حسين بن حمزة

وضع كمال خير بك قدماً في الشعر وأخرى في النضال الحزبي والسياسي. تفوّق الشعر على النضال تارةً، وتفوّق النضال طوراً. لكن في الحالتين، كتب الرجل سيرة موزّعة على سكّتين متوازيتين ومتداخلتين. كان صاحب «دفتر الغياب» ابن زمنه المكتظ بالأحلام القومية والثورية، وكان الجمع بين الشعر والقضايا الكبرى ممارسة طبيعية ومحمودة. كان الالتزام طموحاً شخصياً، لا قيداً مفروضاً من الخارج. لم يفرِّق خير بك كثيراً بين الحداثة، التي كانت قد بدأت بتقويض عمود الشعر العربي القديم، وبين أن تكون القصيدة الحديثة مرآةً تعكس مشكلات عصرها.
الواقع أن الشاعر انحاز إلى قصيدة يتزايد فيها نفوذ المضمون على حساب الكيفية، التي ينبغي أن يُنجز بها هذا المضمون. وحين بدأ بعض مجايليه بسلوك طرقٍ جانبية تصنع لهم أصواتهم الخاصة، كما فعل الماغوط وأنسي الحاج وأدونيس وشوقي أبي شقرا، كان خير بك قد وطَّن قصيدته في أسلوبية إيقاعية وشكلانية أقرب إلى تجارب رواد قصيدة التفعيلة التي دشنها الثالوث العراقي: السياب والملائكة والبياتي.
صحيح أنه كان منفتحاً على الأزمة الوجودية والفكرية واللغوية التي انطلقت منها مجلة «شعر»، إلا أن قصيدته اكتفت بالمنجز الذي تحقق حينذاك، وظلت متحفظة حيال الأسئلة التفصيلية والدعوات التجديدية التي كانت تغلي حولها. في إحدى قصائده المبكرة، كتب: «دفنتُ مجدي المناضل الكسيح/ تحت رمال الشعر والعقيدة». وهي جملة أشبه بخريطة طريق لتجربة لن تغيب عنها هذه المكونات الثلاثة التي ستسهم، رغم وجاهتها النضالية ونبالة جوهرها، في تقليل الحصيلة الشعرية الصافية التي يطمح إليها الشعراء عادةً.
بطريقة ما، وبمفعولٍ رجعي، يمكن القول إن الشعر عمل في خدمة الموقف السياسي والفكري، وتأخّر عن تلبية متطلبات المخيلة وابتكاراتها. لعلّ هذا ما يفسر الطابع الأيديولوجي للكثير من أعمال الشاعر، حيث تتخلى اللغة عن طاقاتها التعبيرية الهائلة لصالح فكرة أو موقف أو... مناسبة حزبية.
ويتجلى ذلك في ديوان «البركان» الذي ضم «قصائد قومية» كتب معظمها وفق البحور الشعرية التقليدية التي رأى الشاعر أنها «نمط ضروري يصبّ في إطار التنوع». الواقع أن هذا «التنوع» يكشف عن جانب أساسي في تجربة كمال خير بك، وهو تصالح شعره مع الوزن الكلاسيكي والتفعيلة المستجدّة وغير المرنة. إذْ يحس القارئ أنه أسير الإيقاع الصارم الذي يعوق حركة المعنى، وأنه يبذل جهداً إضافياً لإزاحة ضجة الإيقاع كي يصفو له المعنى الذي يصبح خطابياً ومباشراً، ما إن يُنزع عنه «سحر» الوزن. حتى قصائد النثر القليلة التي كتبها الشاعر بدت مثل قصائد موقّعة سُحب منها الوزن.
كان صاحب «دفتر الغياب» أقرب إلى التفعيلة التي تبيّن لاحقاً أنها نصف ثورة حطمت جزءاً من قيود الشعر التقليدي، لكنها لم تحصل على الحرية الكاملة، كما هي الحال في هذا المقطع: «حافياً جئتُ من الشرق/ مليئاً بالوعود/ أحمل الله، وشيئاً وثنيّ الطعم، سريّ الوجود/ في إهابي ألف نسرٍ يتمزق/ ألف إنجيل حقود الحرف أزرقْ/ جئتُ كي أعتق أو أنعتقا/ جئتُ كي أحترقا/ جئت كي أزرع في الريح رمادي/ علّه يحمل تاريخي إلى كل بلادي». الأمر نفسه يحدث في القصائد القصيرة التي تسمح للشاعر أحياناً بأن يُنجز صوراً واستعارات صافية، من دون أن يفلت من الوزن الصارم: «أثقب جلد العالم المريض/ أدخل في جرثومة الأشياء/ أزوّج السكون للضوضاء/ أولدُ في قرارة الحضيض».
وظهر ذلك في قصائد الحب أيضاً: «أسقطُ في أدغالك الوردية/ كالرمح في المياه/ أغيب في أحشائك السرية/ كفاتحٍ، كسائح/ كجدول مشرد/ يبحث عن مجراه». ليس القصد هنا لوم الشاعر أو محاسبته، فقد كان جزءاً من مشهد قصيدة التفعيلة في زمنه، إلى جانب التزامه السياسي والفكري الذي ظهر حتى في رسالة الدكتوراه التي تناول فيها الحداثة الشعرية العربية داخل «الإطار الاجتماعي الثقافي للاتجاهات والبنى الأدبية». بهذا المعنى، كان كمال خير بك شاعراً من طراز خاص. مزج الأداء الشعري بالأداء الفكري. كان مع شعارات تلك الحقبة الشعرية: «التغيير» و«الرؤيا» و«إعادة خلق العالم»، لكنه تبنى «اللغة المفرطة العمق، والجِدّة المفرطة البساطة، والوضوح القادر على الوصول والتحرك»، بحسب ما كتبت الناقدة خالدة سعيد عقب استشهاده.