بلغة أقرب إلى هذيان النائم، يدخل سليم اللوزي عوالم روايته «خلف العتمة» (شركة المطبوعات للتوزيع والنشرـ 2014). فالمكان هنا بلا معالم، وإن كانت ثمّة إشارات لاحقة، وبعض التفاصيل عن مدينة بيروت (مسرح الأحداث) إلّا أنّها بدت في الرواية مدينةً مفتوحة على عوالم لا حدود لها. يمزج المؤلف الواقع بالمتخيّل، في محاولة منه لكسر حدود المكان، تماماً كما يقوم عبر اللغة بتخطي حواجز الزمان. الهذيان والتهيؤات هما مبرره لذلك، لكنّه بالتأكيد لم يلجأ إليهما لهذا الغرض، وإنّما لخلق فضاء أرحب لعديد من الأسئلة التي ستغوص الرواية في غمارها.يبني اللوزي عوالمه عبر لغة رشيقة تعتمد الجمل القصيرة التي تحتمل تشظّي عوالم بطله المتوزّعة بين واقع يعيشه، وحياة موازية تتراءى له في نومه. يزول كلّ حاجز بين الواقع والحلم، فيغدو كلّ شيء ممكناً.


في الحلم، تعود المدينة بتفاصيل مختلفة، قد لا تكون واقعيّة، لكنّها من دون شك جزء من تاريخ المدينة وأناسها. وعلى نسق مشابه، تتوالى أيضاً أفكار بطل الرواية موزّعة بين الواقع والحلم. بينما يرمي الطيّار قذائفه قريباً من أولاد يلعبون الكرة، يستمرّ الأولاد باللعب، وتزوره «الحزينة»، كما يسميها، لتقول له عبارتها «الثوريّون لا يموتون»، فيتبعها ليسألها عن ماهيّة «الحقد». حياتان متوازيتان يعيشهما بطل الرواية، كنموذج عن شباب لبناني يبحث عن معنى وجوده وسط دوّامة من المتناقضات. «خارج هذا العالم، أعيش حياة طبيعيّة، أتذكّر أدقّ التفاصيل، لا تشوّش في عقلي، أستطيع أن أراجع ما أرى وأن أرويه، إلا أنني لا أستطيع أن أتحكّم في تحركاتي».

الحدث هو مجموعة من الصور التي يلتقطها الراوي بعين سينمائيّة

يحاول الكاتب، كواحد من الروائيين اللبنانيين الشباب الساعين لإيجاد لغتهم الخاصّة، إلى الابتعاد، قدر الإمكان، عن الأساليب الروائية، وموضوعاتها التي وسمت الرواية اللبنانية في العقود الثلاثة الأخيرة، إلّا أنّه لن يستطيع الفكاك من كلّ هذا الإرث، ولا من حياة تعيد إنتاج خيباتها وهزائمها وحروبها كلّ يوم. فلا شيء تغيّر منذ كان البطل طفلاً وشهد على تحرّش الشيخ بأحد تلامذته الأطفال لقاء علامات إضافية في دروس حفظ القرآن، إلى اليوم حيث يشهد تحرّش جامع القمامة بالصبيّ، ماسح زجاج السيارات، لقاء قطع صغيرة من النقود. ما يجعل هذه المواضيع حاملاً للرواية التي استغنى فيها الكاتب عن وحدة الحدث، فالحدث هنا، كما الحياة، هو مجموعة من الصور التي يلتقطها الراوي بعين سينمائيّة، ليرسم من خلالها مشاهد بصريّة متعاقبة، تستمدّ وحدتها من إحالتها إلى أفكار إنسانيّة، يحاول اللوزي إعادة طرحها من وجهة نظره الشّابة، التي تحيلنا في أسلوب الطّرح إلى ما اعتدنا قراءته في كتابات من سبقوه من الكتاب اليساريين، الذي يبلغ في بعض مفاصل الرواية حدّ الكليشيهات. وقد ينبع ذلك من كون الكاتب يعمل صحافيا وناشطا سياسيا ومدوّنا يشتغل بالشأن العام. الأمر الذي أدّى إلى حالة من التماهي بين الراوي (اللوزي) وبطله الذي يسرد الحكاية. فبدت شخوص الرواية مصادرة من قبل الراوي الذي أنتج حكاياتها، وحتّى حواراتها، بما يتوافق مع مزاجه الشخصيّ، ما جعل من الشخوص، والأحداث الكثيفة تبدو نمطيّة، وبخاصّة في الفصل الثاني من الرواية، بعد أن يستجيب البطل لنصيحة صديقه غسان ويلجأ إلى الشيخ عبد الغفور، بحثاً عن علاج لحالة التهيؤات التي تصيبه، والتي وجد لها جذراً علميّاً في بعض البحوث.
بإيقاعات متباينة، تمضي الرواية نحو خاتمتها متكئة على هذيان اللغة، المشابه لهذيان الحرارة والصوت والضوء، التي حضرت بكثافة عبر الصفحات. ما جعل من وجود الزوجة الطفيف عبر مساحة العمل وجوداً ضروريّاً للتأكيد على الواقع. وكذلك كان حضور الأمّ ضرورة في البداية وهي تقول لطفلها «صلاة الأطفال لا ترد» لأنها ستكون المنقذ في النهاية وهي تطلب منه أن يرمي تعويذة الشيخ في البحر ويتخلّى عن أوهامه «البحر هو المكان الآمن، سيبتلعها».
يبتلع البحر تعويذة الشيخ، وتستمرّ الحياة، الموت، القتل، الفقر، العداوة، الكره. ورغم ذلك يبدو أنّ ثمّة بريق أمل في الأفق، لكنّه بريق ينبع من العتمة. عتمة لا فكاك منها تعود في كلّ مرّة، وتعود معها «الحزينة» بما يشبه رنين المنبّه المتكرّر، في نهاية أكثر من مقطع، كدعوة لاستيقاظ عليه ألّا يتأخّر.