توطدت معرفتي الشخصية بسمير أمين من خلال اللقاءات السنوية التي عقدت تحت اسم «الدائرة المستديرة» في تسافتت في يوغوسلافيا سابقاً. وكانت مجلة «الاشتراكية في العالم» تسجل ما يدور في هذه اللقاءات من نقاشات، لا سيما الدراسات التي كان يعدها المشاركون.

وكان يُراد من هذه «الدائرة المستديرة» أن تمثل تياراً ماركسياً ثالثاً يقف من حيث التنظير الماركسي، بين التيارين الماركسيين اللذين مثلتهما كل من قيادتي موسكو وبيجين في تلك المرحلة الممتدة من أواسط السبعينيات إلى أواسط الثمانينيات.
المنظرون الماركسيون الأقرب إلى التنظير السوفياتي، أو الأكثر التزاماً به، كانوا يقاطعون «الدائرة المستديرة». أما المنظرون الأقرب إلى التنظير الصيني، فكانوا يشاركون في «الدائرة المستديرة» التي مثلت تياراً ثالثاً. ولا أدري لماذا كان هنالك إصرار لدى المشرفين على «الدائرة المستديرة» على مشاركتي رغم أنني لم أكن من مستوى الأوزان الثقيلة المشاركة، وكان من بينها سمير أمين وأنور عبد الملك ومحمد سيد أحمد وعلي عمار من العرب. وولفغانغ فرتيزهوغ، وإرك هوسباوم، وهنري لوفافر، وهاري مكدوف، وميلوس نيكوليتش، ولوسيانا كاستالينا، وبابلو كونزاليس، ومونتي جونستون، وسو شاوزي، والدو زابالدو، وعشرات غيرهم.


لا شك في أن سمير أمين كان من أهم المنظرين الماركسيين المشاركين في تلك «الدائرة المستديرة»، ليس على المستوى العربي والعالم ثالثي، بل على المستوى العالمي. وقد اشتهر، في ذلك الوقت، بتنظيره المتعلق بالمركز والأطراف، ونقد المركزية الأوروبية ذات الطابع الماركسي، كما برز في كتابته حول الرأسمالية العالمية والعولمية، وسمتها الإمبريالية والاستعمارية، كما في المقابل، تركيزه على إشكالية التبعية. وكان من الواضح أن سمير أمين قد اتسم بالابتعاد عن مركزية الماركسية الأوروبية، والماركسية السوفياتية. وراح يتسم، بدرجة عالية من الاستقلالية. وإذا جاز التعبير، أو قل كان منظراً له فرادته، ولكن مع الحرص على البقاء ضمن ما يمكن اعتباره الأساسيات في الماركسية، لا سيما محاولة إنزال نظرية الصراع الطبقي على كل واقع جديد يناقشه. وهو ما منعه من أن يذهب بعيداً في قراءة الواقع العربي، والتاريخ العربي، والتراث العربي، قراءة دقيقة وأكثر مطابقة لما فيها من فرادة وخصوصية. إشكال لم ينج منه بندلي الجوزي، وحسين مروة، وعبد الله العروي، وسائر الماركسيين أسرى نظرية ماركس حول صراع الطبقات وتغليب التفسير الاقتصادي. وهو ما أقام جداراً، أو هوّة، بين الماركسي والإسلام في بلادنا العربية. ومن ثم بينه وبين الشعب العربي والأمة العربية، بسبب علاقة الإسلام بالأمة العربية والتاريخ والتراث العربيين.
صحيح أن سمير أمين ركز على البعد السياسي الذي مثله ما أسماه الإسلام السياسي، وقد اعتبره جزءاً من الرأسمالية العولمية، وإن كنت أرى أن الإشكال هنا أبعد من البعد السياسي إلى ما تحمله الخلفية النظرية التي تقيم، ما أشير إليه، من جدار أو هوّة بين الماركسي والإسلام والشعب موضوعياً. وذلك بالرغم من حرصه الشديد على أن يكون جزءاً من الشعب، ومدافعاً عن مصالحه وتطلعاته، ولا سيما استمساك سمير أمين بالوحدة العربية وبالروح الاستقلالية إزاء المركزية الأوروبية والهيمنة النظرية لمختلف التيارات الماركسية التي مثلت محاور دولية كبرى.
لقد ترك سمير أمين وراءه، وهو يودع عالمنا المعاصر نهائياً، إرثاً غنياً من النضال ضد الرأسمالية العالمية بمختلف مراحلها وتجلياتها. وقد لعب دوراً كبيراً في إظهارها على حقيقتها المتوحشة المعادية لكل الشعوب، بما في ذلك شعوب «موطنها» نفسه. وهو إسهام مقدّر تركه أمين يستحق أن يُقرأ جيداً، ويفاد منه إلى أبعد الحدود، ليس من جانب الحركات الوطنية والقومية واليسارية والتحررية فحسب، وإنما أيضاً، من جانب الحركات الإسلامية، بما فيها التي ناصبها العداء، بمبالغة عالية. فكثير من العاملين في الحقل العام من يساريين سابقين أو من وطنيين وقوميين وإسلاميين أخذت تلفحهم رياح الليبرالية المعولمة، وتراجعوا حتى عن بداياتهم الأولى التي كان لها موقف في نقد الرأسمالية، حتى الذين حاولوا أن يكونوا وسطاً بين الرأسمالية والاشتراكية، أو بين الاشتراكيين الماركسيين اللينينيين والاشتراكية الديمقراطية. فمن جهة لم يعودوا يربطون بين الرأسمالية العالمية والإمبريالية واستعباد الشعوب ونهب ثرواتها ليختبئوا وراء عباءة ضرورة الديمقراطية والانتخابات والتعددية الحزبية- النموذج الغربي الرأسمالي الليبرالي في بلاد الغرب. وهو ما لم ينجر إليه سمير أمين، بل زاد تمسكاً بنقد الرأسمالية العالمية الاستعمارية الإمبريالية. وتعمق أكثر في فضحها، ولا سيما في مراحلها العولمية الأخيرة. وهنا يمكن أن يُرى سمير أمين نجماً مشعاً ضد كل اتجاهات الانهيار النظري الماركسي والوطني والقومي والإسلامي أمام الرأسمالية العالمية، بما في ذلك صيغتها الملتبسة حول الديمقراطية والتعدد الحزبي والانتخابات. هذا من دون أن نشير إلى خيانة المبادئ حين امتد ذلك التراجع إلى الهرولة النظرية والسياسية باتجاه المصالحة مع الصهيونية والكيان الصهيوني.
لا شك في أن النظرية الماركسية كما النظريات المنطلقة من المعسكر السوفياتي كما المحور الصيني الماوي، كما التوجهات الفييتنامية والعالم ثالثية، دخلت في مأزق شديد مع انهيار الاتحاد السوفياتي. ثم ما جرى من تغييرات في الصين وفييتنام. وانطلق الترويج لنظرية انتصار الرأسمالية والليبرالية الغربية حتى الترويج لنظرية انتهاء عهد الثورات والمقاومات، وأي حديث عن اشتراكية أو عدالة اجتماعية، أو بديل، غير الرأسمالية العالمية بزعامة الثالوث، على حد وصف سمير أمين: أميركا، أوروبا، اليابان، بل الترويج لنهاية التاريخ.
هنا أيضاً كان لسمير أمين خلال العقدين الماضيين دور نظري وسياسي، وكتابه مهم في رفض ذلك الترويج، ليس من زاوية انسداد كل أفق أمام أي مشروع إصلاح اجتماعي، أو عدالة اجتماعية، أو حتى «اشتراكية وشيوعية» (وفقاً لأطروحات ماركس وإنجلز).
«رأسمالية الدولة الصينية» من نمط يختلف عن رأسمالية الدولة في البلدان الأخرى


فهو لم يفعل ذلك استناداً إلى الاستمرار في فضح النظام الرأسمالي باعتباره لا إنساني ومعادياً للشعوب، وحتى للطبيعة والمناخ، وإنما حاول أن يستند إلى التجربة الصينية التي رفض اعتبارها قد تخلت عن ثورتها ونهجها الخاص الذي اشتقته.
مقالة سمير أمين حول «الصعود الناجح للصين» وهي من أواخر نتاجه النظري، أراد منها أن يقول إن الصين لم تتراجع عن طريقها الذي اختطه منذ ثورتها التحررية، وطوال تجربتها تحت قيادة ماو تسي تونغ، وقد اعتبر الانتقال الذي أحدثه دينغ تسياو بينغ منذ الثمانينات، استمراراً للنهج نفسه رغم ما بدا من تكريس لـ«رأسمالية الدولة»، وانفتاح على الرأسمالية العالمية، واندماج في النظام الرأسمالي العولمي. وقد اعتبر كثيرون من المنظرين الليبراليين واليساريين والماركسيين أن الصين تخلت عن الاشتراكية، وأصبحت رأسمالية خالصة. فوداعاً لماو تسي تونغ، وللمسيرة الكبرى وللثورة الزراعية وللثورة الثقافية ولخط الجماهير.
مقالة سمير أمين، آنفة الذكر، انكبت على دحض كل ذلك، وحاولت أن تبين أن ثمة تجربة «على الطريق الطويل إلى الاشتراكية» كما أشار إليه ماو تسي تونغ، منذ البداية. وهذه الاشتراكية تستند إلى الخصائص الصينية التي تتعلق بملكية الأرض والإنتاج الزراعي الخاص العائلي. الأمر الذي حال دون تحوّل الأرض الزراعية إلى سلعة كما هو الحال في التجربة الأروروبية، أو في التجربة الروسية، وعدد من التجارب. هذه الخاصية التاريخية والموضوعية بالنسبة إلى الأرض الزراعية في عدم تسليعها، شكلت الأساس لخصوصية صينية منذ البداية، وطوال التجربة، بما في ذلك مرحلة ما بعد 1980.
اعتبر سمير أمين «رأسمالية الدولة الصينية» من نمط يختلف تماماً عن نمط رأسمالية الدولة في البلدان الأخرى، لأن لها في الصين ثلاثة أهداف:
1- بناء منظومة صناعية جديدة مستقلة.
2- إقامة توازن بينها وبين الإنتاج الريفي العائلي.
3- الاندماج في النظام الرأسمالي العالمي اندماجاً متحكماً فيه، وليس ذوباناً في الثالوث الأميركي- الأوروبي- الياباني.
ما تقدم يشكل بعضاً مما قرأه سمير أمين من خصوصية للطريق الطويل الذي تتبعه الصين نحو الاشتراكية من دون أن يعتبره حتمياً، وغير قابل للانحراف أو للانجراف نحو الرأسمالية العولمية. ولكنه يراه يحمل درجة عالية من الاستمرارية والتماسك. ومن ثم إن كان هنالك من أمل ليسار في هذا العالم في الحديث عن الاشتراكية، فنموذجه في الصين. ولعل ما انتهى إليه المؤتمر التاسع عشر الأخير للحزب الشيوعي الصيني من قرارات وتكريس لقيادة ترفع شعار «اشتراكية بخصائص صينية» تعزز ما توقعه سمير أمين من تغلب تيار «يسار وسط» في الطريق الطويل نحو الاشتراكية.
طبعاً لم يلحظ سمير أمين أن ما يعتبره توجهاً نحو «اشتراكية بالخصائص الصينية» هو أقرب إلى النظرية الإسلامية في إقامة توازن بين الملكية الفردية وضبطها، والملكية العامة وضبطها، منها للنظرية الماركسية، التي حدد بها كل من كارل ماركس وفريدريك إنجلز الاشتراكية والشيوعية.

* مفكر عربي