يلاحظ المرء المتابع لتطور الأحداث في البلاد العربية، منذ تفجّر الخريف العربي، الدور المكثف الذي لعبه المقاتلون التونسيون المشاركون في مختلف الحركات التكفيرية المسماة «جهادية» في كتاب «أبناؤكم في خدمتكم: مبعوثو تونس إلى ساحات الإرهاب العابر للحدود» (منشورات جامعة كولومبيا). هذه الحقيقة حيّرت بعض الباحثين، ذلك أن تونس عرفت بكونها دولة [شبه] علمانية أسّسها الحبيب بورقيبة على طراز الجمهورية الفرنسية الثالثة بعد عام 1905، والجمهورية التركية التي أسّسها كمال أتاتورك، بعدما أطاح المعارض المغدور صالح بن يوسف واغتياله لاحقاً في ألمانيا عام 1961، والكاتب آرون زِلين باحث في «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، ومؤسّس شبكة jihadology.net.


بالنظر إلى حجم هذا المؤلف، فمن المتوقع أن يحوي كمّاً كبيراً من المعلومات، آخذين في الاعتبار أنه يركز على تونس، وأن الكاتب أمضى تسع سنوات في إعداده، وزار تونس أكثر من مرة حيث كان يلتقي في الريف بأعضاء في الحركات التكفيرية، وفي مقدمتهم جماعة «أنصار الشريعة». يحوي المؤلف معلومات كثيرة يصعب حصرها في عرض مختصر، لكنه يحلل أيضاً تطور تلك الجماعة منذ الانتفاضة على حكم بن علي في عام 2011 وسقوطه في العام نفسه.
يقول الكاتب إنه يسعى لشرح أسباب تحول «الجهاد» إلى قوة وعامل تعبئة وفكر في تونس وبين التونسيين بعد انتفاضة «جانفي 2011»، من خلال عدسة جماعة أنصار الشريعة الإرهابية، منذ نشأتها إلى عام 2019، عبر تقصّي إجابات عن الأسئلة التالية: ما الظروف التاريخية والمعاصرة التي قادت إلى صعود جماعة أنصار الشريعة؟ أسباب اتباع الجماعة نهج الدعوة أولاً. كيفية تنفيذ الجماعة استراتيجيتها. أسباب انحدار الجماعة. أسباب انضمام كثير من التونسيين إلى الجماعات الإسلامية الإرهابية في سوريا وليبيا والعراق، وكيفية تصدي الدولة التونسية محلياً لحملة إرهاب الجماعة.
يحوي الكتاب خرائط عديدة إضافة إلى قواعد بيانات


كما يلفت النظر إلى أن مؤلفه مرتبط بالمناقشات في ما يسمّى «الجهاد السنّي»، ويسعى أيضاً إلى المشاركة في المناقشات الأكاديمية ذات الصلة، ملاحظاً أن «الجهاديين» لم يمارسوا أي دور في الانتفاضات وما سبقها من احتجاجات في تونس ودول عربية أخرى، لكنهم استغلوا البيئة الجديدة، بما في ذلك الانفتاح وحرية التعبير الجديدة والعفو عن السجناء للعمل مجدداً والإفادة من أخطاء الماضي. لكنه يقول إنه لا يهدف إلى تقديم منظور نظري جديد، بل يسعى إلى إنتاج فهم تجريبي دقيق للموضوع والمساهمة فيه بوضع «التجريبية في نظرية العلوم الاجتماعية» أي «نظرية الحركة الاجتماعية»
قسّم الكاتب عمله إلى ثلاثة أجزاء تضم الفصول الآتية:
الفصل الأول «جيل الزيتونة»؛ يبحث في تاريخ الإسلام والحركة الإسلامية في تونس منذ استقلالها عام 1956 حتى عام 2010.
الفصلان الثاني «مجموعة مبعثرة ذات صورة أقل من مثالية» والثالث «هيا إلى الجهاد»، مخصّصان للحديث عن التونسيين المتورطين في «الجهاد» قبل انتفاضة عام 2011.
يستكشف الفصل الرابع، «أبناء تونس»، سياسات الحكومة التونسية تجاه «جماعة أنصار الشريعة» وغيرها، من العفو عن السجناء في آذار (مارس) 2011 حتى حظر «جماعة العلم والتكنولوجيا» في آب (أغسطس) عام 2013. ويلقي الفصل الخامس (تونس أرض دعوة) نظرة على عملية صنع القرار الإستراتيجي لـ«جماعة أنصار الشريعة» وتطور الفكر الجهادي الإستراتيجي، ويحلل أعمال منظّريه وقادته.
أما الفصل السادس (استمعوا إلينا، وليس عنّا)، فيبحث في تنفيذ برنامج الدعوة الخاص بـ«جماعة أنصار الشريعة»، وفي الهيكل التنظيمي للبرنامج والأنشطة التبشيرية والخدمات الاجتماعية والتواصل ومنهج نشر أيديولوجيته وتشكيل سردياته.
يبحث الفصل السابع (يمكن العثور على التوانسة في كل أرض الجهاد) في الجوانب الأكثر خسّة في الجماعة التي قادت إلى تصنيفها تنظيماً إرهابياً.
الفصل الثامن (التوانسة شكلوا معظم المتورطين في التكفير) مخصّص للشبكات المتغيرة بعد تسمية الجماعة تنظيماً إرهابياً، وكيف استطاع تنظيم إبراهيم البدري المنتحر، المسمّى الدولة الإسلامية، الاستفادة من البيئة المتغيرة لتجنيد الأفراد للانضمام إليه في العراق وسوريا.
يقدم الفصل التاسع (على الصادقين من أهل الدعوة القدوم إلى الشام) استكشافاً متعمقاً لتعبئة المقاتلين الأجانب التونسيين لتنظيم إبراهيم البدري في العراق وسوريا، ويستكشف بالتفصيل نقاط بيانات إحصائية مختلفة حول التدفق ودوافع الانضمام وما فعلوه أثناء وجودهم مع تنظيم البدري (بمن في ذلك النساء)، وكيفية تأثير ذلك في مستقبل الجماعة.
ينظر الفصلان الأخيران («نحن هنا لحمايتكم من الحكومة الكافرة» و«مستقبل الحركة الجهادية في تونس») إلى تطور الأحداث في تونس بعد تحديد الجماعة تنظيماً إرهابياً وكيفية تمكّن «داعش» من التسلل إلى «كتيبة عقبة بن نافع»، وكيف تم بناء شبكة داعش المجاورة في ليبيا، وكيف خلق ذلك بيئة ملاذ آمن للعمليات الخارجية مرة أخرى في تونس، والتي أدت إلى هجمات جماعية في عام 2015 في تونس وسوسة. ثم يسلط الضوء على ردّ فعل الحكومة التونسية على هذا التحدي، وأسباب عجز جماعة «الكتيبة» عن الإفادة من هزائم «داعش» في العراق وليبيا وسوريا وتونس، وماذا يعني ذلك لمستقبل الحركة.
فلنتذكر هنا قول ابن تونس، العلامة الفذّ ابن خلدون، (ابن خَلدون هو عبد الرحمن بن محمد ابن خَلدون أبو زيد ولي الدين الحضرمي الإشبيلي (1332-1406 ت ش) المتخرّج في جامعة الزيتونة ومؤسس علم الاجتماع الحديث): «ابتلينا بقوم يظنون أن الله لم يهد غيرهم»، و«إذا دخل في المرء أمسك به». يحوي المؤلف خرائط عديدة، إضافة إلى قواعد بيانات وجداول قيمة.

* Your Sons Are at Your Service: Tunisia›s Missionaries of Jihad- Columbia University Press 2020