في كتابي «انتصار الجسد و هزيمته في روايات حنا مينه» ( 2014)، ركزت على المنحى الما بعد حداثي في تجربة حنا مينه و تفردها في التجربة الروائية العربية من خلال انزياحها عن الأيديولوجيات الكبرى وانحيازها للحرية الفردية، باعتبارها مختبراً لهذه الأيديولوجيات من خلال الواقع الذي تعيشه وما هي إمكانيتها في الانتصار له. وطالما لا أرغب بتلخيص الكتاب هنا، غير أنّ ميزة أساسية رشحت لي من خلال إعادة قراءتي له، و تتعلق بهذا الأفق الواسع والعميق الذي أفضت إليه روايات حنا مينه عبر مقولاتها المستكشفة والناقدة لمنظومة الأيديولوجيا العربية، بل الإنسانية، لا سيما في وعي الجسد وعلاقته بذاته وما يعني ذلك من صراع مع العالم لتحقق هذه الذات كي تعيش جسدها وتحرره من التابو الاستبدادي بكافة أشكاله، حتى لتبدو الرغبة بانعتاق الجسد وتلبية شهواته دافعاً للتحرر من الاستعمار أو الظلم الاجتماعي والاقتصادي أكثر إلحاحاً وضرورة من التضحية بهذا الجسد فداء لحريات أكبر من حاجاته. و هذا العيش، على الرغم من قسوته غالباً، هو ما يجعل روايات حنا مينه، متحركة، تنزع إلى التجريب داخل الفضاء السردي الواحد، بما يمنح الذات حرية في الاقتراح، اقتراح في الحوادث وفي مقولاتها معاً.

بهذا المعنى يمكن اعتبار روايات حنا مينه، أو أدبه بالأحرى، أدب حياة. ولكنها حياة منتزعة من خلال العمل والإنتاج. وليست حياة تسوّل ولصوصية أو تنزّه ورياضة. وربما لذلك لا نلمح فيها هذا النزوع إلى الغرائبية أو الاستعراضية في الوصف والتأمل. إلا أنها لا تخلو من دهشة الوصف وروعة التأمل على قدر ما يمكن أن تمنحه الحياة لمتطلبيها من الفقراء الكادحين في سبيلها. و إذا كان من حظ الفقراء أن ولد حنا مينه بينهم، وعبّر عن معاناتهم وآلامهم وآمالهم من خلال معاناته وآلامه وآماله، إلا أنّ احتفاءه بالحياة ومقدرته على عيشها أتاح للقرّاء الاقتراب من رواياته والتفاعل معها باعتبارها تعبر عن رغبة إنسانية دائمة بالحق و الخير والجمال. وبهذا الفهم الإنساني للحياة يمكن قراءة المرأة وحضورها في رواياته، فهو يكتبها من خلال عيشه معها في الواقع، لا في الأحلام والرغبات والمحاكاة للآخر، فامرأته عربية عادية وفقيرة وقد تكون عاهرة. ولكن لديها كثير مما تمنحه بجسدها وحبها وعملها المرهق أحياناً.
وإذا ما كانت المرأة هي من منحت روايات حنا مينه شغف التجربة وألقها، إضافة إلى البحر الذي لم أذكره حتى الآن، فلأنّ البحر ليس إلا ماء كل ما قلته سابقاً، وماء البحر مالح، ولكنّ على شاطئه السوري غابة وعذوبة!
* شاعر وناقد سوري