في ضوء التحولات السياسية التي تشهدها دول الربيع العربي، يحضر ملف الأقليات بقوة وسط النداءات المتكررة من قبل المجتمع الدولي إلى حفظ التنوع الإثني والديني. يتناول كتاب «الأقليات الدينية والإثنية بعد الربيع العربي» (مركز المسبار للدراسات والبحوث) موضوع الأقليات في الدول التي يحكمها الإسلاميون اليوم، باستثناء الأقباط في مصر الذين خصّص لهم المركز كتاباً آخر حمل عنوان «الأقباط بعد 25 يناير».

شاركت في العدد الشهري مجموعة من الباحثين العرب رصدوا وصول الأحزاب الإسلامية الى السلطة في كل من تونس والمغرب وإيران وتركيا والسودان والعراق. يبدأ العمل بعرض مفاهيم الأكثرية والأقلية عند الإسلاميين، وتعقّب النظريات الغربية لكلا المصطلحين، وكيفية تعامل الإسلام السياسي معهما.

وقد برزت مسألة الأقليات خلال حقبة ضعف السلطنة العثمانية، علماً بأنّ المسيحيين مثلاً عرفوا عصرهم الذهبي حينما كان العثمانيون في أوج ازدهارهم، كما يلحظ هنري لورنس صاحب «المشرق العربي».
تحت عنوان «المسيحيون والصابئة المندئيون في ظل حكم حزب الدعوة»، درس الباحث العراقي عبد الحسين شعبان أوضاع الأقليات في العراق، من بينهم الصابئة والمسيحيون الذين هاجر القسم الأكبر منهم خلال الحروب الثلاث الأخيرة. وينتقد الكاتب تعاطي «حزب الدعوة» مع موضوع الأقليات، مبرزاً المخاطر الناجمة عن تغلغل التكفيريين والجهاديين في بلاد الرافدين، وارتداداتها على الصابئة المندائية (المسيحيين أيضاً) التي تعرّض معتنقوها لحوادث القتل وتدمير المعابد وأجبروا على اعتناق الإسلام والختان القسري.
وعلى رغم أنّ كثيرين لا يعلمون بوجود الشيعة في تونس ــــ البهائية أيضاً ـــ عرض الباحث التونسي شكري الصيفي أحوالهم خلال حقبة النظام السابق، وكذلك خلال مرحلة ما بعد الثورة. وخلص الى أنّ المذهب الجعفري له جذوره التاريخية، إلا أن الثورة الإسلامية في إيران أدت الى ازدياده، لافتاً إلى أنّهم خلال عهد زين العابدين بن علي، حرموا من حق تأسيس جمعية أهل البيت، وسط توتر العلاقة بينهم وبين السلطة. أما بعد الثورة، فقد تأرجحت علاقتهم مع الطبقة السياسية الجديدة، وفي طليعتها «حركة النهضة» بين الضغط والتكيف.
في الورقة البحثية، التي حملت عنوان «حرية المعتقد الديني بين القانون وإكراهات الواقع»، يتطرق الكاتب المغربي عبد الحكيم أبو اللوز الى حقوق الأقليات إثر الإصلاحات الدستورية الجديدة التي تلت حركة «20 فبراير» الاحتجاجية الشهيرة، وقد ساهمت في وصول «حزب العدالة والتنمية» الإسلامي الى الحكم. وإذ يشير أبو اللوز الى الإجراءات المتخذة من قبل السلطات السياسية للحد من النشاط التبشيري المسيحي، يطالب بضرورة تكريس مادة في الدستور تسمح بحرية الاعتقاد.
من جهته، قدم نبيل العتوم أستاذ الدراسات الإيرانية في الجامعة الأردنية، مادةً رصد فيها أوضاع الأرمن واليهود في عهد الثورة الإسلامية. ومن الخلاصات المهمة التي يصل إليها تصاعد التوتر بين الدولة والكنيسة المسيحية بسبب معطيَين: النشاط التبشيري؛ والمتغير الخارجي المناصر لحقوق الأقليات الدينية. لكنّه في المقابل، يعتبر أنّ إيران الثورة منحتهم حرية إظهار العقيدة وممارسة طقوس، طالما أنها «لا تُخلّ بمبادئ الدين الإسلامي». ويشار الى أنّ الأرمن لديهم مدارس ومراكز ثقافية ويتمتعون بحقوقهم السياسية بعدما بات لهم نائبان في مجلس الشورى، ورغم ذلك لا يُسمح للمسيحيين واليهود بدخول المناصب العسكرية والأمنية والقضائية.
ومن السودان، عالج الباحث السوداني عبده مختار موسى أوضاع الأقباط والوثنيين، مشيراً الى أن أساس المشكلة ليس في التنوع الديني والإثني، بل في الفشل في إدارته. ورغم ذلك، لا يبدو موضوع الأقليات مشكلة حادة في السودان بسبب التعايش بين مختلف مكوناته، مع وجود بعض التوتر نتيجة العامل السياسي، ما يتطلب تفعيل عملية الاندماج كما يقول الكاتب.
تركيا التي تعتبر بلد الأقليات الدينية والإثنية والمذهبية خُصصت لها دراسة حملت عنوان «الأقليات في تركيا في ظل حكم حزب التنمية والعدالة».
هذا الملف درسه الباحث اللبناني محمد نور الدين، وسلط فيه الضوء على أحوال الأرمن والعلويين والأكراد، ورأى أنّ الموضوع الكردي لم يحقق أي تقدم مع حكم الإسلاميين. يُذكر أن أعداد العلويين في تركيا تراوح بين 16 و20 مليوناً وفق تقديرات الاتحاد الأوروبي، وهم موزعون على ثلاث مجموعات إثنية: تركية وعربية وكردية. ويشار الى أنّ القضية الأرمنية تعتبر من أكبر التحديات التي تواجه السياسة الخارجية التركية، إذ يطالب الغرب بالاعتراف بحصول الإبادة.
وتحت عنوان «خطاب المواطنة والإسلام السياسي المعتدل»، يلاحق الباحث اللبناني عبد الغني عماد التطورات العقائدية التي طرأت على تنظيرات الإسلاميين تجاه الآخر الديني ويقسمهم الى اتجاهين، الأول يرفض إعطاء حقوق المواطنة للأقليات، والثاني يُقرّ بها كما هي الحال بالنسبة إلى المفكر الإسلامي راشد الغنوشي صاحب «حقوق المواطنة، حقوق غير المسلم في المجتمع الإسلامي».
«الأقليات الدينية والإثنية بعد الربيع العربي» يتقاطع مع قلق الجماعات الأقلوية، الإثنية منها والدينية، ولا سيما في دول الحراك العربي، فالأنظمة الناشئة ورثت ملفاً شائكاً ومعقداً بفعل عاملين: الضغوط الخارجية الغربية التي كانت ذات تأثير سلبي، رغم المحاولات المتكررة لحفظ حقوق الأقليات، وفشل السلطات السابقة في إدارة التنوع.
يحتاج الإسلام السياسي المنتشي بعد وصوله الى الحكم إلى إجراء مراجعات نقدية جادة، وانقلابية إذا جاز التعبير، تسمح بتكريس المواطنة الكاملة للمكوّنات المجتمعية، من دون أي تفريق على أسس الدين أو المذهب أو العرق، ما يقتضي بناء دولة حديثة تتيح المساواة الكاملة طبقاً لمعيار الكفاءة وليس المذهب أو اللون أو اللسان، وخصوصاً إذا اعتبرنا أنّ مشكلة الأقليات هي مشكلة المجتمع العام بذاته.