وضع دونالد غلوفر أميركا داخل مستودعٍ كبير. أغنيته «هذه هي أميركا» (This is America) التي أطلقها الممثّل والمغنّي الأميركي على قناته على «يوتيوب» في أيار الفائت (تحت اسم شخصيته الموسيقيّة تشايلديش غامبينو) هي استعارة مثقلة وغرائبيّة عن البلاد. إنها صورة ممتعة ومدهشة بصرياً بينما تقطر دماً مثل لوحة «الأميركيون» للفنانة فيث رينغولد. يصعب فصل الأغنية عن الفيديو الذي يقدّم الجسد الأسود بمواضع ومراحل مختلفة، أوّلها ما يتقاطع مع تنميطات الميديا عن أصحاب الجلد الأسود المستعدّين دائماً للرقص وتقديم الفرح، ثم موقعهم كضحية الذي لا يترك لهم خياراً في تلقّي رصاص الشرطة الأميركية. الحقبة واضحة إذاً ولعلها لم تنته يوماً. لكن «هذه هي أميركا» جاءت لتتوّج حقبة Black Lives Matter والفنون التي رافقتها من دون أن تفلح في بناء خلاص آمن للسود.

يلهينا جسد غلوفر برفقة فتيات وصبية يرتدون ثياباً مدرسية، عن قضايا قتل الأفارقة الأميركيين | للصورة المكبرة أنقر هنا

بانتمائها إلى البوب الاحتجاجي، تعادل الأغنية ما يقوم به غامبينو في الفيديو. إنّه يشوّش، من خلال الرقص والموسيقى، على ما يجري وراء جسده: عنف وأعمال شغب. ملاحقات وسيّارات شرطة تسبقها أحصنة الموت. تكسير وفوضى واقتتال يعمّ الفضاء الصناعي الواسع الذي يشبه سينوغرافيا ألعاب فيديو الاقتتال. يتّسع التكثيف البصري والمسرحة المتقنة في الفيديو الذي أخرجه الياباني الأميركي هيرو موراي إلى كل هذا. نصل إلى النهاية ولا نكون قد عرفنا أياً منهما هو الحقيقي: الرقص أم القتل. أحدهما يضيع في الآخر. تكاد هذه الخلفية العنيفة تغيب عن النظر أمام الصورة الترفيهية الجميلة التي تفقه أميركا صناعتها بمهارة. يلهينا جسد غلوفر برفقة فتيات وصبية يرتدون ثياباً مدرسية، عن قضايا قتل الأفارقة الأميركيين في الأزمنة المعاصرة، وانتشار الأسلحة والمخدّرات التي تثيرها الأغنية. اللافت أن الفيديو الطافح بالترميزات، يتحكّم تماماً بكيفيّة تقديم هذا الجسد، مستنداً أحياناً إلى الخيارات العنصريّة التي سلبت أصحاب الجسد حقّهم في تقديم أنفسهم (الشرطي الذي قتل المراهق الأسود مايكل براون وصف مواجهتهما لاحقاً بالقول: «الطريقة الوحيدة التي يمكنني أن أصف فيها عملية القبض عليه، كانت شعوري بأنني صبي في الخامسة من عمره يحاول الإمساك بالمصارع هالك هاغن»). قد يبدو هذا كلّه غير جديد، سبق وتناولته عشرات الدراسات حول الجسد الأفريقي الذي ـــ كأجساد النساء ـــ غالباً ما تعرّضت خصوصيّته للاستباحة في الميديا والطبّ والأبحاث الأكاديمية. هذا ما خلصت إليه محاضرة للأكاديمية كارلا هولواي حول مزارعة التبغ الأفرو أميركية هينرييتا لاكس التي تمّت الاستعانة بخلاياها، من دون علمها ومن دون تلقيها أي تعويض مادي أو نفسي (عام 1951)، لتطوير اللقاح الخاص بشلل الأطفال. كأي رجل أسود قد يقتنع بصورة ناقصة لم يكن له يد في صناعتها عن نفسه، يصدّق غلوفر (مؤقّتاً) هذه التمثيلات الجسديّة التي ظهرت في المسلسلات الكارتونية والسينما والإعلام والبوسترات وألصقت بالأفارقة الأميركيين. يوظّفها في العمل ويكثّفها، لينقلب عليها، بينما يستعين بالتراث الفني الأسود ورموزه مثل مايكل جاكسون الذي يقلّده في بضعة مشاهد راقصة على سيارة مركونة.


تبدأ الأغنية بكورال يؤدّى على إيقاعات موسيقى الغوسبل «نحن نريد أن نحتفل، الاحتفالات لكم فقط... نحن نريد المال، المال لكم فقط». يدير تشايلديش غامبينو ظهره للكاميرا. حركات وإيماءات تخرج بصعوبة من جسده. منذ البداية، يطلق الرصاص من مسدّسه على رأس عازف غيتار أسود يجلس على كرسي قبالته. يكمل الرقص. لا يمكن رؤية القتل إلّا على أنه إحدى الحركات الراقصة. أجمع النقاد والمشاهدون على أن وضعية غلوفر الجسدية، قبيل إطلاقه النار، هي الوقفة نفسها التي يتخذها جيم كرو في رسمته الكلاسيكية. تلك الشخصيّة الكاريكاتورية الخيالية التي قدّمها الممثّل الأبيض توماس رايس في القرن التاسع عشر بهدف السخرية من المواطنين السود بوصفهم كسالى وأغبياء، ليطلق الاسم لاحقاً على أكثر القوانين عنصرية في أميركا. بداية صادمة. مع ذلك، يستمر الرقص (كوريغرافيا: المصممة الرواندية شيري سيلفر) المستلهم من رقصة غوارا الجنوب أفريقية ورقصات شوارع بروكلين. يعيد تمثيل فعل القتل المجرّد من دون أسباب واضحة. يدخل غلوفر إلى غرفة يغني فيها كورال في الكنيسة ما كانت تردّده (وما زالت، ربّما) الجدّات الأفريقيات الأميركيات لأحفادهن «اذهب واحصل على المال بنفسك أيها الرجل الأسود». يتصيد أعضاء الكورس ببندقيته واحداً واحداً معيداً ذكرى جرائم الكنائس، آخرها مقتل تسعة مواطنين سود بسلاح الشاب الأبيض ديلان روف في كنيسة تشارلستون (جنوب كارولاينا) عام 2015. عملية تذكّر بتفجيرات الكنائس السابقة أكثرها رسوخاً تفجير الكنيسة المعمدانية في بيرمينغهام (ألاباما) في الستينيات. تتواصل الحفلة بجوار الدماء التي تصبغ الجدار. السخرية سلوك ملائم لمواجهة كل هذا القتل. «هذا هاتف، إنه أداة (سلاح)» يقول في إشارة إلى مقتل ستيفون كلارك هذه السنة على يد الشرطة الأميركية، التي برّر رجالها بأنه كان يحمل سلاحاً، بينما لم يعثر بجوار جثته إلّا على هاتف ذكي. من الغوسبل إلى الراب والتراب، تعتمد الأغنية أنماطاً مختلفة من الموسيقى السوداء، بمشاركة مجموعة من مغني الراب الشباب مثل يونغ ثاغ، وبلوك بوي جي. بي، و21 سافج وكوافو وسليم جكسمي. «هذه هي أميركا»، يذكّرنا غلوفر مراراً في أغنيته، تماماً كما قد يجد الأميركي الأسود نفسه مضطراً لأن يفعل، لكن بمفرده. عليه تذكير نفسه بنفسه بأنه في أميركا التي ليست إلا هذه البلاد التي يعيش فيها حياة هشّة.

Black Lives Matter وأغنية الاحتجاج في القرن الحادي والعشرين
تفادى دونالد غلوفر التعليق على أغنيته «هذه هي أميركا» التي أطلقها على يوتيوب. لكنه قال ما قد يختصر كل إجاباته، مكتفياً بإعلان سعيه لجعلها نشيداً وطنياً يقدّم في يوم الاستقلال في الرابع من تموز. إن كان يقصد هذا أو لا، فإنه وصل أغنيته باللحظة الفريدة التي عزف فيها جيمي هندريكس النشيد الوطني الأميركي على غيتاره في «وودستوك» نهاية الستينيات، ساخراً ومحتجاً على حرب الفييتنام. الأكاديمية في الدراسات الأفرو أميركية في «جامعة يال» دافني بروكس، تجد روابط بين الحقبات الموسيقية الأفرو أميركية كافّة والحراك الفني الذي تدفّق مع حركة Black Lives Matter.


ظهرت الحركة أولاً كهاشتاغ على وسائل التواصل الاجتماعي عام 2013 جرّاء مقتل ترايفون مارتن، قبل أن تتحوّل إلى مظاهرات وأعمال شغب في فيرغسون ونيويورك بعد قتل مايكل براون وغريك غارنر. تطلق بروكس على هذه المرحلة «العصر الذهبي لأغنية البوب الاحتجاجيّة»، التي تعدّ أغنية «هذه هي أميركا» أحدثها. مضى وقت طويل، موسيقياً وزمنياً، منذ غنّت بيلي هوليداي «فاكهة غريبة» التي كتبت كرثاء لجثتي ثوماس شيب وأبراهام سميث المعلّقتين على شجرة. مغنو البلوز تجرأوا قبلها بسنوات على النيل من التنميطات العنصرية في أغنيات «بلوز جيم كرو» لليد بيلي و«نورثباوند بلوز» لماغي جونز عام 1925. لم تخفت هذه الأصوات أصلاً كي نقول إنها علت مجدداً في أميركا اليوم كردّة فعل على القتل العنصري الذي بات يصلنا على الهواتف والكومبيوترات. بالنسبة إلى بروكس، فإن هذه الأغنيات والتجارب الموسيقية التي أثارتها مجدداً حركة «حيوات السود مهمّة»، هي استمرارية لأكثر من 400 سنة من التجارب الفنية الاحتجاجية السوداء التي لم تنقطع أو تتوقف منذ تجارب البلوز الأولى، والغوسبل والجاز، والفلسفة النسوية السوداء، والإرث الأدبي للورين هانزبري، وجيمس بالدوين الذي يسهل العثور على تأثيراته في فيلم Moonlight.
أصوات أثارت مواضيع إشكالية مثل السجون في أميركا بوصفها مخازن للأفرو أميركيين، والطبقة العاملة السوداء، والعنف تجاه النساء والأطفال، وذلك الذي يتلقاه المثليون والمتحولون، جاعلة هذه القضايا الهامشية في صلب ثقافة البوب المعاصر. تجاوز الأمر الفنانين ووصل إلى المواطنين ممن أتاحت لهم وسائل التواصل تسجيل أغنياتهم الخاصة. هكذا تحوّلت عبارة «لا أستطيع التنفّس» الأخيرة التي تلفّظ بها إريك غارنر قبل مقتله اختناقاً بذراع عنصر من الشرطة، إلى أغنية.
الجسد الأفريقي غالباً ما تعرّضت خصوصيّته للاستباحة في الميديا والطبّ والأبحاث الأكاديمية

تستعيد بروكس تجارب بوب موسيقيّة بارزة لدانجيلو في ألبومه «المسيح الأسود»، ولبيونسيه التي وجّهت تحيّة إلى حركة «الفهود السود» الراديكالية في أحد استعراضاتها العامة قبل عامين. مثل نينا سيمون، وترايسي تشامبان، ومافيس ستابلز، فإن بيونسيه هي أشهر مغنيات البوب السوداوات اللواتي تجرّأن على إدخال قضايا اجتماعية وسياسية وثقافية وجندرية في أغنياتهنّ. في وقت وضعت فيه الرأسمالية يدها على كل شيء، ومنها المجال الموسيقي، صارت المهمّة أصعب بالنسبة إلى المغنين والموسيقيين السود الذين صاروا محكومين بمواجهة سلطتين: السوق والعنصريّة. هكذا دفعت بيونسيه الثمن المباشر لخياراتها الفنية/ السياسية. حرمتها لجنة «جوائز الغرامي» من كلّ الجوائز التي رشّح إليها ألبومها البصري Lemonade عام 2016، من دون أي تبرير. العودة إلى الألبوم قد تساعد في معرفة أسباب هذا الإقصاء، إذ ظهرت فيه أمهات ضحيات رصاص الشرطة، ووجهت بيونسيه من خلاله تحيّة إلى القائد مالكولم إكس، محتفية بثقافة نيو أورلينز الأدبية والموسيقية.

النسخ المتنوّعة
انتشرت أغنية «هذه هي أميركا» سريعاً، محقّقة، فور نزولها على «يوتيوب» ملايين المشاهدات. لكن التأثير الأكبر الذي أحدثته هو في تفاعل فنانين ومواطنين شبان من بلدان مختلفة معها. بدا هؤلاء كمن كان ينتظر صدور الأغنية فقط حتى يفلت النقد السياسي والاجتماعي من وجهة نظر الطبقات المسحوقة في بلدانهم، خصوصاً الأفريقية منها. أسقطوا كلمات أغنياتهم على الموسيقى والإيقاع وحتى الفكرة العامة للفيديو. أولى هذه النسخ كانت «هذه نيجيريا» لفنان البوب النيجيري فولارين فالز فلانا. في الشكل تتشابه النسخة النيجيرية مع النسخة الأميركية، لكن فضاء أغنية فالز هو مكان ترابي تجري فيه معظم أحداث الأغنية. هناك يلقى العازف حتفه ذبحاً على يد العصابات. يبدأ الفيديو بالإضاءة على سلطة العصابات والفقر وبوكو حرام التي اعتقلت النساء (واجه فالز تهديدات بالقتل بسبب الفتيات المحجّبات اللواتي يرقصن وراءه في الفيديو)، وإدمان المخدّرات، وغياب الحكومة والشرطة. تتشابه حال نيجيريا مع البلدان الأفريقية كما ظهّرتها فيديوهات أخرى على يوتيوب ضمن حركة احتجاجية شاملة تجاوزت أميركا فحسب، ولا تزال مستمرّة حتى الآن. هناك نسخ عديدة خرجت على يد شباب حاولوا فيها مقاربة أحوال بلادهم مثل «هذا هو العراق» (أطلقه الرابر العراقي الأصل I-NZ)، و«هذه جامايكا»، و«هذه سيراليون»، و«هذه جنوب أفريقيا» التي ركّزت على العنف ضد النساء و«هذه بريطانيا» التي تظهّر حيوات المهاجرين هناك.