منذ تأسيسها في عام 2004 عقب الغزو الأميركي للعراق، انتهجت قناة «الحرة»، الممولة من قبل الكونغرس الأميركي، سياسة واضحة، ترتكز إلى الترويج للموقف والدور الأميركي في الشرق الأوسط، بما في ذلك معاداة حركات المقاومة ودعم جهود التقارب العربي - الإسرائيلي. فالقناة أنشئت بهدف تكوين صورة «مختلفة» عن الولايات المتحدة لدى الرأي العام العربي، وتقديم إعلام «موضوعي» بعيداً عن «تحيّز القنوات العربية التي تسيطر على ذهن المشاهد في منطقة الشرق الأوسط».


ولكن على الرغم من الميزانية الضخمة التي أنفقت على مدار 13 عاماً، لا تزال «الحرة» غير قادرة لا على إرضاء اللوبي الصهيوني، الذي شنّت وسائل إعلامه ومنظماته ونوابه حملات على القناة أكثر من مرّة، لا سيما في عام 2007 عقب بثها خطابات الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله، واحتفالات حركة «حماس»، ولا على استقطاب المشاهد العربي، الذي لا يزال، ولو إلى حدٍّ ما، متمسكاً بقضاياه القومية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
هذا «الفشل» تبلور في الأشهر القليلة الماضية، مع قرار السلطات الأميركية بتقليص ميزانية القناة بنسبة تقدّر بثلاثين في المئة مقارنة بالسنوات السابقة، وتعيين مدير الدبلوماسية العامة في إدارة الشرق الأوسط وشمال افريقيا في وزارة الخارجية الأميركية ألبيرتو فرنانديز، رئيساً لـ «شبكة الشرق الأوسط للارسال» (MBN) التي تضم «الحرّة»، وبدء عملية «إعادة الهيكلة» التي كانت أولى خطواتها صرف نحو 50 شخصاً. أما الخطوة الثانية، فهي إعادة «تصويب البوصلة» وتحديد مسار سياسي واضح «من دون كلام بين السطور»، وفق ما أكّد المدير الجديد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» في تموز (يوليو) الماضي. وبدأ يتضح ذلك أكثر فأكثر من خلال محتوى المقالات المنشورة بـ «طلب خاص» من فرنانديز، الذي قال عقب تسلمه المنصب إن «الحرّة» حالياً «بلا قلب وبلا روح»... ليتبيّن أن «الروح» التي يريد بثها الدبلوماسي الكوبي الأصل، صهيونية بامتياز.

«تحية واجبة للحركة الصهيونية»

في عرض ساذج يشكّل استفزازاً صارخاً لمشاعر الملايين من «المتحدثين باللغة العربية» الذين تسعى «الحرّة» لاستقطابهم، يمجّد الباحث المصري صامويل تادرس، «الحركة الصهيونية في ذكرى تأسيسها»، معتبراً في مقال مشبع بالتعاطف أن «نجاح الحركة يحمل دروساً ظلت غائبة عن الشعوب المتحدثة بالعربية».
تادرس، الذي هو ــ وفق القناة ــ «زميل مركز الحرية الدينية في معهد هدسون في واشنطن، وزميل دراسات الشرق الأوسط في معهد هوفر، ومحاضر في كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز في ميريلاند»، عرض في مقاله مراحل «الاضطهاد» الذي تعرّض له اليهود حول العالم، وكيف دفعهم ذلك إلى تأسيس حركة صهيونية «نجحت»، من خلال العمل على الصعيد السياسي والاجتماعي والعقائدي، في الوصول إلى «الهدف الواضح الذي وضعته لنفسها منذ نشأتها: إقامة وطن للشعب اليهودي في فلسطين».


العاملون اللبنانيون في
القناة يتقيدون بالسياسة الصارمة خوفاً من عمليات الصرف

الباحث، الذي سبق وساهم بكتاباته في صحف أميركية عدة، يجمّل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، بل يستطرد في إبداء إعجابه بهذه «الحركة». فعلى الرغم من بدايتها «غير المبهرة» على حد تعبيره، إلا أنّها قامت بإنجاز عظيم، طارحاً مسيرة «الصهيونية» كمثال على الحركة السياسية والاجتماعية الناجحة، ومؤسس الصهيونية السياسية المعاصرة ثيودور هرتزل، كمثال على الرجل الذي تحدّى «سخرية العالم» ونجح في وضع الحجر الأساس لدولة أنقذت اليهود من «الهجمات البربرية» و«معاداة السامية» المتفشية في المجتمعات الأوروبية حينذاك.
يؤكد تادرس المبهور بالصهيونية وإدراكها واستغلالها للتغيرات الاجتماعية والعقائدية والفلسفية من حولها، أن «في نجاح المشروع الصهيوني دروساً عدّة»، واصفاً الاحتلال بـ «الحلم» الذي تحقق عبر وسائل سلمية بحت، اختصرها في أربعة أصعدة: «دعم استيطان المزارعين، والصناع، والتجار اليهود في فلسطين؛ تنظيم الوجود اليهودي خارج فلسطين في مجموعات ومنظمات؛ تقوية الشعور والوعي اليهودي؛ البحث عن الدعم الحكومي الدولي اللازم». الباحث المصري الذي يصر على الدمج بين اليهودية والصهيونية رغم ما يحمله المصطلح الأخير من عنصرية، نسي أو تناسى، العصابات الإجرامية والإرهابية التي جيشتهم «الحركة» لانتزاع الأرض من أصحابها بالقتل والتجزير والتنكيل والتشريد. كما نسي تادرس أو تناسى، الدور الذي لعبته الدول الغربية في «تحقيق الحلم اليهودي» وتحويل فلسطين إلى أكبر مستعمرة غربية في منطقة الشرق الأوسط، كجزء رئيسي من «النظام العالمي» عقب الحرب العالمية الثانية، مقرراً بدل ذلك أن يضع «إسرائيل» في خانة الإنجاز الذي حققته فئة دينية مضطهدة.
في الحقيقة، موقف تادرس من الصهيونية ليس مفاجئاً، لا سيما أنه ينال ثقة دوائر صنع القرار الأميركي، وكان قد أدلى بشهادته أمام مجلس الشيوخ الأميركي في جلسة استماع بعد عامين من الإطاحة بالرئيس المصري السابق محمد مرسي، إلى جانب المتخصص في الشؤون المصرية في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى» إريك تراجر، الذي أكّد في شهادته أن «علاقات مصر بإسرائيل هي اليوم الأقوى في تاريخ البلدين» وأن البلاد تحت حكم عبد الفتاح السيسي «تضيق الخناق على حماس في غزة مقارنة بالدعم الذي كانت تحظى به حين كان الإخوان في الحكم».
وغالباً ما يطرح مؤلف كتاب «خريطة الإسلاميين المصريين» نفسه كمدافع شرس عن حقوق المسيحيين في الشرق الأوسط عامةً، والأقباط في مصر، وهو واحد منهم، خاصةً، مؤكداً في أكثر من مقابلة مع صحف أميركية أن «الهجرة توفر ملاذاً آمناً للأقباط، للفرار من المجتمعات التي يعانون فيها الاضطهاد والتمييز». ومن ضمن مواقف تادرس المثيرة للجدل، ما كتبه على موقع «تويتر» عقب قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المتعلقة باللاجئين من جهة، ومنع دخول المسلمين البلاد من جهة أخرى. في معرض ردّه على تغريدة للباحث الأميركي من أصل مصري مايكل وحيد حنا، قال فيها «كمصري أميركي وقبطي أرى أن هذه السياسة مروعة أخلاقياً... اللاجئون جميعهم يستحقون حق اللجوء بغض النظر عن دينهم»، اعتبر تادرس أن «الأولوية يجب أن تمنح لأولئك الأكثر عرضة للاضطهاد».

اللبنانيون المتملقون للمدير الجديد

مقال تادرس نال إعجاب العاملين في قناة «الحرة»، لا سيما اللبنانيين. مديرة البرامج في القناة ليلى البزّي، «أعجبت» بالمقال على موقع «تويتر»، علماً أنّ ابنة بنت جبيل الجنوبية متزوجة من العميد في الحرس الجمهوري جوزيف جروش، المقيم في لبنان ولا يزال في منصبه. أما منتج برنامج «الجهات الأربع» شربل أنطون، الذي سبق أن عمل في «أل بي سي» و«ام تي في»، فأعاد نشر المقال على الموقع نفسه. ووفق المصادر، فإنّ العاملين في «الحرّة» يتقيدون بالسياسة الصارمة التي وضعها المدير الجديد ألبيرتو فرنانديز خوفاً من عمليات الصرف التي شهدتها القناة.
وكانت «الأخبار» قد أجرت في عام 2006 مقابلة مع فرنانديز، الذي يشغل منصب مدير الدبلوماسية العامة في إدارة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وزارة الخارجية الأميركية، أكّد فيها أن الإعلام العربي ضحية «النفاق العربي»، معتبراً أن «قناة «الجزيرة» كانت وسيلة للترويج لحزب الله، فيما كان مسؤولون من الدول العربية يقولون للأميركيين إننا قلقون تجاه إيران في الخليج». وصبّ فرنانديز هجومه على حركة «حماس» في فلسطين، قائلاً: «أعتقد أن حماس كارثة، فهم يضعون رجلاً هنا ورجلاً هناك، ويعتقدون أن تحرير فلسطين يتم عبر المقاومة، لكنهم لا يستخدمون قوتهم العسكرية ضد إسرائيل»، مؤكداً أن «حماس ليست جزءاً من معسكر السلام، كما لا يمكن أن تكون جزءاً من المقاومة». وحول ما يُقال عن تدخله في شؤون الإعلام العربي، وخصوصاً القنوات الفضائية العربية، أجاب فرنانديز «موقفي معروف ومعلن إزاء قناة «الجزيرة» وغيرها، ولكن ليس لدي السلطة لأن أفرض شيئاً عليها أو على أي وسيلة إعلام عربية أخرى»، معترفاً في الوقت نفسه بأنه يقدّم شكاوى للسلطات الأميركية تتعلق بظهور من ينتقدون ويهاجمون أو يحرضون على الولايات المتحدة في وسائل الإعلام العربية.
والجدير بالذكر أنه في عام 2008 سرّب موقع «ويكيليكس» برقية للسفارة الأميركية، نقلت حواراً بين مساعد الرئيس السوداني آنذاك مصطفى عثمان إسماعيل، وفرنانديز، طلب فيها المسؤول السوداني مساعدة واشنطن لتسهل التطبيع مع إسرائيل في حال اكتمال التطبيع مع الولايات المتحدة نفسها.
وفرنانديز متهم بالعنصرية تجاه العرب والنظر إليهم بدونية، وانعكس ذلك في أكثر من موقف، كان آخرها ردّه على من شكّك بمهنية ومصداقية قرارات الصرف التعسفي للعاملين اللبنانيين في «الحرّة»، حين قال بسخرية: «أعلم أنكم جميعاً من بلدان الشرق الأوسط وأنكم غارقون ومولعون بنظريات المؤامرة ولذا لست مندهشاً... لكنني أؤكد لكم أنّ لا مؤامرة هذه المرة».