عاشت طرابلس ليل أول من أمس ساعات عصيبة، بعدما شهدت بعض شوارعها مواجهات بين الجيش ومحتجّين، سبقتها ورافقتها أعمال شغب واعتداءات على مصارف ومحالّ تجارية وممتلكات خاصة وعامة ومكاتب حزبية، فضلاً عن التعرّض للجيش الذي رمى أحد المحتجين قنبلة يدوية تجاهه لم تنفجر، ما أدى إلى سقوط عدد كبير من الجرحى وصل، وفق مصادر صحية مواكبة، إلى 110 مصابين من العسكريين والمدنيين. هذا العدد من المصابين يدلّ على حجم الصدام والفوضى والتسيّب الذي شهدته المدينة تلك الليلة.

مشهد الانفلات في طرابلس كان صادماً. فالمدينة اعتبرت «أيقونة» و«عروس الثورة»، بحسب المحتجّين، نظراً إلى الطابع السلمي والحضاري الذي اتسمت به منذ اندلاع شرارة الحراك الشعبي في 17 تشرين الأول الفائت، وإلى المشاركة الكثيفة للمواطنين الذين أتوا من مختلف أحيائها والمناطق الشمالية للانضمام إلى المعتصمين في ساحة عبد الحميد كرامي (ساحة النّور).
لكن بعض المؤشّرات المقلقة والمريبة التي كانت تحصل على الأرض في طرابلس خلال الأيام الماضية، جعلت كثيرين يتوجّسون، خشية خروج الأوضاع عن السيطرة، نتيجة ممارسات كان يقوم بها بعض «المحتجين غير المنضبطين». لجأ هؤلاء إلى قطع طرقات وشوارع وإجبار مؤسسات عامة وشركات ومدارس وجامعات على إغلاق أبوابها. بعضهم حاول فرض خوات مالية على مواطنين بعد إهانتهم، فضلاً عن استباحتهم شوارع المدينة فوق درّاجاتهم النّارية، خصوصاً في ساعات المساء، من غير إغفال حصول إشكالات بينهم وبين بقية المحتجين في ساحة الاعتصام، ليلاً في أغلب الأحيان. وقد ازداد عدد الإشكالات في الأيام الماضية.
وسط كل هذه الأجواء المتشنّجة التي رافقها تحريض سياسي واسع ضد رئيس الجمهورية ميشال عون ووزير الخارجية جبران باسيل، خصوصاً بعد استقالة الرئيس سعد الحريري في 29 تشرين الأول الماضي، حاول المحتجون، ليل أول من أمس، اقتحام مكتب التيار الوطني الحرّ في طرابلس، الواقع في الطابق الرابع من مبنى في شارع فرعي من شارع الجميزات المجاور لساحة الاعتصام. بدأ هذا التحرك بعدما سرت شائعة، مجهولة المصدر، عن توقيف شبان طرابلسيين أمام مفرق القصر الجمهوري في بعبدا. عناصر الجيش منعوا المحتجين في طرابلس من الوصول إلى مركز «الوطني الحر»، بعدما أغلقوا مدخلي الشارع من جهة شارع الجميزات ومن جهة شارع المعرض، وأبعدوهم عن المكان بعد مناوشات خفيفة بين الطرفين.
لكن بعد أقلّ من ساعتين كانت حشود غفيرة تتوجه إلى شارع الجميزات، بعدما أخلت تقريباً ساحة الاعتصام، وسط هتافات ضد التيار البرتقالي وزعيمه ورئيسه، ما دفع الجيش، الذي عزّز وجوده في المنطقة، إلى صدّهم. المحتجون الذين كان بعضهم ملثماً، ووسط أجواء تعبئة مقلقة، رشقوا عناصر الجيش بحجارة كانوا قد جهزوها مسبقاً. وألقى أحدهم قنبلة يدوية لم تنفجر، فيما لجأ آخرون إلى رمي قنابل مولوتوف على العسكريين، ما دفع الجيش إلى إطلاق القنابل المسيّلة للدموع والنار في الهواء فوق المحتجين. وقبل تفرّقهم، قرابة الساعة الثانية فجراً، صبّ المحتجون جام غضبهم على فروع مصارف موجودة في المكان، وعلى محال ومؤسسات تجارية وسيارات كانت مركونة في الشارع، فألحقوا بها أضراراً جسيمة، برغم أنه جرى رفع علم التيار الوطني الحر عن المكتب بهدف نزع فتيل التوتر.

عدد الجرحى جرّاء مناوشات أول من أمس وصل إلى 110 من المدنيين والعسكريين!


صباح أمس توجّه الطرابلسيون إلى المكان لتفقده، بعد مشاهد المواجهات والشغب والحرائق والتعدّيات التي رأوها على شاشات التلفزيون وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. تبين لهم أن حجم الأضرار أكبر ممّا توقعوا، وأن المكان كان ساحة مواجهة حقيقية. فالواجهات الزجاجية لأربعة فروع لمصارف في المكان تحطمت بالكامل، كما جرى إحراق ثلاثة صرّافات آلية، فضلاً عن تكسير واجهات وإحراق محالّ تجارية ومكاتب عائدة إلى شركات ومؤسسات تجارية.
ما حصل في طرابلس طرح أسئلة مقلقة عن هؤلاء المحتجّين: من هم؟ من الذي يحرّضهم ويحرّكهم؟ من يريد الإساءة إلى المدينة وتشويه صورتها وإعادتها إلى الصورة النمطية السلبية السابقة، وإلى أين تتجه الأمور في طرابلس وسط هذه الأجواء وبعد التطورات التي شهدتها، وهل هناك من يريد إعادة المدينة إلى أجواء التوتر الأمني، وإرجاعها لتكون «صندوق بريد»، خصوصاً أن الأجواء والأرضية والظروف تبدو مساعدة جداً؟
تسود المدينة شائعات وتوجّه إلى المحتجّين اتهامات عدّة، منها أنهم تابعون للأجهزة الأمنية، أو أنهم «طابور خامس» يعملون وفق أجندات محددة. وكما هي العادة في عاصمة الشمال، خرج من يقول إن هؤلاء «مندسّون يلقون دعماً من حزب الله». لكن ما يؤكده مراقبون ومصادر أمنية إلى «الأخبار» أن «أغلب هؤلاء المحتجين كانوا مؤيدين وملتحقين بتيار المستقبل بشكل رئيسي، أو بتيار العزم بشكل ثانوي، لكن بعد توقف حنفيات الخدمات والمساعدات عنهم، وإقفال الأبواب في وجههم، عادوا إلى الشارع مرة جديدة، وأن أجواء التحريض والانفلات في الشارع جعلتهم يعودون إلى محاولة الإمساك به مرة جديدة».