ترجمة وتقديم: محمد عزيز الحصيني
كتب أوكتافيو باث (1914 ــــ 1998) «القرد النحوي» سنة 1970، بطلب من دار «سْكيرا»، ليُنْشَر ضمن سلسلة «دروب الإبداع» سنة 1972 باللغة الفرنسية بترجمة الشاعر الفرنسي كلود إستيبان، المختصّ في الأدب المكتوب باللغة الإسبانية، ومترجم جلّ أعمال أوكتافيو باث إلى الفرنسية. اعتبر العديد من النقاد «القرد النحوي» قصيدة نثر، تترجم تجربة باث في علاقته بـ«الآخر»، وربط الكلام، الشفوي والمكتوب، بالواقع. الغور في الميثولوجيا الهندية لرامايانا، وهانومان، القرد المقدس، الذي عبر من الهند إلى سيلان، بقفزة واحدة، محلقاً بين سحاب جبال الهملايا. هانومان له ملكة الكلمة، وعبرها ينفتح طريق الإبداع. لا فرق بين الشرق والغرب. هانومان النحوي، خالق العلامات. اختار باث الطريق ككتابة. الطريق إلى غالطا لا توصل إلى أي مكان. غالطا هي المكان والزمان في آن واحد: «كنت أسير، وأسير فقط، دون هدف محدد، كنت ذاهباً للقاء... للقاء ماذا؟» كتابة باث في «القرد النحوي» سيرٌ لا نهائي نحو المعنى. المعنى المتبدّد، والمعلّق في المحو. الكتابة لا نهاية لها، لأنها «تفنيد وإدانة للطريق». النهاية تلغي الطريق. العلاقة كتابة-طبيعة هي ما يمنح وصف باث معناه: «خط وغطاء نباتي. شجيرات وكتابة، قراءة وطريق». لم يكن باث يستحضر ثقافته الشعرية، وهو يُواجه بوصف الطريق إلى غالطا. الطريق كقراءة، هي تأويل للعالم الطبيعي: «جمل، هي نباتات متعرّشة، هي بقع رطوبة، هي ظلال تقذف بها النار داخل غرفة غير موصوفة...»، تتحول الأشجار، والأوراق، والأيكة، والجذوع السوداء، وكل الغطاء النباتي، إلى ملفوظات لا اسم لها، فالشجرة المتلفّظ بها، ليست هي الشجرة، ولا ملفوظ الشجرة، هي بذور الطبيعة ككتابة تبحث عن معناها، في لقاء الشعر ورؤية الشاعر: نقطة التقاء جميع المرتكزات، هي رؤية الشعر، أي نهاية الطريق، رؤيا هانومان، الإله-القرد، الذي يجعل الكتابة الإنسانية «تستدعي الكتابة الكونية». إن هانومان هو مونوغرام اللغة: الابتكار المستمر للصوت والدلالة، في مقابل إيديوغرام الشاعر: «القرد المقلّد، فنان التكرارات»، هانومان هو الحيوان الأرسطي المستنسخ للطبيعي، والبذرة الدلالية، «البذرة-القنبلة» التي تنبعث من الجوف اللفظي لأعماق الأرض... هانومان نبتة لا تنتظر من يزرعها، إنها مجموع «الثمار الجنسية والزهور اللاحمة للغيرية». المسار نحو المعنى، وتبدّد المعنى، هو «الحركة المزدوجة للكتابة». يعتبر باث الطريق كتابةً، والكتابة جسداً، بل مجموعة أجساد (أيكة)، بهذا المعنى، فالشعر مادي وجسديّ تجاه الأسماء، وليس الكلام إلا «تحرراً من العالم بحثاً عن معناه». اللغة، كل لغة، حين تبلغ حالة الاتّقاد، «تبدو كجسم غامض». ألا تقول كل القصائد الشيء نفسه؟ لكن كل قصيدة متفرّدة، أمام مواكب طريق غالطا، حين يظهر القرد النحوي ويختفي، ضائعاً وسط تشابهاته.



الطريق إلى غالطا، عبور لانهائي لإبطال السّحر
إلى ماري-جوزي

I

الأفضل، سيكون اختيار طريق غالطا، وعبوره من جديد (ابتكاره كما أعبره) ودون أن أضع ذلك في الحسبان، دون الإحساس به تقريباً، والذهاب حتى النهاية، دون اهتمام بأن أعرف معنى «الذهاب حتى النهاية»، ولا ما رغبت في قوله وأنا أكتب هذه الجملة. حين كنت أسير في درب غالطا، البعيد عن الطريق الكبرى، ماراً بموقع أشجار التين الهندي وبقع المياه الراكدة، عابراً البوابة الخربة المؤدية إلى الساحة الصغيرة ذات البيوت المتداعية، على عتبة سيري الطويل بالضبط، لم أكن أعرف مسبقاً إلى أين أسير، ولا همّني ذلك. لم أطرح على نفسي أسئلة: كنت أسير، وأسير فقط، دون هدف محدد. كنت ذاهباً للقاء... للقاء ماذا؟ لم أعرف ذلك. ولا أعرفه الآن. ربما قد يكون ذلك هو السبب الذي جعلني أكتب «الذهاب حتى النهاية»: لأعرف ذلك، لأعرف ما الذي يختفي وراء النهاية. فخّ لفظي: بعد النهاية لا يوجد شيء، إذا كان ثمة شيء، فالنهاية لن تكون هي النهاية. ومع ذلك، فنحن نسير دوماً للقاء... ونحن نعرف أن لا شيء ولا شخص هناك في انتظارنا. إننا نسير دون هدف محدد، لكن نحو نهاية (أية نهاية؟) للوصول إلى النهاية. بحث عن النهاية. الارتعاب من هذه النهاية: اتجاه وعودة. بدون هذه النهاية التي تنفلت منا باستمرار. لن نسير ولن تكون هناك طرق. لكن النهاية هي تفنيد وإدانة للطريق: في النهاية، تلغى الطريق، ويتبدّد اللقاء. وتتبدّد النهاية أيضاً.

أوكتافيو باث عام 1958

معاودة السير، الذهاب مرة أخرى للقاء: الطريق الضيق الذي يصعد وينزل بين الصخور المسودة والتلال المحروقة، لون وبري: متشبّثة بأعمدة كما لو كانت على استعداد للانفصال عنها، والسقوط على رأس السائر، البيوت البيضاء: رائحة الصوف والروث: طنين منتصف النهار: صياح القردة المتقافزة بين فروع الأشجار، وهي تجري فوق الأسطح، وتتأرجح على درابزينات الشرفات: على المرتفعات، طواف الطيور ودخان المطابخ المزرقّ: الضوء الوردي تقريباً المنعكس على الأحجار: طعم مالح على الشفاه المتيبّسة: ضوضاء الأرض المنهارة تحت الخطى: الغبار الملتصق بالبشرة الدبقة، يجعل العيون محمرة، ويحبس الأنفاس: الصور، الذكريات، التشكيلات المتشذرة، كل هذه الأحاسيس، والرؤى، والأفكار، التي تظهر وتتلاشى في رمشة عين. ونحن نسير للقاء... والطريق أيضاً يتلاشى، وأنا أفكر فيه، وأنا أتلفظه.
■ ■ ■

II

خلف نافذتي، على بعد حوالى ثلاثمئة متر، توجد الكتلة الخضراء القاتمة لمجموعة من الأشجار، جبل من الأوراق والفروع التي تترنّح مهددة بالانهيار. حشد من أشجار الزان، والبتولا، ترتعش وتنكمش، متجمّعة في تل صغير، وقد ذابت رؤوسها وتحولت إلى كتلة سائلة، متشنّجة، تحركها الريح وتسوطها، فتجعلها تصرخ. تتلوى الأشجار وتنثني، ثم تنتصب مدوية، تمتد كما لو كانت على أهبة أن تقتلع وتفر هاربة. لا. إنها لا تتنازل. ألم الجذور والأوراق المبتورة. مثابرة نباتية شرسة، ليست أقل قوة من مثابرة الحيوان والإنسان. لو قُيض لهذه الأشجار أن تسير، لقوّضت في طريقها كل شيء. إنها تفضل أن تمكث هنا حيث هي: لا دم يسري فيها ولا أعصاب، لكنّ بها نسغاً، ليس هو الغضب أو الخوف، بل هو عناد صامت يسكنها. الحيوانات تفر هاربة أو تهاجم. الأشجار تظل منغرسة في مكانها. صبر: بطولة نباتية. أن لا تكون أسداً أو ثعباناً: أن تكون شجرة بلوط.
الآن، السماء مكسوّة بسحب لونها معدني، وأبيض، تقريباً، في المرتفعات، وتبيضّ تدريجاً صوب المركز، فوق الدغل: تتجمّع في نواة أرجوانية، غاضبة. الأشجار تصرخ دون انقطاع تحت عواصف الضغينة. على اليمين، الدوحة أقل كثافة، وأوراق شجرتَي زان، متشابكة، تشكل قوساً قاتماً. تحت القوس، يبزغ فضاء ساطع، مسالم بشكل لافت، أشبه ببحيرة لا تطاولها العين، لأن سياج الجيران يحتلها إلى النصف. إنه جدار واطئ، وسياج من الطوب، حيث تمتد، خضراء باردة، بقعة شجيرة ورد. هناك، حيث لا أوراق، نلمح جذع شجرة أعقد مشوكّاً. العديد من الأذرع، والملاقط، والقوائم، وأطراف أخرى، مدجّجة بالأشواك: لم يخطر في بالي أبداً، أن تكون شجيرة ورد على شكل سرطان ضخم. يمكن تقدير مساحة الساحة بحوالى أربعين متراً مربعاً: الأرضية إسمنتية، وعلاوة على شجيرة الورد، زرعت، للتزيين، روضة صغيرة من اللؤلؤيات. وفي أحد الأركان ثمة طاولة خشبية سوداء مخلعة. ما وظيفتها؟ ربما لتحمل أصيص زهور. كل يوم، وفي العديد من الساعات، وأنا أقرأ وأكتب، اعتدت على وجودها قبالتي. أجدها متنافرة أيضاً: ماذا تفعل هناك؟ أحياناً أراها كخطأ مكتشف، كفعل يناقض ما هو عادي. وفي استعادات أخرى، كتخطئة لبلاغة الأشجار والريح. في الجانب المقابل، توجد حاوية القمامة، أسطوانة معدنية بارتفاع سبعين سنتمتراً، وقطر خمسين سنتمتراً: أربع قوائم من السلك الحديدي تحمل الهيكل الدائري مع غطاء صدئ، حيث يتدلى كيس بلاستيكي مخصّص للنفايات. الكيس ذو لون أحمر قان. السرطانات مرة أخرى. الطاولة وحاوية القمامة، جدران الطوب والأرضية الإسمنتية تغلق المكان. هل تغلقه أم هي مخارج له؟
تحت قوس أشجار الزان، يتوغّل النور، وقد تلفّعت لَاحَرَكَتُهُ بالظلال المحمومة للأوراق... أنظر إليه وأظل هادئاً بدوري. أو بالأحرى: تلتف فكرتي حول نفسها وتظل هادئة لمدة طويلة. هذا الهدوء، هل هو القوة التي تمنع الأشجار من الهروب، والسماء من الانقسام؟ هل هي جاذبية هذه اللحظة؟ نعم. أعرف بأن الطبيعة أو ما نسميه كذلك: هذه المجموعة من الأشياء والوظائف التي تحيط بنا، والتي تتناوب على إنجابنا وتمزيقنا، ليست شريكنا المتواطئ والمقرّب. ليس من المباح أن نُسقط عواطفنا على الأشياء، ولا أن نخصها برغباتنا. أكثر من ذلك، هل يمكن أن نتعرف فيها إلى دليل على عقيدة حياة؟ أن نتعلم فن اللاحركة في لجة الإعصار، وأن نتعلم أن نحافظ على هدوئنا، ونصبح شفافين مثل هذا النور المنتصب وسط الأوراق المهتاجة، هل يمكن أن ننشئ برنامج حياة. ومع ذلك، فالوضوح لم يعد بحيرة بيضية الشكل، بل أصبح مثلثاً وهاجاً، تعبره خطوط رفيعة وظليلة. يهتز المثلث، على نحو غير محسوس، إلى أن يحدث نوع من الغليان الوهاج، في الزوايا الخارجية أولاً، ثم باندفاع متصاعد، داخل نواته المحترقة، كما لو أن هذا النور السائل يشكل مادة حارقة تميل، بدرجات، إلى الأصفر. هل ستنفجر؟ الفقاعات تشتعل وتنطفئ دون أن تتوقف عن إيقاع تنفّس لاهث. بقدر ما كانت السماء تعتم، كان الجلاء ينحفر، يطرف أكثر كل مرة، مثل مصباح قارب على الانطفاء في حمأة هيجان الظلمات. الأشجار تصر عل قعدتها، وقد تلفعت الآن، بنور آخر.
الثبات لحظي دائماً. إنه توازن، هش وناجز في الوقت نفسه، دوامه كدوام اللحظة: تكفي هزة نور، أو ظهور سحابة، أو تغير ضئيل في درجة الحرارة، حتى ينقضي عهد الهدوء وتنفرط سلسلة الانمساخات. كل انمساخ، هو، بدوره، لحظة ثبات أخرى متبوعة بتلف جديد وتوازن شاذ. نعم، لا أحد وحيد، وكل تحول طارئ، يتسبب في آخر أكثر بعداً. لا أحد وحيد، ولا شيء صلب: التحول يتحول إلى رسوخات، هي توافقات لحظية. هل عليّ القول إن شكل التحول هو الثبات، أي التحول، وبدقة أكثر، هو انحراف دائم للثبات؟ حنين ما هو ساكن: الكسل وفراديسه المجمّدة. الحكمة لا تقيم في الثبات ولا في التحول، بل في الجدلية التي تصل بينهما. ذهاب وإياب باستمرار: الحكمة توجد في اللحظي. إنه العبور. لكن، هل قلت العبور، حتى يبطل السحر. العبور ليس حكمة، بل هو ذهاب بسيط نحو... العبور يتلاشى: لقاء هذا فقط، يصبح عبوراً.
■ ■ ■

III

لم أرغب أبداً في التفكير في غالطا، ولا في طريقها المغبر، وها هما يعودان. يلحقان بي، كنت أود ألا أراهما، أحس بأنهما هنا من جديد، وبأنهما ينتظران أن نسميهما. لا شيء يحضر في ذهني، لا أفكر في شيء، إنها «الفكرة البيضاء» الحقيقية: مثل لفظة «عبور»، حين أتلفّظ بها، مثل الطريق، وأنا أعبره، كل شيء ينمحي حين أفكر في غالطا. أفكر؟ لا، فغالطا توجد هنا، لقد انزلقت إلى ركن من أفكاري وهي تترصّد، بهذا الوجود المتردد، ملحة في ترددها نفسه، لم يفكر فيها، ولم تقل مطلقاً. إنها على وشك الحضور، لكن، لا يوجد حضور، بل انتظار، هو صنيع التهيّج والعجز. غالطا لا توجد هنا: إنها تنتظر في طرف هذه الجملة. تنتظرني لتختفي. وأمام الفراغ الذي يحدثه اسمها، أكابد الحيرة نفسها وأنا أمام تلالها المسطّحة منذ قرون من الريح، هذه المساحات الممتدة، المصفرة، والتي، طوال شهور الجفاف، حين تسحق الشمس الصخور وتبدو السماء، مثل الأرض، قريبة من التشقّق. تنهض فوقها إعصارات الرمال. تجليات صهباء، رمادية، أو داكنة، تنبثق فجأة كانبجاس مائي، نبع دفاق من البخار. إلا أن هذه الإعصارت ليست سوى صور للعطش، طقوس جفاف ماكرة. أشباح ترقص وهي تدور، تتقدم، وتتراجع متجمدة، ثم تختفي هنا، لتظهر في مكان آخر: طقوس احتفالية للغبار والهواء. وما أكتبه، هو أيضاً، طقس احتفالي، دوران كلمة تظهر وتختفي في هذه التدويمات. إنني أشيد أبراج رياح.
الإعصارات كثيرة الوقوع على الجانب الآخر من الجبل، وعلى المساحات الشاسعة، وليس على هذه الوديان والمنحدرات. هنا الأرض أكثر وعورة منها في الجانب الآخر، مع أن غالطا لم تجن شيئاً من احتجابها في حضن الجبل. على العكس، فوضعها لم يعمل إلا على جعلها معرضة أكثر إلى عوامل القفر. كل هذه التموّجات، والتجاويف، والمضائق، هي قنوات ومطايا للجداول الجافة. هذه التلال الرملية كانت غيضات في ما مضى. إننا لا نسير فقط بين بيوت مدمرة: المناظر الطبيعية، هي أيضاً، أصابها الانهيار: لم تعد سوى خراب، أقرأ وصفاً كُتب عام 1891: «الطريقة التي تزحف بها الصحراء في المدينة...». بعد ذلك بأقل من عشرين سنة، أصبحت غالطا مهجورة. ليس لزمن طويل: القردة في البداية، ثم جماعات المنبوذين التائهين الذين ذهبوا لاحتلال الخراب.
السير لمدة ساعة أو أكثر. نترك الطريق على اليسار، ونمر بين هضبتين صخريتين، نمشي صُعُداً في ممر أقل جفافاً. خراب غير عنيف، لكنه يثير الشفقة. منظر عظام وبقايا معابد وبيوت. نذور تؤدي إلى ساحات أعمتها الرمال، واجهات لا يوجد خلفها سوى أكوام من الحصى والنفايات، سلالم تؤدي إلى الفراغ، أسطح مهدّمة، مسابح تحولت إلى مكب عملاق للفضلات. نصل إلى وسعة مقشوطة. درب من الأحجار المسنّنة حيث نشعر بالتعب للتوّ. إنها الرابعة بعد منتصف النهار، وما زالت الأرض حارقة. شجيرات سقيمة، نباتات شائكة، غطاء نباتي ملتو ومتهالك، وعن قرب، في المقابل، الجبل الجائع. إهاب من الأحجار. ردف أجرب. هناك في الهواء ما يشبه مادة غير محسوسة، ساحقة، مزعجة وتثير الأعصاب. تبدو الأشياء أكثر هدوءاً تحت هذا النور المهيمن عديم الجاذبية. قد لا تكون الطمأنينة هي الكلمة الصائبة، بل الإصرار: الأشياء تصر تحت إذلال النور لها. والنور يصر. الأشياء تصبح أشياء أكثر، كل شيء يصر على أن يوجد، لا شيء آخر، أن يوجد ولا شيء آخر. نجتاز القاع الحجري لأحد الجداول الجافة بينما وقع الخطى على الحصى يدعو إلى التفكير في صوت الماء: لكن الأحجار داخنة، والأرض داخنة. تلتف الطريق الآن، حول الهضاب المخروطية المسودة. منظر طبيعي متحجّر. هذه الهندسية تناقض الهذيانات التي تحدثها الرياح والصخور هناك، في أعالي الجبل. على بعد مئة متر، نتسلق منحدراً ناعماً، بين أكوام الحجارة وأرض مكسوّة بالرمل. في الهندسة ينجح اللاشكلي: من المستحيل معرفة هل هذه الأنقاض هي لتلك البيوت المفكّكة أم لهذا الذي يلح في الصخور المفتتة التي مزقتها الشمس والريح. ننحدر من جديد: أعشاب، نباتات صفراوية، أشواك، رائحة روث وفضلات بشرية نتنة، علب صدئة، خرق ملطّخة ببقع وحشية، مجموعة من طيور الرخمة تطوق كلباً مبقور الأحشاء بفعل مناقيرها، ذباب بالملايين، صخرة كُتبت عليها، بالقار، الحروف الأولى لحزب التقدم. من جديد الجدول الجاف، مكان شاسع تعيش فيه مئات الطيور والسناجب، الخرائب والأسطح مرة أخرى، الطيران المجنون للببغاوات، أكمة، كانت نصباً في السابق ربما، جدار عليه آثار صباغة حمراء وسوداء (كريشنا وراعياته، طواويس، أشكال غامضة)، بركة مغطّاة بزهور اللوتس، وفوق الزهور غيمة فراشات، صمت الصخور تحت الاهتزاز النوراني للهواء، تنفّس المدى، يضيق القلب لسماع صرير فرع شجرة أو صوت حصاة، حين تغير سحلية مكانها ( الحضور الدائم اللامرئي لثعبان الكوبرا، والحضور الآخر غير المحسوس الذي لا يفارقنا، ظل أفكارنا، أمام ما نراه، وما نقوم به) وكيفية الوصول، عبر قعر الجدول الجاف نفسه، إلى الوادي الصغير.
حول الجانبين، وفوقهما، توجد التلال الفطساء، المشهد المتآكل بفعل التعرية: في المقدّمة، الجبل والدرب المؤدية إلى الخزان الضخم، ثم، وعبر طريق الحجيج، إلى ملاذ القمم. بالكاد، تظهر بقايا بيوت. ثلاث شجرات زان هرمة ومصمتة. تربض تحت ظلها، أو مغروزة بالأحرى في سمكها، مستكينة إلى ضوء أحشائها الضعيف، كما لو كانت أغواراً، بضعة أطفال مستنفرين بثياب رثة، يحرسون دزينة من الأبقار المستشهدة تحت الذباب والقراد. هناك ماعِزان أيضاً وكثير من الغربان. يظهر الرهط الأول من القردة. يقذفها الأطفال بالحجارة. النور الثابت. خضراوان لامعتان تحت النور الثابت، ثمّة بركتا ماء موبوء. بعد بضعة أسابيع سيتبخّر الماء، ويجف الوحل، وتتحول البركتان إلى بُسط من الغبار الدقيق، ليأتي الصبية والريح للتعارك فوقها بلا نهاية.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا