بلغت شهرة جلال الدين الرومي (1207 - 1273) في السنوات الأخيرة ذروتها في العالم، حين اكتشف الجمهور «مولانا» على مستوى واسع، والسبب في ذلك كما هو معروف يعود بشكلٍ أساسي إلى رواية «قواعد العشق الأربعون» (2010) لإليف شافاق. مع أن الاهتمام الأميركي والأوروبي به يعود إلى تسعينيات القرن الماضي حين صدرت كتب تحتفي بشعره وبروحانيته، حتى احتل الرومي مرتبة الأكثر قراءةً في الولايات المتحدة عام 2017. فجأةً اجتاح شعر الرومي مواقع التواصل الاجتماعي على شكل مقولات أصبحت تُمزج أحياناً بالاقتباسات التحفيزية (Motivational quotes) وبتلك الخاصة بالتنمية البشرية. وعلى الرغم من شبهة الاستهلاك التي ترافق أي شيء يفرط الجمهور بالاهتمام به، لا شك في أن هذا الاهتمام يدلّ في أساسه على أن شعر الرومي يروي ظمأً لحكمةٍ روحية تسمو بالإنسان عن الشقاء الواقعي.

لكن بعيداً من هذا الصخب، يُعدّ الرومي أحد أشهر صوفية الإسلام في التاريخ. قدّم الشيخ البلخي (وُلد في بلخ التي تقع اليوم في أفغانستان) نمطاً فريداً من التصوف في الأناضول في القرن السابع الهجري. في قونية التي حطّت رحاله فيها بعد رحلةٍ طويلة مرّت ببغداد، أقبل الرومي على التصوف متفرغاً للحياة الروحية تفرغاً تاماً، مستفيداً في ذلك من صحبة صدر الدين القونوي أهم شرّاح ابن عربي. وقد تمحورت الحياة الروحية في قونية الصوفية بامتياز حول الرومي الذي اعتُبر «مأثرة القرن السابع الهجري» بحسب الشيخ الندوي.


وإذا كان الهوس الغربي بالرومي بلغ درجاتٍ متقدمة أخيراً، حيث سمّى مشاهير مواليدهم على اسمه، وغنّى آخرون من قصائده، فإن العرب قد عرفوا الرومي باكراً وإن على نطاقٍ ضيّق. ففي التراث الإسلامي صور شتى للاهتمام بالرومي. كما أن «مولانا» كتب بعض قصائده ــ وإن كان عدداً يسيراً منها ـ بالعربية، إلى جانب الفارسية والتركية اللتين نطق وكتب بهما. إذاً قبل إعادة الاكتشاف العربية المعاصرة للرومي، كيف تعرفت الثقافة العربية إلى أعماله؟ من الذي أدخل التراث الصوفي الفارسي إلى العرب؟ ما هو السياق الذي دخل من خلاله الرومي إلى الثقافة العربية؟ وماذا يقدم الرومي لهذه الثقافة اليوم؟ حاولت المحاضرة التي نظّمتها كلية الآداب والعلوم في الجامعة الأميركية في بيروت بعنوان «جلال الدين الرومي في الثقافة العربية» الإجابة على هذه الأسئلة. استضافت المحاضرة الباحث المصري في الإسلاميات والتصوف خالد محمد عبده، الذي تركز اهتمامه على المجال الصوفي ونشر العديد من الكتب منها «شمس تبريزي إبريق من الخمرة الإلهية» و«سفراء التصوف في العالم الإسلامي».
على عكس ما قد يبدو، إن الاهتمام العربي بالرومي لا يزال فقيراً للغاية ولا يمنحه مكانته اللائقة به، بحسب عبده الذي يؤكد أن العرب لم يهتموا بنشر شروحات وحواشي لأعمال الرومي إلا بعد القرن السابع عشر. وقد كانت مصر سباقة في ذلك. إذ جرت طباعة «المثنوي» (المؤلف الأكبر للرومي) بالفارسي عام 1835 للمرة الأولى عربياً في «مطبعة بولاق» في القاهرة، ثم تلتها طباعة الشرح الأول الوحيد باللغة العربية سنة 1870 في المطبعة نفسها. وقد ضمّ الرومي لـ «المثنوي» نصوصاً بالعربية، خصوصاً في فواتح المجلدات السبعة. كما أن بعض الكلمات الواردة في النص الفارسي ورد في اللغات العربية.
بحسب عبده، يعود أثر الرومي في مرحلة التراث لدى العرب إلى تأسيس الطريقة المولوية بعد وفاته وبعدما حمل لواء الطريقة ابنه سلطان ولد. والمولوية هي الطريقة السنية التي تُنسب نشأتها إلى الرومي والتي اتّسعت بمرور الوقت قاعدتها الشعبية، وانحاز إليها الكثير من أتراك المدن في الأناضول سواء كانوا من الطبقات الأرستقرطية أو من الفئات الشعبية كما انتشرت تكاياها في تركيا وفي بلدان أخرى.
غير أن أول كتاب بالعربية عن الرومي كان للشيخ اسماعيل الأنقروي الذي كتب ثلاثة كتب شارحاً «المثنوي» باللغة التركية أولاً، ثم كتب الكتاب العربي «سماط الموقنين»، وفيه أراد المشاركة في شرح ديباجة «المثنوي» باللغة العربية. ولا يقدم هذا الكتاب للعرب صورةً للرومي أو لـ «المثنوي»، هو فقط يشرح الأبيات ومعنى الألفاظ. وقبل كتابه بالعربية، خصّص الأنقروي مؤلفه «فتح الأبيات في شرح المثنوي» لشرح الأبيات الثمانية عشر الأولى في كتاب الرومي، التي تُعتبر أنها لخصت «المثنوي». ومع بداية القرن السابع عشر، بدت شروحات الأنقروي لـ «المثنوي» ضرورية لمن يعلّم «المثنوي» ويشرحه للمريدين، وقد كان يشترط لطالب العلوم الشرعية أن يعرف «المثنوي» وفقاً لشرح الأنقروي الذي يعتمد في شرحه على توضيحات ابن عربي.
ثاني شخصية عربية اهتمت بالرومي، كانت الشيخ عبد الغني النابلسي الذي كان منتسباً إلى الطريقة النقشبندية. كتب النابلسي مدافعاً عن الرومي «العقود اللؤلؤية في طريق السادة المولوية» الذي تألف من مقدمة وعشرة فصول دارت حول طقوس المولوية ومركزاً على قضية السماع والغناء والرقص والموسيقى باعتبارها إشكالية أراد أن يشرحها لخصوم التصوف. هؤلاء دائماً ما يجابهون المتصوفين بكون أفعالهم وما يأتون به من طقوس تخالف الشريعة، كالرقص مثلاً. أراد النابلسي أن يثبت أن طقوس المولوية صحيحة ومنضبطة بضوابط الكتاب والسنّة، وبأن الرومي صوفياً سنّياً ملتزماً قبل أي شيء. دافع النابلسي عن أتباع الطريقة وطقوسهم، مستدلاً على ذلك بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأقوال الصوفية والفقهية. ويشير عبده هنا إلى أنه حين نقرأ عن الرومي في المصادر التراثية نقرأ عن صوفي مسلم سني فقيه حنفي.
الشخصية الثالثة التي كان لها الفضل في نقل الرومي إلى العربية، تعود إلى القرن السابع عشر، هو كوسج أحمد دده، تركي كتب بالعربية عن الرومي. كتب أحمد دده «التحفة البهية في الطريقة المولوية»، وكان غرضه إظهار الرومي صوفياً متشرعاً له عناية بالقرآن والحديث، وشارحاً لجملة من الأحاديث النبوية مؤدٍ للصلاة والفرائض.
في مؤلف «فيه ما فيه» للرومي، الذي يؤكد عبده أنه المؤلف الذي يلخص رسالة الرومي كلها، ينص «مولانا» على أن الصلاة هي شأنٌ باطني، فلا صلاة إلا بحضور القلب ولكن لا بد أن تأتي بصورة الصلاة: تركع وتسجد وعندئذٍ تستفيد وتصل إلى المقصود. فإذا كانت «صلاة الصورة» مؤقتة بالنسبة للرومي، إلا أنه ينبغي للصلاة أن تظهر بالصورة لأن للمعنى اتصالاً بالصورة، وإذا لم يكن الاثنان معاً، ليس لهما فائدة.
جرت طباعة «المثنوي» بالفارسي عام 1835 للمرة الأولى عربياً في القاهرة


في كتاب «التحفة البهية»، يذكر شمس تبريزي للمرة الأولى باللغة العربية. إن كل من كتب حديثاً عن تبريزي اعتبره شخصية أسطورية من خلق الرومي، خلقها ليتكلم من خلالها. يؤكد عبده أنه من خلال عمله على الرومي وبحثه الذي امتد سنوات في هذا المجال، تبين أنّ شمس تبريزي شخصية تاريخية حقيقية. بعضهم يرى شمس تبريزي اسماعيلي المذهب، إذ إن هناك كتابات عنه في التراث الاسماعيلي، فيما يراه بعضهم شيعياً. مثل هذه النصوص التي نقرأها في «التحفة البهية» لأحمد دده برغم الفترة التاريخية الكبيرة الفاصلة بين تدوينها ونطق شمس بها، تقف على حضور المقالات باللغة العربية وليس باللغة الفارسية، بين أهل الطرق الصوفية في تركيا والدول المجاورة كما تزيد من وثوقيتنا بنسبة أجزاء من هذه المقالات إلى شمس تبريزي.
في القرن التاسع عشر، كان يوسف المولوي، المنتسب إلى الطريقة المولوية كما يدلّ اسمه، أول شارح للمثنوي بالعربية، ولم تصلنا شروحات أخرى لـ «المنثوي» بلغتنا. شرح المولوي «المثنوي» للطلاب العرب، خصوصاً في سوريا ومصر. وقد طبع هذا الشرح كما أشرنا سابقاً في «مطبعة بولاق»، ثم طمست أخباره. المحاضر أكد أن نسخةً من هذا الشرح موجودة في مكتبة الجامعة الأميركية وأنها ستُرفع مجاناً على موقع الجامعة الإلكتروني.
غير أن الرومي لم يعرف ذروة الاهتمام به على المستوى العربي إلا في القرن العشرين حين ظهر «ظهوراً يليق به» بحسب عبده. جرى ذلك بفضل طه حسين الذي كان مهتماً بالأدب الفارسي في إطار رغبته بنقل آداب «الأمم الإسلامية» إلى العربية. دعم بعض بعض الأساتذة المصريين في نقل أعمال الشيرازي وفريد الدين العطار. من بين هؤلاء عبد الوهاب عزام، رائد الدراسات الشرقية في العالم العربي. ترجم عزام أعمالاً من التصوف التركي، الكردي الهندي والفارسي. وقد قدم لنا عزام فصولاً من المثنوي. أما أفضل شخص عربي عمل على الرومي، برأي عبده، فهو محمد عبد السلام كفافي. جاء كفافي إلى بيروت عام 1960 حيث نشر أول كتاب شامل عن الرومي بالعربية بعنوان «جلال الدين الرومي وتصوفه». ثم سجل في الإذاعة برنامجاً عنه، قبل أن يترجم المثنوي (المجلد الأول والثاني) عام 1969. ثم عاد في فترة مرضه إلى مصر حيث ترجم المجلدين الثالث والرابع ونشرهما بعد وفاته.
كفافي ورّث شغفه بالعمل على الرومي إلى مجموعة باحثين عرب معاصرين هم ابراهيم الدسوقي شتا، مريم زهيري، السباعي محمد السباعي. ومجموعة كبيرة في مصر، بالإضافة إلى محمد الفراتي في سوريا وابراهيم العريّض في البحرين وغيرهم.