نادرة، إن لم تكن معدومة، المؤلفات الصادرة عن الحرب في سوريا وعليها، التي تتناول بالتحليل العلمي العاقل المأساة السورية وتبحث في جوانب الصراع كافة، وكذلك العوامل الداخلية والخارجية واللاعبين الرئيسين فيها. أو لنقل: إني لم أعثر على مؤلف يتناول المسألة علمياً وحيادياً مع أني قرأت عدداً من الكتابات العربية والإنكليزية والألمانية عنها.

«سوريا: مأساة دولة محورية» (بالغريف ماكميلان ـ 2020) مختلف، لكن إلى حد ما، عما نُشر، وهو بقلم دبلوماسي هندي مخضرم هو السفير ردندرا أبهيانكار الذي خدم سفيراً في عدد من الدول بما فيها سوريا. إذاً، الكاتب ممثل دبلوماسي لبلاده التي تتميز بعلاقات طيبة مع دمشق منذ استقلال الهند وبروز حركات الحياد ومنها مؤتمر باندونغ والقارات الثلاث وحركة عدم الانحياز، وسفارتها في دمشق بقيت مفتوحة، وسفيرها ودبلوماسيوها لم يغادروها، رغم أن دولاً غربية كثيرة أغلقت أبواب ممثلياتها في حاضرة الجمهورية العربية السورية.


أثار هذا المؤلف الجديد عن الأزمة السورية انتباه عدد من المراقبين والمحللين والهيئات والمؤسسات الفكرية من مختلف الاتجاهات، بمن فيهم «المجلس الروسي للعلاقات الدولية» المؤسَّس حديثاً، الذي يرأسه وزير خارجية روسيا الاتحادية بما يغني عن التعريف بعلاقته بمؤسسات صنع القرار في موسكو ومكانته فيها. فقد عقد المجلس الآنف الذكر ندوة عن المؤلف شارك فيها كل من أليكسي كليبنيكوف، الذي يعرّفه موقع المجلس في الإنترنت بكونه «خبير الشرق الأوسط ومحلل السياسة الخارجية الروسية، وحاصلاً على ماجستير في السياسة العامة العالمية من كلية هوبرت همفري للشؤون العامة في جامعة مينيسوتا الأميركية، وإيغور ماتفيف الذي يعرّفه موقع المجلس بأنه زميل باحث أول في معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم الروسية ومحاضر في معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية التابع لوزارة خارجية الاتحاد الروسي، وخبير المجلس». اهتمام المؤسستين الفكريتين الروسيتين بالمؤلف أسهم في الاطلاع عليه وعرضه، نظراً إلى العلاقة الوثيقة التي تربط موسكو بدمشق منذ الخمسينيات، إضافة إلى دعمها القوي العسكري والسياسي للدولة السورية في حربها على الإرهاب الداخلي والخارجي المنشأ، المدعوم دولياً من حلف الناتو وأتباعه من الأعراب والمستعربين الجدد والتنظيمات المذهبية. لا ندري إن أثار هذا المؤلف اهتمام أفراد أو المؤسسات ذات الصلة في سوريا، وإن لم نعثر على أي إشارة إليه في ما اطلعنا عليه من إصدارات. يستكشف هذا المؤلف كيف يمكن أن يتجذر السلوك غير المتسق أخلاقياً من قبل الكيانات الدولية في الطبقات الأخلاقية لصانعي القرار، وبؤرهم المتغيرة المرتكزة إلى مصالحهم الذاتية متجاهلين معايير السلوك الدولي الراسخة التي يعتمدون عليها. ويستكشف كذلك إلى أي مدى يمكن تشكيل مثل هذه القرارات أو تعديلها بوساطة عوامل سياقية تؤدي في النهاية إلى تفكيك النظام الدولي الحالي، ويحلل الجوانب المختلفة للوضع السوري ومحدداته وتنوعاته عبر العوامل الاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية كمقدمة لاحتمال تكراره دولياً.
عرض الكاتب آراءه في سبعة فصول تأتي بعد المدخل والمقدمة والتحديث.
الفصل الأول: الصراع السوري اللامنتهي: تأثيراته الداخلية والتأثير الخارجي.
الفصل الثاني: لماذا سورية مهمة: مأساة دولة محورية.
الفصل الثالث: الصراع السوري وتداعياته
الفصل الرابع: هل واجب قبول التلفيقات دوماً؟
الفصل الخامس: دور القوى الإقليمية والدولية
الفصل السادس: الجهود الدولية نحو السلام: الوكالة والنتائج.
الفصل السابع: التطور المستقبلي في ضوء ما سبق.
الكاتب ممثل دبلوماسي لبلاده التي تتميز بعلاقات طيبة مع دمشق منذ استقلال الهند


هذا المؤلف مختلف عن غيره لكننا لا نتفق مع الكاتب في جوانب من تحليلاته لأنّ النظرة من داخل دائرة الصراع تختلف عن رديفها من الخارج. كما أنّنا في حيرة من أمرنا بخصوص بعض الأمور فيه، منها مثلاً، غياب تعريف الكاتب لبعض المصطلحات التي استخدمها كـ «ثورة» وإن كان يعنيه بذلك المفهوم الغربي للكلمة، وهو أمر مكروه فيه، أو المفهوم الماركسي، وكذلك «الحرب الأهلية» التي تشير إلى انقسام عمودي، لا أفقي، في المجتمع ذي الصلة ومشاركة مكوّناته جميعها في الصراع المسلح على الجبهات كافة، كما حصل في الحرب الأهلية الإسبانية على سبيل المثال. كما أننا نختلف تماماً مع الكاتب بسبب توظيفه مقولة «الربيع العربي» وقوله: إن الوصف شعبي. وافتقدنا كذلك إلى تحليلات الكاتب لدور رفض النظام السوري الانخراط في التسويات الأميركية للصراع العربي الصهيوني، وكذلك موقفه الرافض للغزو الأميركي للعراق بل حتى دعم المقاومة العراقية ضد الاحتلال في اندلاع الأزمة، أو لنقل: على الأقل: تأجيجها.

* Syria: The Tragedy of a Pivotal State. Palgrave Macmillan (2020). Extent: xxxv, 318 pages. Ambassador Rajendra Abhyankar

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا