لماذا لا أصدّقه؟ سؤال أطرحه على نفسي كلّما انتهيتُ من قراءة مقالٍ لبعض الصحافيّين أو شاهدتُ إطلالةً لمتحدّثين تلفزيونيّين. كلمات هؤلاء منفصلة عن عيونهم، أصواتهم في مكان وصدورهم في مكان آخر.

لا أظنّه نوعاً من الفصام غير الواعي، بل هو في الغالب فصامٌ مقصود.
تُعجِب هذه البراعة كثيرين من القرّاء والمشاهدين. كيف؟ لأنّهم أبرياء. حتّى صرتُ أجزم عن هذا أو تلك بأنّهما بريئان لمجرّد انخداعهما بهؤلاء البارعين.
هل من المجازفة الادّعاء بأنّ معظم شهود الزور هم من الأقليّات؟ أوصَلَتْهم ظروف الخوف أو الانتهازيّة إلى التلوُّن فامتهنوا لغة الرياء والنفاق. تبدَّل فيهم، مع المراس، اللسان والقلب. حتّى لو ماتوا سنرتاب بحقيقة موتهم.
لغة الكذّابين لا مفرّ فيها من التصعيد: يبدأ الكذّاب بالتأتأة وينتقل إلى رباطة الجأش، ثم يرتقي إلى الفجور بدافع الحاجة إلى تكليس التزوير حتّى لا يبدأ بالتصدّع.
في زمن مضى كانت مقاربة الكتابة بحدّ ذاتها قانون إخلاص. كان الإمساك بالقلم يُرجّف العظام تهيُّباً. كانت درجات الصدق تتفاوت طبعاً ولكنّ المبدأ هو الصدق، وإلّا انفضح الكاتبُ فوراً.
اليوم أتقن المنافقون النفاق حتّى تواروا تماماً في أقنعتهم. وصاروا جموعاً لم يعد القارئ والمشاهد يستطيعان التمييز بينهم وبين غيرهم. لم يعد قادة الرأي من المفكّرين والخطباء والأدباء والصحافيّين إنّما من الدكاترة و«الخبراء الاستراتيجيّين» والنواب والوزراء والوزراء السابقين الذين يداوم مقدّمو البرامج التلفزيونيّة على مناداة الواحد منهم بـ«معالي الوزير» حتّى لو لم يعد وزيراً منذ ثلاثين عاماً. انتقلت مهمّة الرأي من طبقة كانت تخجل إلى طبقة تؤمن بأنّ «الثقة بالنفس» سرّ «النجاح».
كما أنّ ثمّة تخصّصاً في الهندسة والطبّ، هناك تخصّص في العهر. وبعدما كانت البيوت السريّة محصورة في بعض الصحافة، أصبحت مواخير على بعض الشاشات. المواقع الالكترونيّة أصرح: هنا تنطلق العصبيّات الطائفيّة والمذهبيّة على سجيّتها بلا رياء. عكس الصحف والشاشات حيث يتبارى مزيّفو العملة ويزدهرون. وفي مختلف الميادين: سياسة دين أدب فنّ. تاريخ جغرافيا اقتصاد مال.
أعرف لماذا لا أصدّق هذا الكاتب، ذاك المتكلّم. إنْ لم يقل لي وعيي قالت لي غريزتي. ولا أستغرب. مجتمعٌ قائمٌ على الازدواجيّة والمراوغة كيف لا يلد باطنيّين؟ مجتمعٌ يقيم علاقاته الذاتيّة والداخليّة والخارجيّة على قاعدتَي الطائفية والانتفاع كيف لا يحتضن مأجوريه وأبواقه؟
ولئنْ كنتُ لا أصدّق هؤلاء، في المقابل، هذا الآخر، أصدّقه. حالاً بلا جهد. فهو ينضح بما فيه: مَوْتورٌ صادق طائفي صادق أحمق صادق.
... نُقضّيها هكذا: «وفاقي» «علماني» كذّاب ودموي متخلّف صادق.
والحلّ؟ تسألني.
لا حلّ، أجيبك. نحن شعوبٌ حلولها مشاكل.





رؤيا مخيفة
نقول لمَن نحسبه ظالماً أو مخطئاً: سوف تندم. قلنا لمَن هلّلوا لاستقالة البطريرك صفير: سوف تتأسّفون عليه. ويوم اغتيال رونيه معوّض: لن نستطيع التعويض عنه. ويوم عزوف فؤاد شهاب عن التجديد: سوف تندمون عليه. ويوم اغتيال كمال جنبلاط: ضيعانه. ويوم اغتيال الحريري: ضيعانه. ويوم وفاة نسيب لحّود: ضيعانه. ويوم وفاة جبران تويني ثم والده غسّان: ضيعانهما. ويوم وفاة عبد الناصر: الله يستر. كذلك يوم وفاة ياسر عرفات وجورج حبش وريمون إدّه وموريس الجميّل. وقبلهم رياض الصلح وبشارة الخوري. وسنبقى نادراً ما نتنفّس الصعداء لغياب أحد وغالباً ما نردّد سوف تتأسّفون عليه. سوف نندم. سنترحّم عليه.
هذا ما كنتُ أظنّ.
إلى أنْ قاطعني صديق قائلاً: لا، بعد قليل لن يحصل ذلك، لأنّه لن يبقى هناك مَن يَنْدم!..



«صانع الألعاب»
هذا كاتب يولد. كاتب قصّة وشاعر. متمرّد ورقيق. وشفّاف مقهور قاهر. تحيّة لأحمد محسن وروايته «صانع الألعاب» (دار نوفل).
أصعب امتحان يجتازه قارئ كاره للرياضة مثلي هو الصفحات الملأى بتفاصيل المباريات. ومع هذا اجتزتُها لأنّها ما كانت إلّا حيلة للتسلّل إلى السيّد حسن نصر الله. نوعٌ جديد من التنفيس، وعن كبتٍ شيعيٍ جديد. كبتٌ فيه من الاحتقان قَدْر ما فيه من الإعجاب. يمدّ أحمد محسن ويجزر بين التوريّات والمجانسات كأنّه يلعب إلكترونيّاً مع أشباح أعصابه.
قد يحسب الكاتب مهارته في الإحاطة بعالم الكرة وجرأته في تناول شخصيّة نصر الله، لكنّ ألمعيّته هي على الأرجح في تعاطيه مع المرأة. اقرأ فصله عن النادلة، «مربّية الوحوش»، التي أغرم بها لأنّها «تلعثمتْ لأجلي».
يُحسن أحمد محسن السرد الجامع بين الرهافة والتفصيل، بين الشاعريّة والشرح. أكثر ما يعلو بالقصّة هو هذه الفضيلة. هذا، مثلاً، ما يميّز قصص عبّاس بيضون ورشيد الضعيف وهدى بركات. وقبلهم توفيق يوسف عوّاد وخليل تقيّ الدين. لكنّ أفضل الأفضل في كتابته، عندما يرخي العنان للأنا، مهما تَموّهَتْ. وسوف يقيم التوازن المرجوّ عندما يوفّق بين تدفّق الغنائيّة ولجم الاسترسال في الشرح، تاركاً للقارئ فسحةَ تَخَيُّلْ.
هوذا كاتب يولد. شراراته منه وفيه. كم سيتقاتل ويتغيّر! على أمل التخفيف من التَمَسْخُر والإكثار من النبش الحميم والصادق: «قرّرنا أن نكتشف النادلة (...) بحثنا عنها في الفايسبوك بعدما سألتها إليانا عن اسمها. حسناً، سأعترف: فكّرنا في طائفتها أوّلاً. نحن الذين يلعنون ذلك ويلعنون الذين يفعلونه، تذرّعنا بالمزاح لكنّ السوسة نخرت عظامنا».
«حسناً، سأعترف». لنبدأ من هنا ولنكمل من هنا. إذا لم تكن الكتابة مَطْهراً فماذا تكون.




قصيدة النثر
يخطئ الظنّ مَن يعتقد أنّ شعر النثر قطع كلّ صلةٍ بالوزن والقافية. لقد قطع الصلة الظاهرة فقط. الإيقاع الموسيقي المنظوم حاولنا إبداله بإيقاع منثور، والقافية استعاض عنها شعر النثر بالصدمة _ الدهشة _ المفاجأة.
لا غنىً عن الإيقاع. إذا أخفقت في النهاية تجربة قصيدة النثر _ إذا لم تكتسب أنغامها ومقاماتها الموسيقيّة، إذا لم تصبح، مهما غالت في التنوّع وتمادت في الابتكار وتَعدُّد النبرات، جوقة أصوات غنائيّة، وأوركسترا كلمات ووحدات جُمَليّة ومناخات تحاكي سحر أوركسترا الوتريّات والنفخيّات والبيانوهات، فلماذا المواصلة بها؟ تحرَّرنا من القوالب القديمة لأنّنا أردنا جماليّة أوسع أفقاً ومدى، وغنائيّة تحتضن منحنياتنا كما تعانق مرتفعاتنا، ولغة تنقل ذاتها بقدر ما تنقل ذاتنا، وإدهاشاً صادراً من الحياة الحديثة واصطراعها فينا بين حاضرٍ وحشيّ وماضٍ رؤوف.
إذا لم تتحقّق القصيدة النثريّة الحديثة عبر اعتصار أفضل ما في الماضي وأنبض ما في الحاضر العابر وما قد يتيسّر للحدس والخيال والحلم أن تستشفّه من الغامض والمجهول، وإذا لم تشحن كلّ هذا بإيقاعيّة نابعة من روح الشعر والشعر نابع من روحها، وإذا لم تُشبِع ما يحتاجه الآخر من الشعر، فلماذا مواصلة كتابتها؟




أغنية بلا تلحين
من قصيدة هجائيّة لعاصي الرحباني رداً على هجائيّة لجورج جرداق في مجلة «الشبكة» 1971، وكان سجالاً ودّيّاً استغرق أسابيع:
«لَمْلِمْ جراحكَ فالجراحُ أغاني
يا قلبُ واسبقني إلى النسيانِ
(...) يا قلب واسبقني إلى وادي الهوى
فأنا وأنت هناك منزرعانِ
(...) أضناكَ أتعبكَ المسيرُ ولم تزَلْ
سُكناكَ أشرعةً لغير مواني
ما بالنا صرنا كليلٍ عابرٍ
كغمامةٍ مجهولةِ الأوطانِ
فتعالَ نسكن في الكآبةِ كلّنا
ونصيرَ زهر الشوكِ والأحزانِ».



عابـــــــرات

نسمع الموسيقى فنتحرّر من القيود، والموسيقى أسيرة قيودها.

■ ■ ■


نتألّف ممّا نفرضه على أنفسنا وممّا نرفضه. إنّهما أقوى ممّا نقول له «نعم»، لكنّهما ليسا أجمل.
نفرضه _ نرفضه: كلمتان تتشكّلان من الحروف ذاتها.
صدفة لا تلعبها علينا اللغة بل الحدس.

■ ■ ■


ربّما دون أن ندري، أوّل ما نفعله حين تستوقفنا امرأة هو امتحانٌ متناقض ولاشعوريّ: نمتحن فيها مناعتها وتجاوبها في لحظة واحدة. نريدهما معاً.
نريدها صعبة وسهلة: مناعةٌ تُجدّدُ التحدّي وسهولةٌ تشجّع المعاودة.

■ ■ ■


نكتب عمّا نفعل، عمّا نحلم ونريد أن نفعل. لمَ لا نكتب عمّا لا نفعل؟

■ ■ ■


الاعتراف هو الحقيقة. الحقيقة اعتراف. كلّ «حقيقة» خارج الاعتراف خطاب مفبرك واعتباطي.