«يا حبيبي...»، ما ان بدأت مروة ناجي بالغناء، بعد المقدمة الشهيرة التي أدتها «الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق عربية» بقيادة المايسترو المصري هشام جبر، حتى فهمنا أنها ستكون سهرة من العمر في قلعة بعلبك. «يا حبيبي الليل وسماه/ ونجومه وقمره، قمره وسهره». بسحر ساحر تنسى وعثاء السفر والزحمة والفوضى الخلاقة... وتدخل في الحالة. نائلة دو فريج، رئيسة لجنة «مهرجانات بعلبك الدولية»، ذكرتنا في كلمة مقتضبة بزيارات كوكب الشرق الثلاث الى بعلبك، وحيت ايناس عبد الدايم وزيرة الثقافة المصرية الجالسة في مقدمة الجمهور، واستعادت ذكرى الأم المؤسسة مي عريضة. ثم بدأت الـ «تحية إلى أم كلثوم».

الجزء الأول مع مروة ناجي. بليغ حمدي أولاً، مع «ألف ليلة وليلة» و«سيرة الحب»، ثم السنباطي وأحمد رامي: «حيّرت قلبي معاك». المتعة الحقيقية كانت شغل المايسترو على هذا التراث الموسيقي الخالد، ليعطيه مذاقا خاصاً، ويجعلنا نسمعه بأذن جديدة لا بفعل العادة، وليأخذه بخجل إلى احتمالات بوليفونية. مروة ناجي تقارب الأغنية الكلثومبة، بشجاعة ومهارة وقوة، لكنّ شيئاً ما يفلت منها عند الطلعات القوية والمنعطفات الصعبة. مي فاروق في الجزء الثاني بدت أكثر تمكناً وأكثر قرباً من أم كلثوم، وقدرة على رفع التحدي. كانت تغني بإحساس آسر، وحصرت مساهمتها بألحان محمد عبد الوهاب: «أغداً ألقاك»، «أمل حياتي»، «أنت عمري».


على جدران القلعة كانت تتعاقب صور الست، التي كان يمكن الاستغناء عنها. فالست كانت تسكن حواسنا. لم تكن متعة الحنين فقط، لقد عشنا تجربة جديدة الآن وهنا، فيما أرجاء القلعة ترجّع أصداء الزمن اليعيد . هنا وقفت أم كلثوم قبل نصف قرن بالتمام والكمال. وهنا حامت روحها ليلة أمس: إنه سحر بعلبك!