بعد مرور شهر كامل على انفجار مرفأ بيروت، هناك خسارات لا يمكن إحصاؤها تماماً. فقط ستحفظها المدينة لتعيدنا إلى تلك اللحظة الهائلة. في السابق، أشرنا إلى الخسائر البشرية والأضرار الماديّة التي أصابت الفضاءات الثقافية والغاليريهات، حيث يتوزّع جزء كبير منها في المناطق المتضرّرة بشكل مباشر، وخصوصاً شارع الجميزة – مار مخايل. انتظرنا أن تنتهي المؤسسات الثقافية من إجراء مسح أوّلي لكي نتمكّن من معرفة حجم الأضرار في الأرشيفات الفنية والوثائق البصرية الموجودة في مؤسسات العاصمة اللبنانية. البداية كانت من شارع غورو في منطقة الجميّزة حيث يقع مقرّ «المؤسسة العربية للصورة». بعد رؤية صور الركام في المؤسسة على وسائل التواصل، يذهب الخوف تلقائيّاً إلى المجموعة الفوتوغرافيّة الكبيرة التي تضمّ حوالى 500 ألف صورة ووثيقة بصريّة جمعتها منذ إطلاقها قبل حوالى 23 سنة. في الطبقة الرابعة من المبنى، أزيل ركام كثير من مكاتب المؤسسة التي تحوي إحدى أكبر المجموعات الفوتوغرافية في الشرق الأوسط. أرشيف كبير راكمته المؤسسة طوال السنوات الماضية، عبر جمع الصور من العالم العربي، ودول الشتات العربي في أميركا اللاتينية وأفريقيا وأكبر المدن منها حلب والإسكندرية وبغداد والقاهرة ودمشق بهدف الحفاظ على الصور في العالم العربي وحفظ وفهم ممارسات التصوير فيه. اقتصرت السنوات الأولى على بناء الأرشيف الكبير الذي ضمّ صوراً ومجموعات تحمل تاريخنا وتاريخ المنطقة منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم. في إيجاز للأضرار الذي لحقت بها، يخبرنا عضو مجلس إدارة المؤسسة الفنان فارتان أفاكيان، بأن الانفجار انقضى من دون خسائر بشرية أو أيّ من الخبرات العاملة في المؤسسة، بل اقتصرت على إصابات طاولت أحد الموظفين الذي كان موجوداً في المكتب لحظة وقوع الانفجار. رغم إزالة الركام، إلا أن آثار الدمار لا تزال موجودة في بعض الخدوش التي خلّفها الزجاج على الجدران والخزائن.


«المؤسسة العربية للصورة» بعد الانفجار (من صفحة المؤسسة على فايسبوك)

واقتُلعت الأبواب المضادة للحرائق من مكانها. أما الغرفة المبرّدة لحفظ الأرشيف، فقد تدمّرت بالكامل، وتوقّفت عن العمل، ما اضطَرّ العاملين إلى نقل الأرشيف مؤقّتاً إلى غرفة أخرى مبرّدة لم يطاولها الضرر كبقية الغرف. حتى الآن، لا يزال العمل جارياً على مسح أكثر دقّة للأرشيف والصور، وخصوصاً الـ 170 ألف صورة التي كانت محفوظة في غرفة الحفظ المبرّدة. تشير المسؤولة عن حفظ الأرشيف في المؤسسة راشيل تابت إلى أن المسح الأوّلي على أرشيف الصور يظهر أنه نجا من التلف، إذ أن لا أضرار في الصور والوثائق البصرية بشكل مباشر، بل اقتصرت على صناديق الحفظ من الخارج، باستثناء ثلاث صور، اثنتان منها أصيب إطارهما الزجاجي. الخطوة التالية لدى المؤسسة هي إجراء فحص أكثر دقّة لمعرفة ما قد يتسبب به الغبار الذي تدفّق إليها وتأثيره على أسطح الصور التي تنتمي إلى ثلاث موادّ منها الألواح الزجاجية والورق والبلاستيك الذي تحوي أسطحه بدورها موادّ مختلفة مثل النيترايت والأسيدايت اللذين يتفاعلان دائماً.
يؤكّد أفاكيان أن الأولوية كانت تتمثّل في إنقاذ المجموعة والملفات الرقميّة، التي تمّ إنقاذها أيضاً، وخصوصاً أنّ عدداً من أجهزة الكمبيوتر تدمّرت بالكامل. نجاة الأرشيف لا تبدّد وحدها التحديات الكبيرة التي تواجه المؤسسة منذ ما قبل الانفجار، منها الأزمة المالية وأزمة الكهرباء. مع ذلك، لا يتوقّف أفاكيان عن الحديث عن المشاريع المقبلة، والسعي إلى العودة إلى المشاريع التي كانت تعتزم المؤسسة القيام بها قبل اندلاع الانفجار، منها تقريب هذه المجموعة الفوتوغرافية إلى الناس في بيروت والمدن الأخرى، بالإضافة إلى استكمال العمل على تنظيم المجموعات الكبيرة، وخصوصاً بعدما تمّ أخيراً تعيين مديرة جديدة للمؤسسة هي فاديا الحاج فدلر.
بعض الأعمال الفنية في متحف سرسق أُصيبت بأذى بالغ مثل لوحة لبول غيراغوسيان ومنحوتة لسلوى روضة شقير

أبرز هذه التحديات يتمثّل في ضرورة العمل على بناء غرفة حفظ مبرّدة جديدة، تسعى المؤسّسة لأن تكون متنقّلة، مع التفكير بتأمين الكهرباء بصورة متواصلة. أما الخياران الآخران فهما إما ترميم المكاتب الحالية، أو الانتقال إلى مقرّ جديد. خيارات كهذه، محكومة أيضاً بورشة الإعمار الكبيرة في الجميزة، والغبار الذي قد يتسرّب إلى المجموعات الفوتوغرافية المحفوظة. حتى ذلك الوقت كلّه متروك للظروف والخطط البديلة، في ظلّ الاعتماد على دعم المؤسسات والأفراد الذين أطلقوا بعد الانفجار حملة دعم للمؤسسات الثقافية المتضرّرة. لم يترك انفجار الرابع من آب مجالاً لتنفيذ خطّة الطوارئ الخاصّة بالمؤسسة، والتي تقضي بنقل الأرشيف الموجود إلى متحف سرسق في حال تعرّضت لأي خطر. فالضرر طاول جزءاً كبيراً من متحف سرسق في الأشرفية. رَاوحت الخسارات بين الأضرار البالغة في كل أقسام المتحف، منها سقوط السقف في بعض الغرف، بالإضافة إلى الأذى التي نالته بعض لوحات المجموعة الثابتة والنادرة من المحترف التشكيلي اللبناني الحديث، وخصوصاً في ظلّ غياب متحف للفن اللبناني الحديث. تخبرنا مديرة المتحف زينة عريضة أن 25 لوحة ومنحوتة تضرّرت جرّاء الانفجار من أصل 130 عملاً فنياً تحويه المجموعة الثابتة. بعضها لحق بها أذى بالغ، مثل لوحة للفنان اللبناني بول غيراغوسيان، ومنحوتة لسلوى روضة شقير، وبعض الأعمال الفنية الأخرى. وفيما لا يزال فريق عمل المتحف يجري مسحاً على الأضرار، فإن العمل على ترميم اللوحات سيتمّ في لبنان، فيما تتطلّب بعض اللوحات نقلها إلى الخارج من أجل إصلاحها، وفق عريضة. إلى أن يكتمل المسح على الأضرار، يعوّل المتحف على حملات المساعدات للمؤسسات الثقافية، بالإضافة إلى الدعم من مؤسسات فنية خارجية عرضت مشاركة خبراتها مع المتحف.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا