«في الإسـلام الرقمي: كيف ارتحل المسلمون إلى الفضاء السيبرانيّ؟» كتاب جديد صدر أخيراً في تونس حول الجماعات الإسلامية وحضورها في الفضاء الافتراضي وتوظيفها شبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت لترويج خطابها التكفيري. الكتاب الصادر عن «الدار التونسية للكتاب»، هو خلاصة بحث محمد سويلمي، المتخصّص في قضايا الخطاب الديني وإشكاليات «الجهادية الإسلامية». ويمكن اعتباره من أهم الأعمال الأكاديمية التي صدرت في السنوات الأخيرة التي تزايد فيها الاهتمام في تونس وفي العالم بقضايا الخطاب الديني و«الإسلام الرقمي» كما سمّاه الباحث محمد سويلمي.

في الكتاب الصادر ضمن سلسلة «وشوم» التي يديرها العادل خضر، قسّم سويلمي عمله إلى سبعة فصول على النحو التالي:
1ـ الإفتاء الإلكتروني، الخطاب الديني وإعادة المأسسة؛ 2ـ الفتوى السيبرانية: السوق الدينية واحتراب الشرعيات؛ 3ـ في الإرهاب الإلكتروني: التباسات المفهوم وتقاطع المقاربات؛ 4ـ استراتيجيات التكفير وآلياته: الخطاب الإلكتروني نموذجاً؛ 5ـ الخطاب الجهادي الإلكتروني وعولمة العنف المقدّس؛ 6ـ الجهاد السيبراني: تنظيم الدولة الإسلامية والوسائط الاجتماعية؛ 7ـ الفاعلون الرقميون والفضاء العام في تونس: احتراب الخطابات الإلكترونية.


يتناول كل فصل من هذه الفصول مجموعة من القضايا، ويختتمه الباحث بمجموعة من الاستنتاجات. ينطلق الباحث من مؤسسة الإفتاء وهي جوهر خطاب الجماعات الإسلامية. يرى أن مؤسسة الإفتاء تغيّر موقعها من المسجد إلى الفضاء الافتراضي أو ما سماه بالإفتاء الإلكتروني. يقول في هذا السياق: «بما أن مؤسسة الإفتاء تعي مركزية دورها في تفاصيل المعيش اليومي للمسلمين وما يطرأ عليه من مستجدات؛ فقد تحوّلت سريعاً إلى أدوات اتصالية طارئة وفعّالة أبرزها الإفتاء الإلكتروني الذي يكفل لها مواكبة جمهورها الجديد في مهاراته ومعارفه واحتياجاته (هو جمهور برؤية وتأويل إسلاميين بديلين إضافة إلى التمفصلات التقليدية والقيم والأفهام الدينية). وهو ما يعلّل استئثار هذه المواقع الإفتائية بأغلب أنشطة النت والسواد الأعظم من الجمهور المسلم».
ويضيف الباحث أن التحول الأبرز في العالم الإسلامي كان على علاقة بالميديا: «تحوّل اهتمام الأنظمة الحاكمة ودوائر المال والنفوذ المرتبطة بها إلى مجال الوسائط الاتصالية الحديثة وخاصة بعد حرب الخليج الثانية في عام 1991، والتفكير في تخطي الأطر الوطنية المحلية للميديا والانتقال من البثّ التماثلي إلى البث الرقمي، وما يوفره من كثافة وسرعة في التّدفق الاتصالي، وهو ما أدى إلى فوضى في مجال الفتوى والمعلومة والمصدر والخطاب». إذ ظهرت الميديا الدينية الإسلامية التي تشبه ــ حسب سويلمي ــ التلفزة الإنجيلية التي ظهرت في سبعينيات القرن الماضي في الغرب المسيحي، وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية التي كانت مرتبطة بدوائر مالية وسياسية ودينية.
كما اهتم محمد سويلمي بـ «السوق الدينية»، إذ ارتحل الفاعلون الاجتماعيون من العالم الفعلي إلى الفضاء الافتراضي، فتنامى الاستهلاك الرقمي المسلم من «الرقية الشرعية» و«الحجامة» إلى مُنتجات «الطعام الحلال» وعروض الزواج الإسلامي والملبس الشرعي. ويتوقف الباحث عند ما سمّاه بـ «الجهادية السيبرانية» التي عبرت الحدود الوطنية. وفي هذا السياق، يقدم الباحث مجموعة من الأرقام التي تؤكد على انتشار ظاهرة الجهاد الإلكتروني. إذ مثّل الإنترنت فرصة «للجهاديين» للإفلات من الرقابة من 12موقعاً فقط في سنة 1997 إلى 4350 في سنة 2005 إلى أكثر من 6000 موقع في سنة 2008 إلى 7600 موقع إرهابي في سنة 2010!
يقدّم الباحث تنظيم «داعش» كنموذج للجماعات الجهادية التي تجيد استثمار الفضاء الافتراضي. إذ «تُظهر أنشطة داعش وطرائق حضورها في الفضاء السيبراني وكيفيات تشغيلها للخيارات والتطبيقات قدرتها الفائقة على استثمار الميديا الاجتماعية» منذ أن افتتح تنظيم «داعش» نشاطه بتسجيلات صوتية لأبي بكر البغدادي في سنة 2013. بعد ذلك، نشر تطبيق «بشائر الفجر السعيد» الذي مكّنه من نشر عشرات الآلاف من التغريدات يومياً على تويتر وفيديو قطع رأس الصحافي الأميركي جيمس فولي من طرف محمد عموزي المعروف بـ «جون البريطاني».
يقدّم الباحث مجموعة من الأرقام الدالة على تفوق «تنظيم الدولة الإسلامية» في استثمار الوسائط الإلكترونية. إذ نشر أنصار التنظيم على تويتر 90 ألف رسالة إلى حدود شباط (فبراير) 2015 بمعدل 50 تغريدة يومياً، وتمكنوا من نشر أكثر من 40 ألف تغريدة عند سيطرة التنظيم على مدينة الموصل العراقية. وبلغ عدد الحسابات التابعة للتنظيم على تويتر 60 ألفاً، ووصلت تغريدات «داعش» على تويتر خلال عامي 2014 و2015 إلى حوالى 17مليوناً.
وحاول تويتر مقاومة انتشار «داعش» على شبكته، فأغلق 126 ألف حساب في شباط (فبراير) 2016 و235 ألف حساب في آب (أغسطس) 2016.
وتمكّن تنظيم «داعش» من استهداف حسابات تويتر وفايسبوك الخاصة بالقيادة المركزية للولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط التي تقود التحالف الدولي ضد «داعش». وضعت رايات داعش السوداء في الوقت الذي كان الرئيس الأميركي الأسبق أوباما يلقي خطابه عن الأمن السيبراني. تحدٍّ نجح «داعش» في تحقيقه في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية. وهذا النجاح يعود حسب الباحث إلى أن «تنظيم الدولة الإسلامية كان على وعي استراتيجي بفاعلية الوسائط الاجتماعية في القيام بوظائف الدعاية والتعبئة والتجنيد والتمويل وخلق مجال عمومي بديل؛ فهذه المنصات على اختلافها محاضن شعبية وبيئات جماهيرية خصبة لثقافة العنف المقدّس».
ويذكر الباحث مجموعة أخرى من الأرقام، فمنصة يوتيوب تضمّ مليار مستخدم و6 مليارات ساعة مشاهدة و100ساعة أفلام شهرياً، وتويتر 350 ألف تغريدة في الدقيقة و500 مليون تغريدة يومياً، وفايسبوك 500 مليون مستخدم نشط يومياً حسب إحصائيات 2014. ولهذا السبب، اختار «داعش» فايسبوك وتويتر لتمرير خطابه والتسويق لرؤيته ولحملاته الإلكترونية، كما اختار مجموعة من الرموز والعلامات مثل الخيول والراية السوداء مستحضراً «سرديات الجهاد» والإحالة على زمن النبي والفتوحات والإسلام المبكر.
لم تغب عن الباحث دراسة الحالة التونسية في الفصل الأخير من الكتاب الذي سمّاه «الفاعلون الرقميون والفضاء العام في تونس» وفي عنوان فرعي «احتراب الخطابات الإلكترونية». اختار رد الفعل في القضاء الافتراضي على مبادرة المساواة في الإرث وتقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة كنموذج.
تأثير العالم الافتراضي يكون أكثر حدّةً في المجتمعات التي تعيش تحولات بنيوية كبيرة


ويقول في هذا السياق «يظهر جرد سريع للفاعلين الذين انخرطوا في السجالات السياسية والفكرية حول تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، وما أحدثوه من شبكات اجتماعية أنهم تحولوا إلى قوى ضغط وتوجيه في الفضاء الافتراضي والمجال العام على حد سواء».
يستدلّ الباحث ببعض ردود الفعل التي تعمّدت التحشيد ضد أعضاء «لجنة الحريات» وتجاهلت مضمون التقرير، فـ «المفتي السابق للجمهورية التونسية حميدة سعيد مارس نهجاً انتقائياً غيّب عمق التقرير وسموّ رهاناته، مقتصراً على اختزاله في مسائل جزئية كالمهر والوليّ، متعمّداً وضع اللجنة في موضع من يستهدف الهوّية الثقافية، منافحاً عن الرؤية الفقهية السامية ومكسباً المهر والوليّ معانيَ مصطنعة لا وجود لها»، وهذا المنهج نفسه الذي اعتمده أساتذة في «جامعة الزيتونة» في اعتبارهم التقرير يستهدف «أمة المسلمين» ولحمة المجتمع التونسي وهويته.
وفي خاتمة كتابه المرجعي، اعتبر محمد سويلمي بأنّ تأثير العالم الافتراضي يكون أكثر حدّةً في المجتمعات التي تعيش تحولات بنيوية كبيرة مثل تلك التي يعيشها المجتمع التونسي منذ عشر سنوات في محاولته بناء مجتمع مدني قائم على قيم المواطنة والحداثة والمساواة، في مواجهة محاولات لإعادته إلى مربع الشريعة والحلال والحرام. فالجماعات الإسلامية لا تزال تعطّل مشروع التحديث، مستفيدةً من وجود «حركة النهضة» الإسلامية في الحكم، وخصوصاً سيطرتها على البرلمان الذي تصدر منه كلّ القوانين والقرارات.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا