات الإعلامية عمدت الى التقليل من شأنها.


بل راحت تكرّر الرواية الصهيونية، بأن الغارات الإسرائيلية على مناطق سورية، أتت كرد فعل على إرسال إيران طائرة بدون طيار الى الأراضي الفلسطينية المحتلة (وهذا ما كرّره الإعلام الغربي بالمجمل).
أول من أمس، ومع بروز خبر إسقاط المقاتلة الإسرائيلية، وانتشار صور حطامها، وهروب طيّاريها منها، في خضّة لم يعهدها الشارع العربي منذ زمن، كانت وسائل إعلامية تقف في الخندق الإسرائيلي: وسائل لبنانية، وفضائيات عربية، تُقصي الحدث عن الواجهة، وتبدّي الرواية الصهيونية على ما عداها. mtv بدت مستنسخة للخطاب الإسرائيلي. سألت في مقدمة نشرة أخبارها المسائية: «ماذا يحصل بين إيران وإسرائيل فوق الأراضي السورية... هل تحول الفضاء السوري صندوق بريد جوي لتوجيه الرسائل بين الحكومتين الإيرانية والإسرائيلية؟»، كأن «إسرائيل» غير معتدية بالأصل على الأرض السورية.
وفي تقرير (إعداد جويل قزيلي) بُثّ في النشرة عينها، اعتبرت المحطة أن ما حصل «أخطر مواجهة بين إسرائيل وإيران في سوريا»، فيما أعادت سرد قصة الطائرة الإيرانية التي حلقت فوق الأراضي الفلسطينية، و«رصدتها أنظمة الدفاع الإسرائيلي». وكرّرت العبارة الواردة في أغلب الميديا الغربية بأنها «المرة الأولى التي تقول فيها إسرائيل، إنّها ضربت أهدافاً إيرانية في سوريا».
وبينما كانت «إسرائيل» تتجنّب المواجهة العسكرية المباشرة، وتطوّر الوضع في المنطقة، وتهاب مواجهة «حزب الله»، كانت قناة «المرّ» تمارس دور الواشي. إذ تعقّب فريقها (نخلة عضيمي)، ما وصفته القناة بأنّه شبكة اتصالات داخلية للحزب، يقوم بمدّها في منطقة الرميلة، مع رصد الأسلاك، والحفر في المنطقة المذكورة.
علماً أن هذه الشبكة كانت ضمن نجاحات المقاومة في حرب تموز 2006. الى جانب mtv، برزت أيضاً lbci، التي بدت مقدمة أخبارها متوازنة. لكنّ الناظر الى سلسلة تقاريرها عن إسقاط الطائرة الحربية، لا بدّ من أن يقاطعها مع خطاب قناة «المرّ». في تقرير لمراسلة المحطة من فلسطين المحتلة، آمال شحادة، أكدت الأخيرة أنّ «مرحلة جديدة دشِّنت بين تل أبيب وطهران»، قد تقود الى «مواجهة عسكرية أكبر». تقرير اتكأ في أغلب مساحته على تظهير الرواية الإسرائيلية، وأوضاع الصهاينة أكان في شمال فلسطين، أو في منطقة الجولان المحتل، وقد تضمن مقابلتين: الأولى مع القائد السابق لـ «وحدة الاتصالات مع لبنان»، غيورا عنبار، وأخرى مع «رئيس مجلس المستوطنات في الجولان»، إيلي مالكا، الذي أطلق تهديداته عبر المحطة اللبنانية. وقال «نحن هنا، في الجولان لن نرضخ (..)، صفارات الإنذار لن تخيفنا».


تقاطعت mtv وlbci
في مقاربتهما للحدث
وقبل هذا التقرير، تولّت ريما عساف، شرح ما حصل يوم السبت في الجليل، إذ جهّلت بداية الفاعل (المضادات السورية)، وذكرت أن «الطائرة سقطت في الجليل»، وأيضاً «أصيبت وسقطت داخل إسرائيل».
حادثة إسقاط المقاتلة الإسرائيلية، أرست اصطفافاً إعلامياً واضحاً على الصعيد المحلي. في مقابل تظهير الرواية الصهيونية الدعائية، برزت otv، التي لم نعتد (أقله في الفترة السابقة)، على خطاب حماسي، كالذي أطلقته في نشرة أخبارها. جوزفين ديب اعتبرت في تقريها أن ما حدث «استثنائي»، وأن سوريا ردّت على الغارات الإسرائيلية، واستنجدت بعدها بروسيا، لضبط الوضع عسكرياً، خوفاً من التصعيد. وعلى خط الحماس عينه، رأينا «الجديد»، وتحديداً تقرير رامز القاضي، يؤكد فيه أنّ «الآية قد انقلبت»، وأن «المقاتلة الإسرائيلية باتت فريسة الصواريخ السورية». بتنا - كما يضيف - في «زمن غير زمن»، تصل فيه «إسرائيل»، الى طلب التحكم بضرورة ضبط الأوضاع.
على المقلب الخليجي، وتحديداً السعودي، شكلت «العربية» وذراعها الإخبارية قناة «الحدث»، رأس الحربة في تبرير الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية، حتى وصل بهما الأمر إلى اعتبار أنّ إيران هي التي «استدرجت إسرائيل». وهذا ما بدا في سؤال نشر على موقع «العربية» الإلكتروني («هل استدرجت إيران إسرائيل الى العمق السوري؟»)، عدا اعتبارها أن ما حدث يندرج ضمن «اشتباك إيراني- إسرائيلي فوق سوريا» في إستنساخ للسردية الصهيونية. الجنون السعودي لم يقف عند «العربية». فقد كان بارزاً، مانشيت صحيفة «الشرق الأوسط» التي عنونت أمس: «إسرائيل وإيران تتجاوزان الخطوط الحمر في سوريا الروسية».
من جهتها، لم تكن «الجزيرة» بعيدة عن هذا الخطاب، لكن مع إجراء توازن بسيط في سياستها التحريرية. في برنامج «ما وراء الخبر»، عُرض تقرير (ناصر آيت طاهر) أول من أمس، فتح النقاش حول ما إذا كنا أمام مشهد «صراع شامل في سوريا بين إسرائيل وإيران». وبعدما سرد المعدّ الروايات من الجانبين، رأينا مراسل القناة القطرية، إلياس كرّام، يقف في منطقة الجليل الأسفل، مكان تحطّم الطائرة المعادية، ويجري مسافة من الرواية الصهيونية، بقوله إن إسقاط المقاتلة «أصاب هيبة الجيش الإسرائيلي»، وأوقف «الاعتداءات والهيمنة على الأجواء السورية». رسالة كرّام قد لا تمثل خطّ «الجزيرة» بحرفيته، لكن المراسل الفلسطيني، عرف دوماً بهذا التمايز عن قناته، لا سيما في تغطيته لحرب تموز 2006، والاعتداءات الصهيونية المتكررة على قطاع غزة.
ووسط خطاب التبرير والتواطؤ مع الإسرائيلي فضائياً ومحلياً، استنفرت شبكة «الميادين» كالعادة بطاقمها المنتشر في بقاع الحدث. إذ خصصت تغطية مباشرة حيّة للوقوف على هذا الحدث الاستثنائي. قناة «الواقع كما هو»، اعتبرت أن إسقاط طائرة F16، بمثابة «رسالة ردع سورية الى إسرائيل». وبذلك، استطاعت سوريا، التصدّي للاعتداءات الصهيونية، وكسر صورة «الردع الإسرائيلي»، التي لطالما عملت عليها طوال السنوات الماضية.

نشرة ال MTV


نشرة ال LBC

نشرة ال otv


نشرة الجديد

نشرة العربية

نشرة الجزيرة