لم تغب قطع بنين البرونزية عن النقاشات في المتاحف الأوروبية والمؤسّسات الأفريقية في السنوات الأخيرة، بوصفها أكبر قضايا نهب الآثار في العالم خلال فترة الاستعمار البريطاني لنيجيريا. مرّ أكثر من قرن على إقامتها الجبرية في المتاحف الأوروبيّة، أبرزها المتحف البريطاني الذي لا يزال يتمسّك بأحقيّته في الإبقاء على المئات من هذه اللُّقى الأثرية التي تعود في الأصل إلى مملكة بنين الأفريقية (ضمن نيجيريا حالياً). أخيراً، ظهرت هذه القضيّة مجدّداً، في خطوات لافتة اتخذتها بعض المتاحف والمؤسسات الأوروبية بإعادة هذه المنحوتات إلى نيجيريا. منحوتات بنين البرونزية كانت أيضاً محور المؤتمر الافتراضي الذي عقدته الأكاديمية الإيطالية في «جامعة كولومبيا» الأميركية قبل أيام، لمناقشة مصير هذه الآثار ولنقض بعض الاعتقادات الخاطئة التي رافقت الحديث عنها. واحدة من هذه الخرافات التي نشرتها وعزّزتها المتاحف الإثنية الأوروبية (بغية دعم سطوتها على إرث بنين الغني، وتبرير السرقة الاستعماريّة) هي أن بقاء هذه القطع في المتاحف الغربية، هو أكثر أماناً من عودتها إلى بلدانها الأصلية. غير أن المؤتمر الذي عُقد قبل أيام، توصّل إلى نتائج تخالف هذا الاعتقاد الذي ساد لعقود طويلة. فقد أكّد المشاركون في المؤتمر، من أكاديميين في جامعات عالمية على أن هذه القطع التي سرقتها قوّات الاحتلال البريطاني سنة 1897، تتعرّض في الغرب إلى خطر لا يقلّ عن الخطر التي قد تتعرّض له جرّاء العوامل المناخية في نيجيريا. إذ أكّد الأكاديمي دان هيكس من «جامعة أوكسفورد» أن أهم المجموعات البرونزية بيعت وضاعت في أسواق الدول الغربية، وأنها مهدّدة بالبيع دائماً للمجموعات الخاصّة. وقد ناقش الأكاديميون اللغة المتخفية المستخدمة في المتاحف الأوروبية للتعريف بهذه القطع البرونزية. في السنوات الأخيرة، أعادت بعض المتاحف النظر في هذه اللغة، خصوصاً في قراءتها لتاريخ خروج هذه القطع من أفريقيا. فبعد عقود من محاولة التغطية على الممارسات الاستعمارية السابقة، بدّلت المتاحف بعض النصوص والمصطلحات، التي باتت تعترف بشكل واضح بالطريقة الدموية التي خرجت فيها هذه الآثار من مكانها الأصلي في بنين.

وفيما استطاع بعض الأكاديميين والمنسّقين العاملين في المتاحف المشاركة في المؤتمر، إلا أن آخرين لم يتمكّنوا من ذلك، بسبب الضغوط الداخلية من المتاحف الأوروبية التي يعملون فيها. إذ يأتي هذا المؤتمر في ظلّ اشتعال الحديث عن منحوتات بنين البرونزية في الأسابيع الأخيرة، شهدت خلالها هذه القضية البارزة، تطوّرات لافتة وخطى متقدّمة في سبيل إعادتها إلى بلدها الأصلي. تطوّرات تمثّلت بإعلان بعض المتاحف الأوروربية عن اعتزامها إعادة هذه المنحوتات إلى نيجيريا، خصوصاً أنه يتمّ حالياً بناء «متحف إيدو للفن الغرب أفريقي» في جنوب البلاد، الذي يحتفي بإرث مملكة بنين الثقافي والحضاري (من المتوقّع أن يُفتتح بداية سنة 2025).
متحف Humboldt Forum الألماني كان أوّل من اتخذ إجراءات جديّة بهذه القضية. إذ أعلن الشهر الماضي، عن امتناعه عرض منحوتات بنين البرونزية، مستبدلاً إياها بعرض مجسّمات عنها، أو بترك أمكنتها فارغة، وذلك في إضاءة على التاريخ الاستعماري. وأكّد المتحف أن هذه الخطوة الأولى تأتي في سعيه لإعادة هذه المنحوتات إلى نيجيريا. وفي السياق نفسه، كان وزير الخارجية الألماني هايكو ماس قد أعلن عن تأييده الكامل لإعادة المجموعة البرونزية المعروضة في متاحف ألمانية إلى أفريقيا، مؤكّداً أنها الطريقة الوحيدة للتعامل مع التاريخ الاستعماري. وبعد المتحف الألماني، أعلنت جامعة «أبردين» الإسكوتلندية عن قرارها بإرجاع واحدة من قطع بنين المسروقة إلى نيجيريا، لتكون بذلك المؤسسة الأكاديمية الأولى التي تعيد القطع إلى أفريقيا. أما متحف هورنيمان في لندن، فقد أشار أيضاً إلى اعتزامه إعادة 15 قطعة برونزية من آثار بنين، بالإضافة إلى 49 قطعة أخرى سُرقت من المملكة الأفريقية، في سياق عمله على تحقيق العدالة مجدّداً، والتخلّص من تركة الاستعمار الدموية.