تحتفي «غاليري تانيت» بمرور خمسين عاماً على إنشائها في ميونخ، وخمسة عشر عاماً على وجودها في لبنان، من خلال معرض جماعي بعنوان «كان يا مكان». احتفالية فنيّة تستمد مادّتها من الأساطير، أيّ من المتخيّل الفردي والجماعي بما ينطوي عليه من خوارق. ليس غريباً أن تختار «تانيت» هذا الموضوع الذي يبدو كأنّه هروب من الواقع، إلى عالم الماوراء، وما تفرزه المخيلات من «وقائع» انقضت ولم تُمح من الذاكرة على مدى آلاف السنين وعبر مختلف الشعوب والقبائل والعشائر والعائلات. هذه المعطيات «اللاتاريخية» في ظاهرها، هي جزء من تكوّن الحضارات والفنون والشعر والمسرح وصولاً إلى السينما أي وصولاً إلى الإنسان الراهن. ونحن نعرف أنّ الأديان التوحيدية، ربما تجاوزت هذه الظواهر لتضع طقوسها وعاداتها وتعاليمها خدمةً للإنسان، لكن لا يعني ذلك أنها حاولت محو الأزمنة والآلهة السابقة، اليونانية، والإغريقية، والهندية وسواها من الطقوس والأساطير القديمة. حتى إذا تجاوزنا كل هذه السوابق، هذا لا يعني أنّ الأسطورة أو الفكر الأسطوري قد غاب عن حاضرنا. فالمهم أن ننظر إلى هذه التواريخ من منظار الحاضر لا الماضي، أي محاولة تأويل تلك الطقوس والظواهر العقلانية المنطقية إلى ما يخدمنا في صنع حضارة لا تنقض ما قبلها، بل تكمل ما قبلها. مثلاً، إنّ الأساطير اليونانية قد صنعت فلسفاتها ومسرحها وروايتها وسرديتها، فورثناها نحن من باب النسبية.

وقد استمدّ الشعراء وكتّاب المسرح والعرب والأجانب تلك الأساطير للتكلّم عن الحاضر بجمالياتها ومعانيها وما يخدم منها التجارب الإبداعية.

يوسف عبدلكي يصوغ أعماله وسردياته بأسلوب متقشّف، لكن متسع الرؤية يعبّر عن تقنية محترف


باستقبالها نحو 18 فناناً لبنانياً وعربياً، حاول كل منهم التعبير إمّا بتجربة مباشرة أو بذاكرة مكتسبة أو بتجريبية، تحيل الغاليري الأعمال المشاركة إلى الحساسية الحاضرة وتقديم نوع من الأشغال التشكيلية، كأنما هناك إبداعاً حاضراً على إبداع الماضي. فإلى أي مدى نجح هؤلاء الفنانون في صوغ لوحات أو منحوتات تؤكد هذا التماذج الحضاري والفني؟
الفنان السوري يوسف عبدلكي، العريق التجربة، يصوغ أعماله وسردياته بأسلوب متقشّف، لكن متسع الرؤية يعبّر عن تقنية محترفة. وقد نجح في خلق أجواء غرائبية في مصوغاته وضرباته والأبيض والأسود اللذين يوحيان بنوع من الجد في تأويل مفهوم الأسطورة العمومي إلى لحظات متخيّلة خاصة. أمّا التشكيلي اللبناني نبيل نحاس، فقد انحاز إلى ما هو أسطوري في الطبيعة، وهي أصلاً ملاعب وساحات للخيال والمشاعر. فالأرزة اللبنانية كانت أسطورة في الكتب الدينية استخدمها الملوك والإمبراطوريات القديمة لصنع منازلهم لما فيها من عناصر تكاد تكون خالدة وجميلة. وقد سُمّيت بأرز الرب لما رأوا فيها من مناخات دينية. لكنّ الفنان يتجاوز ذلك إلى اتجاهين ربما سياسي والغالب جمالي. لا ننسَ أن الأرزة تتوسط العلم اللبناني، أي انحياز إلى الطبيعة. ولم يختر اللبنانيون مثلاً آلات حرب لتزيين علمهم. من هذا المنظار، تمكن الفنان من صوغ أرزة كأنّها طلعت من جسمه وحواسه.


أما الفنانة رندا ميرزا، فقد غرفت مادتها التشكيلية من مخزون التراث العربي الديني، منغمسة في نصوص المؤرخين المسلمين القدامى، والنصوص القرآنية والتوراتية، والأحاديث، والأدب العربي الكلاسيكي وبحر الشعر الجاهلي... ومنها صلوات الاستسقاء التي عمّت مجمل تلك المراحل. ومن هنا نتعرف إلى مصدر الفنانة التي توغلت في الأساطير والآلهة المغربية في هذا الإطار وفي هذه الصلوات، لتقدم لنا مشهدية ملموسة تكاد تكون مسرحية يحمل «المؤمنون» فيها آلهتهم. كأنّها صورة فوتوغرافية توحي بمناخات حارة ومؤمنة في تقديس الآلهة وإبراز شفاعتهم وقوّتهم في الواقع الذي عاشوه. مدهشٌ هذا الأسلوب المغاير المتفرد عندها في خلق هذه الأجواء الإيمانية في علاقة الناس بآلهتهم كأنّها رؤية ترسمها بثلاثة ألوان تخلق بكيميائيتها اللونية والمتمازجة، جماليةً مختزلةً، لكنها تنبض بالإيحاء والمتخيل الجسدي. من جهتها، تستعيد سيمون فتّال المناخات الصوفية بعمقها وانخطافاتها، ويجسّد جان بوغوصيان حالة تمرّد على الموت في كتابين، أزرق وأخضر، وبأسلوب تجريديّ. أما غسان زرد، فيمزج عناصر الماء والهواء، الأرض والنار، لخلق مشهدية رمزيّة خاضعة لرؤيته الذاتية. ويحضر الشعر والموسيقى في لوحة محسن حركي الذي لجأ إلى مادة البلاكسي لاستلهام عوالم الشاعر الفارسي الكبير عمر الخيام. أمّا حسين فالامانيش، فيستعين لعمله التركيبيّ المكوّن بأدوات عتيقة يندر استخدامها اليوم مثل الغلّاية والسلال. تلفت أيضاً أعمال عادل العابدين، وشيرين أبو شقرا، وعبد القادري، وويلي عرقتنجي، وزينة عاصي، وأسامة بعلبكي، وروي ديب، وكيفورك مراد، وروي سماحة وزياد عنتر. هؤلاء يكملون الدائرة التي تستدعي عالم الأساطير والحضارات والخوارق والأدوات القديمة... إنّ هذه المخيلات الفردية والجماعية تطلّ علينا مثل قصيدة ملحميّة مشهديّة، أو كحلم ينتشلنا من واقعٍ مطبق على نفوسنا.

«كان يا مكان»: حتى 16 نيسان (أبريل) ـــ «غاليري تانيت» (مار مخايل ـ بيروت) ـ للاستعلام: 71/328814