لا تزال كلماته الأخيرة، قبل أيام، تردّد في مسامعنا هنا في بيروت. كان كلامه عن السفر بين الشفافيات حديثاً عن الهوية واللجوء. الشفافية صفة بارزة من صفات أعماله الفنية، والشفافية صفة أيضاً من صفاته كإنسان، مع ذلك فإنّ هذا العنوان حمل شيئاً من الغموض. ذلك أن عنواناً مثل الهوية أو عنواناً آخر مثل اللجوء لا يوحيان إطلاقاً بالشفافية، بل على العكس، البحث عن الهوية أشعل وما زال يشعل الحروب. واللجوء عنوان بات مع أيامنا الأخيرة يصير هو الهويّة.

لكن ما سمعناه في كلامه الأخير، كان حديثاً عن الفن. عن الفن الهندسي، عن الألوان، عن الكوفي المربّع، عن الفن الإسلامي، عن الفن البيزنطي، عن الفن الحديث في تجلياته المتعدّدة… وكان واضحاً أن السفر الشفاف هنا كان سفراً يسعى أن يوحّد بين هذه الفنون التي تبدو متباعدة أو متناقضة في رؤيته للفن وفي عمله الفني. فإذا كان الفن الإسلامي فن الأرض الذي وقف عليه في طفولته في القدس، أو كانت أيقونات الفن البيزنطي ماثلة أمام عينيه، فإنّ حضوره في الفن العربي الحديث حضور قوي من بغداد إلى المغرب مروراً بدمشق وعمان والقدس وبيروت والقاهرة. لم يشعل كمال بلاطة حرباً في بحثه عن الهويّة، ولم يكن لاجئاً على الرغم من غيابه القسري عن فلسطين، بل بالعكس، لقد أشعل في قلوبنا الدفء، وفي أعيننا البهجة والحلم. وكان لبنانياً وسورياً وعراقياً ومصريّاً في كل مرة زار عاصمة من هذه البلاد.
لم تكن الشفافية مجرّد عنوان، إنها الرؤية التي استطاع عبرها كمال بلاطة أن يجمع في عمله الفني بين خصائص الفن الإسلامي والفن البيزنطي، وأن يجمع بين هذين الفنين التراثيين والفن الحديث بكثير من السلاسة والهدوء والبراعة والعمق. هكذا يجيء غيابه الشفاف السريع ليكشف لنا أن وطن الفن واحد، وأن اللجوء إلى الإنسان وطن.

* فنان ومنظّر لبناني