ترجمة: يوسف علي


- «أنت شخص مؤمن لكي تفتح فمك بالمقام الأول». قال إيتزي، «من أجل ماذا تفتح فمك كلّ هذا الوقت؟».
- «لم أبدأ الحديث مطلقاً في ذلك الأمر إيتز»، قال أوزي.
- «على أي حال، ما الذي يهمك من المسيح؟».
-«لم أذكر المسيح، هو فعل ذلك، لم أكن أصلاً أعلم عمّا كان يتحدث، المسيح شخصية تاريخية، لقد ظل يكرّر، المسيح شخصية تاريخية». قلّد أوزي صوت الحاخام بايندر الغليظ.
- «المسيح عاش مثلي ومثلك»، أكمل أوزي، «هذا ما قاله الحاخام بايندر».
- «نعم... وماذا في ذلك، ما الذي يهمني في معرفة ما إذا كان المسيح قد عاش أو لا، ولماذا تفتح فمك للحديث في ذلك الأمر؟!»، كان إيتز ليبرمان يفضل السكوت، خصوصاً حين يتعلق الأمر بأسئلة أوزي فريدمان. لقد قابلت السيدة فريدمان الحاخام مرتين من قبل بسبب أسئلة أوزي، ويوم الأربعاء المقبل، عند الرابعة والنصف، سيكون لقاؤهما الثالث. كذلك فإن إيتزي يفضّل أن يدع أمه في المطبخ، يرتاح أكثر للحاشية الخلفية، الإيماءات والوجوه المختلفة والزمجرات وكل تلك الضوضاء الخاصة بالحظيرة.
- «لقد كان شخصاً صادقاً، لكنه لم يكن الرب، ونحن لا نؤمن به». كان أوزي يشرح لإتزي موقف الحاخام من تلك القضية، لأنه غاب عن المدرسة العبرية ظهر أمس.
- «الكاثوليك»، استطرد إيتزي «يؤمنون بالمسيح ويؤمنون بأنه الرب». استعمل إيتزي لفظة الكاثوليك بمعناها الأوسع لكي تشمل البروتستانت أيضاً. استقبل أوزي كلامه بهزة خفيفة من رأسه، لأنه رآها ملحوظة هامشية، ثم أكمل.
- «أمه مريم، وأبوه على الأرجح هو يوسف»، قال أوزي. «لكن العهد الجديد يقول إن أباه الحقيقي هو الرب».
- «أبوه الحقيقي؟».
- «نعم»، قال أوزي، «هذا هو الأمر المهم، من المفترض أن يكون أبوه هو الرب».
- «هراء».
- «هذا ما يقوله الحاخام، يقول إن ذلك مستحيل...».
- «بالطبع، هذا مستحيل، كل ذلك هراء، لكي تنجب عليك أن تضاجع». أوضح إيتز كلامه أكثر. «كان على مريم أن تتزوج».
- «هذا ما يقوله بايندر: «طريقة المرأة الوحيدة للإنجاب هي القيام بعلاقة حميمية مع رجل»».
- «هو قال ذلك، أوز؟». لوهلة، بدا إيتزي كما لو أنه وضع سؤاله اللاهوتي جانباً. «هل قال ذلك، علاقة حميمية؟»، ارتسمت ابتسامة صغيرة على الجهة السفلية من وجه إيتزي كشارب وردي. «وماذا فعلتم يا أوز، هل ضحكتم أو قمتم بأي شيء؟».
- «رفعت يدي».
- «آها... وماذا قلت؟».
- «عندها سألته السؤال».
أضيء وجه إيتزي كما لو كانت هناك يراعة في الخلف. «عمّ سألته؟ عن العلاقة الحميمية؟».
- «لا، سألته عن الله، كيف أنه استطاع خلق الجنة والأرض في ستة أيام، وخلق كل تلك الأسماك والحيوانات والنور، النور تحديداً؛ ذلك ما يلفت انتباهي دائماً، أنه تمكن من خلق النور. خلق الحيوانات والأسماك، وهذا مذهل!».
- «حقاً هذا أمر رائع». كان إعجاب إيتزي صادقاً، لكنه كان يفتقر إلى الخيال، وكأن الله قد أنزل على رأسه ضربة للتو.
- «لكنه خلق النور... أقصد حينما تفكر في الأمر، إنه حقاً شيء عظيم»، قال أوزي. «بأي حال، لقد سألت بايندر إن كان الله قادراً على خلق كل ذلك في ستة أيام، وإن كان قد استطاع أن يختار الأيام الستة التي أرادها من اللاشيء، فلماذا لا يكون قادراً على جعل امرأة تحصل على طفل بلا علاقة حميمية؟».
- «قلت علاقة حميمية، أوز، أمام الحاخام؟».
- «نعم».
- «في الصف؟».
- «نعم».
ضرب إيتزي جبهته.
- «أقصد، بلا مزاح»، قال أوزي «هذا لا شيء مقارنة بما ذكرته مسبقاً، سيكون لا شيء فعلياً».
- توقّف إيتزي للحظة. «وماذا قال الحاخام؟».
- «بدأ يشرح مجدداً كيف أن المسيح كان شخصية تاريخية وكيف أنه عاش مثلي ومثلك، لكنه لم يكن الرب. لذا قلت له إنني فهمت ذلك. وإن ما أردت معرفته يختلف عن هذا».
ما يريد أوزي معرفته كان دائماً مختلفاً. في المرة الأولى أراد أن يعرف لماذا يطلق الحاخام بايندر لقب «شعب الله المختار» على اليهود، إذا كان إعلان الاستقلال قد أقرّ المساواة بين الجميع. حاول الحاخام بايندر أن يشرح له الفارق بين المساواة السياسية والشرعية الروحية، لكن ما أراد أوزي معرفته، كما أصرّ بشدّة، كان مختلفاً. كانت تلك المرة الأولى التي اضطرت فيها أمه إلى القدوم.
بعدها جاءت حادثة سقوط الطائرة في لا غارديا، وتوفي خمسة وثمانون شخصاً. ولدى التدقيق بقائمة الضحايا في الجريدة، اكتشفت أمه وجود ثمانية أسماء يهودية (جدّته اكتشفت تسعة لأنها اعتبرت موللر اسماً يهودياً)؛ وبسبب هؤلاء عدّت الأم ما حدث «مأساة حقيقية». خلال جلسة نقاش حرّ الأربعاء، لفت أوزي انتباه بايندر إلى مسألة «بعض أقربائه» الذين يركّزون دائماً على الأسماء اليهوديّة. أخذ الحاخام يشرح مصطلح الوحدة الثقافية ومفاهيم أخرى كثيرة، حين نهض أوزي مرة أخرى من مقعده، قائلاً إن ما أراد معرفته يختلف تماماً. وهنا أصرّ الحاخام بايندر على أن يجلس أوزي مكانه من دون أن يجيبه، وحينها صرخ أوزي قائلاً إنه يتمنى لو كان الضحايا الخمس والثمانون كلّهم من اليهود. كانت تلك المرة الثانية التي أتت فيها أمه لمقابلة الحاخام.
- «وظل يشرح كيف أن المسيح مجرّد شخصية تاريخية، وبقيت أسأله. من دون مبالغة يا إيتز، لقد كان يحاول أن يجعلني أبدو غبياً».
- «وماذا فعل في النهاية؟».
- «راح يصرخ في النهاية أنني أتعمد فعل ذلك. أنني أتعمّد أن أبدو بسيط العقل خلافاً لذكائي. لذا، فقد كان على أمي أن تحضر. وستكون تلك المرة الأخيرة، ولن تقام لي حفلة «بار ميتسفا»(1)، إن استطاع أن يقرر ذلك. ثم بدأ يا إيتز في الحديث كتمثال جامد بصوت بطيء وعميق، قائلاً إنّ من الأفضل لي أن أعيد التفكير في ما قلته عن الرب».
مال أوزي بجسده ناحية إيتزي. «إيتز، ظللت لساعة عصيبة أفكر في الأمر، والآن أنا على قناعة كاملة بأن الله بإمكانه أن يفعل ذلك».
قرر أوزي أن يعترف لأمه بمخالفته الأخيرة ما إن تعود من العمل. لكنه كان مساء جمعة في تشرين الثاني، وكانت العتمة قد حلّت، وحينما اجتازت السيدة فريدمان الباب، ثنت معطفها وقبّلت أوزي على خده ثم اتجهت نحو طاولة المطبخ لتشعل الشمعات الصفر الثلاث، اثنتان ليوم السبت، وواحدة لوالد أوزي.
عندما تضيء أمه الشمعات، فإنها تحرك ذراعيها نحو جسدها ببطء تاركة إياهما للريح، كأنها تحاول إقناع هؤلاء الذين يقفون في منتصف الطريق. وهنا تغرورق عيناها بالدموع. تذكّر أوزي أنه حتى حينما كان والده لا يزال موجوداً، كانت عيناها تدمعان بالطريقة نفسها. لذا، لم يكن الأمر يتعلّق بموته بقدر ما كان يتعلّق بإضاءة الشموع نفسها.
ما إن لامس عود الثقاب المشتعل شمعة السبت، حتى رنّ جرس الهاتف. قام أوزي الذي كان يقف على بعد خطوات منه، بفصله عن التيار وضمه إلى صدره. حين أشعلت أمه الشمعة، شعر أوزي بأنه لا يجب أن يكون هنالك أي ضوضاء. حتى صوت الأنفاس، إن كان بإمكانه التحكم به لفعلها. ضغط أوزي الهاتف مرة أخرى نحو صدره وهو يشاهد أمه، وأحسّ بالدموع تنهمر من عينيه. كانت أمه امرأة مستديرة، بشعر رمادي، يبدو عليها الإرهاق، في حين أن جلدها الرمادي يشعر بشدة الجاذبية، ويحمل ثقل ماضيها. حتى حين تكون مرتدية ملابسها كاملة، فإنها تبدو كـ «شخص مختار»، وما إن كانت تشعل الشموع حتى كانت تبدو في هيئة أسمى؛ سيدة تعلم أن الله بإمكانه فعل أي شيء.
انتهت الأم بعد بضع دقائق غامضة. أعاد أوزي الهاتف إلى مكانه، وذهب ناحية طاولة المطبخ، حيث كانت قد بدأت تحضر المقعدين لوجبة سبت تكفي لأربعة أشخاص. أخبرها بأن عليها أن تقابل الحاخام بايندر عند الرابعة والنصف من يوم الأربعاء المقبل، قبل أن يذكر لها السبب، ولأوّل مرّة خلال حياتهما معاً، صفعت أوزي على وجهه.
أمام الكبدة المقطعة، وشوربة الدجاج، بكى أوزي، ولم يكن لديه أي شهية للأكل.

(1): احتفال يهودي ديني يقام للشباب لدى بلوغهم الثالثة عشرة من أعمارهم، أي السنّ التي يصبحون فيها مكلَّفين أداء الفرائض الدينية وفقاً للشريعة اليهودية.

* هذا مقطع مجتزأ من قصّة طويلة بعنوان «تحويل اليهود» للروائي الأميركي فيليب روث (1933 ــ 2018). نشر روث قصّته للمرّة الأولى في «باريس ريفيو أوف بوكس»، قبل أن يضمّها لاحقاً إلى باكورته القصصيّة «وداعاً كولومبوس» (1959) التي حقّقت نجاحاً، واحتفاءً نقديّاً بالصوت الأصيل لقصص الكاتب الذي لم يكن قد تجاوز السادسة والعشرين من عمره حين نال «جائزة الكتاب الوطني» لدى صدور مجموعته المذكورة. ظلّ روث طوال حياته يتهرّب من التصنيفات العرقية والدينية للأدب كـ«الأدب الأميركي الأسود»، و«الأدب الأميركي اليهودي»، لأنها كانت - برأيه - تخدم «غايات سياسية». كأن روث كان يرمي إلى حماية تجربته الأدبية (24 رواية) التي شكّلت جزءاً أساسياً من الوعي الأدبي الأميركي خلال النصف الثاني من القرن العشرين. رغم ذلك، لم تجنّبه نظرته الساخرة والعبثية إلى حياة اليهودي في أميركا من اتهامات بـ «معاداة السامية»، و«اليهودي الكاره لذاته».