كنت أحلق ذقني وأردّد ما يخطر على بالي من كلمات حين فتح لاجئ من أفغانستان باب غرفتي وقال: ــ ما هذا الشعر العذب الذي تنشده؟ أين تعلمت لغة الداري؟ ــ أنا أهذي فقط، أردّد أصواتاً بلا معنى.

ابتسم كأنّه لم يصدق ما قلته وأغلق الباب.
بعد لحظات عدت لأردّد أصواتاً أخرى، ففتح لاجئ آخر من فيتنام الباب وهتف بي: ــ يا للجمال، كيف حفظت كلمات هذه الأغنية؟ إنها أشهر ما يغنيه العشاق في هانوي الآن. ــ هذه ليست أغنية يا هَانْ هَايْ، إنها أصوات ينطقها لساني بدون قصد.
استدار وهو يغمغم تاركاً الباب موارباً.
أكملت حلاقة ذقني وحين ذهبت إلى الحمام الذي يجاور غرفتي، عدت لأهذي بدون أن أعرف لماذا.
طرق أحدهم باب الحمام فصرخت: ــ من أنت وماذا تريد؟ ردَّ عليَّ كينو الغيني بصوته الأجش: ــ من علَّمك تعازيمنا السحرية يا هذا؟ لا أحد من خارج قبيلتنا يعرفها، نحن نردّدها في طقوسنا وصلواتنا فقط. ــ إنني أتكلم مع نفسي يا عزيزي ولا أدري ماذا أقول. ــ ولكنني فهمت كل ما نطقتَ به، كأنني أصغي إلى فردٍ من قبيلتنا.

لين هانغ ـ هسين ـ «بابل» (زيت وأكريليك على خشب ــــ 2011)

حين خرجت من الحمام، قال لي تيبو الأربعيني النحيل ذو اللحية البيضاء، والقادم من بوليفيا: ــ أكنت أنت من يترنم بتلك الأنشودة باللغة الآيمرية؟ إنها أنشودة الفلاحين عند سفوح جبال الأنديز.
نظرت إليه ولم أقل شيئاً، فكّرت أن الجميع يتآمرون عليَّ ويحاولون أن يسخروا مني، لسببٍ لا أعرفه.
وقفت أمام المرآة في غرفتي وبدأت أتكلم بصوت خافت، كلماتي هي نفسها بلا تغيير وكذلك الأصوات التي أنطقها، فلماذا يفسرها الآخرون كما يشاؤون.
ارتديت ملابسي وذهبت إلى المطعم. رأيت أصدقائي الصينيين يجلسون كالعادة متقابلين على مائدة واحدة، يأكلون الخبز المنقوع في عصيدة الشوفان ويرتشفون الحليب في صمت.
جلست على مائدتهم ووضعت طبقي أمامي.
التفت إليَّ كبيرهم كو يوان وزمَّ شفتيه، اعتقدت أنه يقصد: ــ لماذا تجلس أمام طبقك بدون أن تأكل؟ فقلت: ــ لم تزل العصيدة ساخنة، سأنتظر حتى تبرد.
رفعوا أعينهم جميعاً عن أطباقهم ونظروا إليَّ فأضفت: ــ أنا جائع ولكنني لا أريد أن أحرق فمي.
وضعوا ملاعقهم جانباً وضحكوا ثم خاطبني كو يوان: ــ لا يهمني أنك ستأكل أو لا تأكل، أخبرني بصدق أين تعلمت لغة الهان؟
وقال سون بِنْ الذي يجلس على يمينه: ــ أنت تنطقها بلسان فصيح كأنك صيني.
واصلوا ضحكهم بينما تركت طبقي ونهضت، فكَّرت أن أعود ثانية إلى غرفتي وأغلق الباب ولا أتكلم مع أحد.
عند باب المطعم، رأيت أنيتا السويدية موظفة الاستقبال ومعها مساعدها المغربي سليمان، حدقت في وجهي كأنها تبحث عن شيءٍ ما ثم همهمت: ــ يبدو أن ورم ضرسك قد اختفى.
أضافت وهي تشير إلى نهاية الممر: ــ ومع ذلك، تعال معي إلى غرفتي لكي أهيئ لك استمارة التحويل إلى المستوصف.
وبدلَ أن أقول لها إنني لا أشكو لا من ألم الضرس ولا من سواه وأنها ربما خلطت بيني وبين نزيل آخر في هذا الملجأ الكئيب طفقت أتحدث بانفعال وبجمل مرتبكة ومشوشة عما يحدث لي منذ ساعة.
التمعت عيناها البنفسجيتان الواسعتان وسألتني وهي تبتسم: ــ أين تعلمت السويدية أيها العراقي الظريف؟ كيف تنطقها هكذا؟ لقد قلت لي قبل أيام أنك لا تعرف سوى بعض الإنكليزية.
قلت بصوت متهدج: ــ أهذا معقول يا أنيتا؟ أتحاولين أنت أيضاً أن تسخري مني؟
مدَّ سليمان عنقه من خلفها وتمتم: ــ يا لمفاجآتك التي لا تنتهي، وها أنت تتكلم الأمازيغية كأنك جئت من قرية نائية في الصحراء المغربية.
واصلت التحديق في وجهيهما حائراً، لم أعرف بماذا أردّ، كيف أعبِّر عن خيبتي وألمي، ثم استدرت واتجهت نحو باب البناية.
سرت لبضع دقائق في الشارع الذي يؤدي إلى الغابة، وحين نظرت إلى أعلى رأيت هدهداً يحلِّق فوق رأسي، ظلَّ يرتفع وينخفض قبل أن يسألني: ــ إلى أين ستذهب أيها الإنسان؟ ــ لا أدري، سأواصل السير في مسالك الغابة وأحراشها حتى أتخلّص من حزني وغضبي.
وسألتني شجرة صنوبر كنت أمر في ظلالها: ــ ما الذي يحزنك أو يغضبك؟ ــ لا أفهم ما الذي يحدث لي منذ أن استيقظت، لعلّي جننت، أنا أتكلم مع كلّ من أراه بلسانه وأفهم ما يقوله لي، ولكنني لا أعرف الآن أي لسان منها هو لساني الذي كنت أتكلم به من قبل.
ثم سألتني زهرة برية قرب الشجرة إلى متى سأبقى في الغابة، فرددت عليها بما لا أتذكره، وسألني أرنب سؤالاً آخر فرددت عليه بكلامه، وحرَّض ذلك سنجاباً ليضحك على لكنتي قائلاً: ــ إنها اللكنة نفسها التي تنطقها البطاريق في شرق ألاسكا.
اعترض لقلق عجوز وتمتم: ــ بل إنها تشبه الأصوات اللامفهومة التي تنطقها أسماك الترويت في نهر العاصي لتحذِّر صغارها من الوقوع في شباك الصيادين.
وتردّدت في الهواء الذي حلَّقت فيه، كأنني لم أكن على الأرض يوماً، كلمات وهمهمات ودمدمات وهمسات واختلاجات لا حصر لها، لم أحفل بها ولم أرد عليها، لا أدري لماذا، هل لأن لساني قد انعقد؟ أم لأنني لم أجد جدوى من الرد؟

* العراق/ فنلندا