اختتم في القاهرة أخيراً أكبر معرض لصور المخرج المصري الراحل محمد خان (1942 ــــ 2016) وأفلامه (بعنوان «في حب سينما محمد خان»)، من إعداد صديقه مدير التصوير سعيد شيمي. وتزامناً مع ذكراه الثانية أيضاً، خرجت من المطبعة النسخ الأولى من كتاب يضم رسائل من محمد خان إلى صديقه سعيد شيمي، تعود إلى خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

هذه ليست المرة الأولى التي تنشر فيها رسائل أحد الكتاب أو الفنانين العرب، ولكنها المرة الأولى التي تنشر فيها رسائل من فنان إلى صديق عمره الحميم، على مدى سنوات طويلة، وتحمل هكذا حميمة وصدق. رسائل هي بمثابة توثيق لحياتي كاتب الرسائل ومن كتبت له، ليس فقط حياتيهما العامة، لكن عقليهما ونفسيتيهما ومشاعرهما… رسائل لا تقل أهمية عن رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، أو توفيق صالح وسمير فريد، إن لم تزد. باختصار، يمكن القول إنّ هذا الكتاب حدث في تاريخ السينما العربية.
«خطابات محمد خان إلى سعيد شيمي- الجزء الأول- مشوار حياة»، صدر عن «دار الكرمة» في القاهرة الأسبوع الماضي، في الذكرى الثانية لرحيل مخرج أثرى السينما المصرية بأعمال عدة منها «ضربة شمس»، «أحلام هند وكاميليا»، «سوبر ماركت»، «زوجة رجل مهم» وغيرها.
الكتاب من تحرير مدير النصوير سعيد شيمي، الذي ربطته صداقة عمر مع محمد خان منذ طفولتيهما. كان القاسم المشترك الأساسي فيها هو حبهما، بل عشقهما للسينما، ورغبتهما المحمومة في العمل كسينمائيين. وهذ الصداقة تعرضت لاختبارات قاسية ومحن مآساوية عديدة، منها اضطرار عائلة خان، الباكستانية من والده، والإيطالية من والدته، إلى الرحيل إلى إنكلترا في نهاية الخمسينيات، وتدهور أحوالهم الاقتصادية وعدم قدرتهم على العودة إلى العمل والحياة في مصر مجدداً، حيث كانت «الشوفينية» الناصرية في أوج تعصبها ضد الأجانب.
في هذه السنوات العصيبة، لم يكن هناك «ايميل» أو «فايسبوك» أو هواتف خلوية، وكانت وسيلة الاتصال شبه الوحيدة ــ بجانب المكالمات الدولية المكلفة جداً ـ هي كتابة الرسائل. وقد بقيت مئات الرسائل التي قام بكتابتها محمد خان إلى صديقه، ولكن العكس لم يحدث للأسف، فقد فقدت رسائل شيمي إلى خان بسبب كثرة سفريات خان وعدم استقراره في بلد أو منزل واحد لفترة طويلة.


أهم ما يميز هذه الرسائل، هو امتدادها الزمني، وعمقها الوجداني، حيث تخلو بشكل مدهش من أي ادعاء أو محاولة لإخفاء بعض الحقائق الشخصية. بل على العكس، تبدو منها الثقة المطلقة التي كان يكنها كل منهما للآخر، بل يبدو أن كلاً منهما كان يعتبر الآخر أقرب شخص له في العالم، وخزانة اعترافاته وأسراره.
من المميزات العديدة الأخرى لهذه الرسائل أنها ــ بسبب امتدادها الزمني ـــ تبين النمو العقلي والثقافي والمعرفي للاثنين، كما تبين مدى ارتباطهما بحلمهما الوحيد، وهو العمل في السينما، منذ سنوات الصبا.
في خطاب بتاريخ 21 آب (أغسطس) 1960، يكتب خان، الذي لم يكن قد بلغ عامه التاسع عشر بعد: «صدقني يا عزيزي إن كفاحي الذي سأبداه العام القادم سيستمر لمدة سبع أو عشر سنوات إلى أن أصل إلى ما أريده. طريق طويل وزمن طويل، ولكن أمل كبير لعلي أنجح، فما أطلب إلا دعاءك لي بالنجاح في أملي حتى أصبح ما أريد، فأنا أريد أن أكون. أعبر عن مشاعري بإخراجي الذي سيحرك الكاميرا بطريقة تؤثر على القلوب والذي سيحرك الوجوه بطريقة تجذب العيون. أريد أن أعبر عن رأيي في إخراجي، وربما ولم لا، في يوم من الأيام أخرج فيلماً مصرياً. ربما، يا رب».
منذ سنوات المراهقة وخان يعرف أنه سيصبح مخرجاً سينمائياً، أو على الأقل يعرف أن لا شيء آخر في الحياة يمكن أن يرضيه سوى العمل في السينما. ورغم انتقاله إلى قلب الحضارة الأوروبية في لندن، وحمله جواز سفر بريطانياً، إلا أنه كان يدرك منذ البدايات أنه مصري، يحلم بالعودة وإنجاز أفلام عن مصر.
في أول أيلول (سبتمبر) 1962، يكتب خان: «ربما لن يسعدك أن تعلم أنني أشرب البيرة كثيراً، أي مرتين أو ثلاث في الأسبوع. وحين أذكر البيرة، أعني زجاجات كثيرة. هذا ليس يجعلني سكيراً أبداً بل أحياناً أحاول أن أنسى، وهنا تحت تلك السماء الغاضبة البيرة هي أحسن وأرخص طريقة. المهم إزاي أحوالك وأحوال العائلة، لعل كل شيء بخير، إزاي الأفلام المصرية لعلها تتقدم، يا ليتني أخرج فيلماً مصرياً في يوم من الأيام، وربما تكون أنت المصور». وقبل نهاية العام نفسه، يرسل خطاباً آخر مؤرخاً بتاريخ 7 كانون الأول (ديسمبر)، ينهيه بالسطور التالية:
«أريد أن أعود حتى ولو لم أجد عملاً في التلفزيون. سأعمل أي شيء في البداية. أريد أن أعود. ولكن ربما لسبب الجنسية، لن أجد عملاً أو أحصل على إقامة».
كان يدرك منذ البدايات أنه مصري، يحلم بالعودة وإنجاز أفلام عن مصر


يعود محمد خان إلى مصر عام 1964، ولكن المحاولة تفشل. ومن مصر يذهب إلى لبنان الذي كان ينغل بالفرص والأموال والحياة. من هناك يكتب خان لصديقه عدة خطابات يروي فيها يومياته وآراءه في ما يراه حوله. بعد أشهر عدة، وتحديداً في العشرين من كانون الثاني (يناير) 1965، يكتب:
«بيروت بدأت تنفتح أبوابها أمامي. أجل وفجأة رسمت الآمال في عقلي أفقاً بعيداً جداً. إن الممثل يحيى شاهين كان ضيفاً في منزل الدكتور درويش المصري لأيام عدة عقب عودته من روما، حيث كان يكمل فيلماً مشتركاً له. ومنه تعرفت على المخرج سيف الدين شوكت الذي يسكن الآن في بيروت، وفوجئت بعلمي أنه مجري الأصل ويتكلم العربية بصعوبة، وقابلنا سوياً المخرج يوسف شاهين الذي وجدت أن صحته ضعفت كثيراً، ولكنه مليء بالحرارة السينمائية في كلامه ورجل جدع فعلاً. وقابلت عبد السلام النابلسي، وكذلك المونتير اميل بحري، وقابلت كذلك المخرج محمد سلمان الذي لا يفقه شيئاً بتاتاً عن السينما، وشكله مثل كلامه كالمجانين».
تمتد خطابات الجزء الأول من عام 1959 حتى عام 1966، حيث ينتهي العام بإحباط جديد يدفع خان إلى التفكير في الانتحار، عقب فشل تجربته «اللبنانية»، واضطراره إلى العودة إلى لندن مفلساً تماماً، حتى إن والده، الذي يعاني من ظروف مادية صعبة، يرسل له ثمن تذكرة العودة.
نعلم بالطبع أن خان لم ينتحر، ولم يتخلّ عن أحلامه، وأنه سيعود إلى مصر بشكل دائم منذ السبعينيات، ليصبح واحداً من أبرز المخرجين فيها. وسيحقق حلمه الكبير بالحصول على الجنسية المصرية عام 2014، بعدما تجاوز السبعين!