تقديم وترجمة: عز الدين بوركة

ولد الشاعر الفرنسي جاك بريفير في مدينة نويّي المتاخمة لنهر السين، في ضواحي مدينة باريس في الرابع من شباط (فبراير) 1900. عاش حياته بين باريس ومقاطعة بريتايني، ليتعلّم من الحياة والشارع والحياة الشعبية أكثر مما تعلّم في المدرسة. بدأ حياته بائعاً في شارع رين في باريس، ثمّ التقى عدداً من الشعراء والرسامين والأدباء الذين أسّس معهم، في ما بعد، الحركة السريالية. وقد انتمى إلى هذه الحركة ما بين عامَي 1925 و1929، وكان عنصراً فعّالاً فيها، وظلّ من أقرب الشعراء السرياليين إلى الجماهير لسلاسة لغته وبساطتها، ثمّ انصرف بعدما حُلّت هذه الحركة في عام 1930 إلى تلحين عدد من قصائده وأغانيه مع الملحن جوزف كوسما، فأحبّها الشعب الفرنسي لقربها منه، ولأنّها تعبّر عن همومه وانشغالاته اليومية. ثم انصرف بعد ذلك إلى تأليف المسرحيات الشعبية والكتابة للسينما، لكنّه لم ينقطع عن كتابة الشعر طوال هذه المدة.

روبير دوانو ـ «جاك بريفير في شارع كريميه في باريس» (1955/1960)

استطاع جاك بريفير أن يترك في ذهن وذاكرة وانطباع كل قارئ من قرائه بيتاً أو عبارة ما لا تكاد تُنسى، بل حتى من لم يقرأ شعره قط، قد استعمل يوماً ما عبارة من عبارات هذا الشاعر الذي يكتب كأنه يهادن الريح، بلغة خفيفة الظل والحضور، سيَّالة من بين ثنايا اللغة كأنها مصارع مرح ينتصر دائماً بلا عنف. كلمات ديوانه «أحاديث» (هنا بعض المختارات منه)، مطر يتدفق في ضوء أيدينا. يمكن التهامها مثل حلوى سريعة الذوبان، نوع من السحر الجميل. جاءت نصوص «أحاديث» كأنها لفتة متمردة تفتح الأقفاص اللغوية المقفلة بعضلات الاستعارات والمجازات الثقيلة على العالم. إنها «كلمات الأغاني والشعر»، وتحوير جماليّ لضجيج الشارع وشائعاته التي ترتفع فينا مثل «أغنية صغيرة». إنها الكلمات الذائبة في زبد البحر، وحكايات الحب التي نرميها في الرمال قبل أن تأخذها الرياح بعيداً، بعيداً..
يكتب جاك بريفير نصوصه كأنه يرقص رقصة الفالس الفرنسية «بأزمنتها الألف»، ما يجعلها مثيرة للحيوية. إلا أنها رغم غنائيتها العذبة، فهي ملتزمة بالإنساني واليومي الذي نعيشه، قادمةً من قصصه الصغرى داخل المنازل والمقاهي والمتاحف والتاريخ والصالونات والمعارض والمدارس وموائد الإفطار.
يكتب جاك بريفير كأنه يؤلّف معزوفات موسيقية هادئة تتدفق في الهواء إلى مسامع القراء بهدوء لا صخب فيه، لكنها تهز عواطفهم ومشاعرهم تنتزعهم من الأرض لتأخذهم إلى الأعالي. تتجاوز نصوصه في ديوانه «أحاديث» زمنها، إنها ملتزمة بقضايا الإنساني في كل زمان. وبقدر بساطتها، فهي تحمل تعقيداً مشحوناً بالإنساني الذي فيها. لقد استطاع بريفير أن يجعل من هذا العمل الشعري أكثر الكتب الشعرية الشعبية التي تجاوزت حدود أوروبا. إذ ألف صوراً رمزية عبر لغته الراقصة، قادمة من المعاش والبسيط والهامشي الذي كانت تتجاوزه النصوص قبله. لقد صنع بعمله هذا الحدث في حياته، ولا يزال يفعل رغم رحيله منذ زمن طويل.
جمعت بين جاك بريفير علاقات وطيدة وصداقات حميمية مع تشكيليين كثر من أمثال مارك شاغال، وبابلو بيكاسو، وجورج براك، وخوان ميرو وماكس إرنست، ما أغنى رؤيته البصرية إلى جانب اشتغاله السينمائي، وهو ما نلمسه بشكل واضح في عمله الشعري «أحاديث»، إذ تحضر فيه صور تشكيلية وأسماء فنية تغني اشتغاله البصري-اللغوي كما هي الحال في نصوصه «مدرسة الفنون الجميلة» و«نزهة بيكاسو» و«كي ترسم بورتريه عصفور»: «على طبق خزفي حقيقي كامل الاستدارة/ تفاحة موضوعة يواجهها فنان واقعي/ عبثاً يحاول رسم التفاحة كما هي/ لكنها/ لا تسمح بذلك/ فللتفاحة كلمتها» (نزهة بيكاسو).
توفي بريفير في 11 نيسان (أبريل) 1977. إلى جانب نصوصه الشعرية والغنائية، نظم شعراً للأطفال وكتب لهم كتابات أخرى، وهو كاتب للمسرح الشعبي وملحّن غنائي وكاتب سينمائي، وقد عبّر في قصائده وأغانيه، وبخاصة في مجموعته «أحاديث»، وفي مسرحياته وأفلامه عن موقفه تجاه الفقراء والمضطهدين والتزامه بالقضايا الإنسانية اليومية. لهذا قد تغنّى دائماً بجمال الحياة، ولذلك كان أقرب الشعراء والمعاصرين إلى هموم الشعب وبساطة الحياة في شعره. ومن أهم أعماله الشعرية: «حكايات» (1946)، «رقصة الربيع الكبرى» (1951)، «المطر والجو الصحو» (1955) وغيرها من المؤلفات.

1- الرجل الكبير
هناك عند نحات الحجار
حيث التقيْته
كان يأخذ المقاسات
للأجيال القادمة.

2- العاصفة والرعد
كلب مجنون، في رواق المستوصف، يبحث عن سيده المتوفى منذ الصيف الماضي.
شجرة أو بندولٌ
عصفور سكين
أنباء سيئة
أنباء سارّة
وجهك الطفولي
كجريمة بشعة
فجأة.. تجسدت
ابتسامتك
كعجلةٍ مسننة
بدأت بالدوران
مفقودة مقلّصة مختفية
وماء عينيك العجائبي
أخضر ورمادي
نضبت الصاعقة
تلك الصاعقة الصغيرة السوداء، من الكراهية
من الحزن والمعرفة
لك
من أجلي
إشارة كل الأرض
وجه لكل المعاني
رسالة لكل الكآبة
للوعي
ثم، وها فجأة، لا شيء
لا شيء إلا وجهك الطفولي البريء
وحيد كبركان خامد
ثم
التعب.. التشابه.. الطيبوبة
وأمل النوم
كما شجاعة الابتسام.

3- التلميذ الكسول
يومئ بالنفي برأسه
لكنه يقول «نعم» بقلبه
يقول «نعم» لمن يحب
«نعم» للمعلم
يقوم.. يُسأل
كل المسائل مطروحة
فجأة يضحك بجنون
ويمسح كل
الأرقام والكلمات
والتواريخ
والأسماء
الجمل والأسئلة الفخاخ
رغم تهديد المعلم
وصراخ التلاميذ المجدين العباقرة
بكل الطبشورات الملونة:
على الصبورة السوداء الحزينة
يرسم وجهاً سعيداً.

4- فطور
سكب القهوة
في الفنجان
سكب الحليب
في فنجان القهوة
وضع السكر
في القهوة بالحليب
بالملعقة الصغيرة
حرّك. شرب القهوة بالحليب
أرجع الفنجان
دون أن يبادرني بالكلام
أشعل سيجارته
صنع دوائرَ بالدخان
وضع رماد السيجارة في المنفضة
بدون أن يبادرني بالكلام
بلا أن يشاهدني
قام، انتعل قبعته على رأسه
لبِس معطفه الشتوي
لأنها تمطر
رحل
أسفل المطر
دون أن يكلمني
دون أن يبصرني
وأنا أخذت بين يدي
رأسي
وبدأت في البكاء.

5- أنا.. كما أنا
أنا.. كما أنا
جُبلتُ هكذا
حينما تعتريني رغبة في الضحك
أضحك بصخب
أحب من يحبني
هل هو خطئي
أن لا يكون من أحب هو نفسه كل مرة
فأنا.. كما أنا
ما الذي تريدون أكثر
ما الذي تريدونه مني...

6- العشاء الأخير
هناك طاولة
إنهم لا يأكلون
ليسوا أمام أطباقهم
أطباقهم في أماكنها
مباشرة
عمودياً
فوق رؤوسهم.