كلما فرغ الحارس بوخبزة من التزاماته أتى إليّ؛ وبينما أنا مشغول بإصلاح أحذية زبائني وترقيعها، يجلس هو على الدكّة إلى جانبي. وما إن يبسط أمامه رجليه الطويلتين اللتين تشبهان زوج الأعواد الصينية التي تُستعمل في الأكل حتى ينطلق يروي لي جملة سخافاته أو حكاياته العجيبة التي لا تنضب، مدّعياً أنه جاب الأصقاع والأمصار كلها. وهو منذ عهدته حارساً لفيلا السيدة فوفا، وكان قد بدأ الخدمة فيها كما أشهد، منذ سنين طويلة نسيت عدّها، لم تكن له من عادة غير الجلوس إلى جانبي، فلا يكاد يفارقني إلا لشغل أو لضرورة، كأن تمنحه السيدة قائمة بالمشتريات، وتلزمه باقتناء ما جاء فيها من حاجات، والعودة بها إلى البيت، حتى إذا فعل وجدها في انتظاره.

يخبرني كيف تقابله السيدة، وقد شبكت يديها في زنّارها، مثيرة لديه حنقاً، يجاهد كل مرّة في كبته، فلا يعلنه. وإن كنت أدري، وبحكم معرفتي الوثيقة به أنه سيستنفد قريباً كل قدرة له على التحمل، فلا يعود يستوعب المزيد من وجع الدماغ. وحقاً، بدأت أقلق بشأنه لما لاحظته عليه في الآونة الأخيرة من توتر وإرهاق، تكشف عنه الأنفاس التي يطلقها، وما يعقبها من لهاث. وأخشى أن يرتكب في النهاية، جناية يُلوّث بها يديه، في حق هذه القذارة التي تدفع له كل أوّل شهر راتباً ضحلاً يشبه الصدقة، وبالكاد يُخرس تذمره لأيام معدودة.
كلما أفرد أمامها أكياساً لا حصر لها، مملوءة باللحوم على كافة أشكالها وأنواعها، وبمختلف صنوف الفاكهة المستوردة، وبالخضروات الموسمية، والناضجة في غير موسمها، وبالعجائن والمصبرات، والمطهرات ومواد الغسيل والتلميع، وبالحلويات يحرص على اقتنائها، وكما أوصى، من محلات مشهورة في المدينة، معروفة بأسعارها الغالية، فلا يطرقها إلا علية القوم، ودون أن ينسى معلبات من نوع خاص هي طعام للكلاب والقطط، ويظهر أن السيدة تربي عدداً منها، لتملأ عليها أوقات فراغها وتسليها، فلا تشرد أو تقنط أو تفكر في الخيانة إذا ما جالت بخاطرها؛ إلا ووجدها تهتف فيه: ـ أنت، عليك أن تنتظر. لا يمكنك الانصراف الآن!

لَافَابْ [فرنسا]: «الحارس الليلي» (رسمة رقمية، 2018)

تستبطئه، حتى تَفرَغ من عد كل ما أحضره ولم يحضره، كما لا يفوتها أن تتفقد الفواتير، وصلاحية وجودة كل منتج، ومحاسبته بعد ذلك حساباً عسيراً على كل دينار أنفقه، كاشفةً عن طينة من البخل فظيعة، مدعيةً أمامه أن ما تقوم به دافعه الحرص، فلا أحد يُحِب أن يُسرقَ، وليحمد الله أنه رفيع هزيل ومكدود، وإلا فإنها جاهزة لتتهمه، في سفالة غير مستبعدة، بأنه يودع جوفه بعض ما يشتريه.
رغم كل ما يؤديه لها، لا يمكنها أن تبدو راضية. وأنفاسها الحانقة والمتأففة خير دليل على ما يعتلج في دواخلها. ويظهر أنه لن يهنأ لها بال حتى تقع على دليل دامغ يُدِينه ويُعرِّيه، وإلا فستضطر أن تختلقه اختلاقاً، فلا أحد برأيها شريف، أو يجب أن يكون شريفاً.
أخبرتُه مرّة بما يجهله. قلتُ له: ـ واضح أنك لم تستوعب إشارات تبدلها لك، وحينها لا بد أن تكون جهامة المرأة مبرّرة! ـ وماذا أفعل لها مثلاً؟ ـ وكأنك تحتاج لأن أخبرك!
في وقفته، لحظتها، بدا مزروعاً بالشك؛ لكن أيضاً، أعترفُ أني استطعت أن أضيء أحلاماً لديه.
كان متى عاد وجلس على الدكّة من جديد، بدأ حكايته من حيث انتهى منها أوّل مرّة. لم يكن نَسَّاءً، فلا يكاد يفقد خيط حكاياته أبداً. والأدهى أني كلما أمعنُ النظر إلى عينيه أجدهما ضاجتين بالحياة، ممتلئتين بالرغبة. وأستوعب أنّ ما يرويه لي لم يكن من باب الادعاء أو تزجية للوقت، وأحدث نفسي أنه يعيش ما يحكيه وإن بنحو مختلف، وليس ببعيد أنّ ذلك يساعده في تجاوز محنته، ووقع أيامه الرتيبة والمملة، والكآبة التي تفرض نفسها عليه، والمعاناة التي تأسره داخل سراديبها المعتمة، لا تسمح له بالخروج، ما دام يعيل أسرة طويلة عريضة لا نهاية لعدد أفواهها.
في الواقع، ما يزعجني منه، ليس شطحات حكاياته التي يبرع في سردها كل مرّة بلون مختلف، مُزيّناً لي ما يظل خافياً، وكاشفاً الحجاب عن زوايا معتمة، وتفاصيل يكون قد أسقطها سابقاً نسياناً أو إهمالاً، ويعتقد أنه قد آن أوان الكشف عنها، حتى يكاد يغريني في الوقوع في حبائله وتصديقها؛ بل حين يقطع كلامه فجأة، متحججاً بسعال عميق يصيبه على حين غرّة؛ فإذا توقف مجبراً عن رواية ما هو بصدده لأخذ بعض الأنفاس، لا بد أن يسألني بعدها أن أناوله سيجارة.
أرد مغتاظاً: ـ ليس معي.
يؤكد في خبث وبمكر: ـ إنك تحشرها في جيب سترتك الداخلي.
ـ هل تراقبني؟
ـ لا. لكنك معتاد على وضعها هناك.
ـ وليكن. هذه المرّة أنا دون سجائر.
ـ يستحيل..
ـ لماذا يستحيل؟
ـ لأنك مثلي لا تستطيع أن تبقى دون تدخين.
ـ لكنك تبقى دون سجائر، ولا تقتنيها أبداً!
ـ من قال؟
ـ أنا..
ـ وكأنك تعرفني!
ـ لقد عاشرتك بما يسمح.
ـ لكنك لا تعرفني.
ـ ربما. كما تشاء إذن؛ لكن حقاً ليس معي أي سيجارة.
ـ واضح أنه لا يرضيك إلا أن تكون مثلهم!
ـ من هؤلاء؟
ـ أولئك الذين أعمل عندهم. ألا ترى كيف يعاملونني؟
ـ لهذا يقع عليَّ أنا الحمل كله!
ـ لا يجب أن ترى الأمور كذلك.
كلما رفضت طلبه اضطرَ إلى مخاطبة نخوتي. حينها أتضامن معه، فلا أرده، إذ لا ضير من سيجارة ناقصة.

(*) القصّة من مجموعة قصصيَّة بعنوان «بطعم الفانيليا»، تصدر قريباً عن «دار أجنحة/ الجزائر» و«دار فضاءات/ الأردن».
(**) الجزائر

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا