الأولى نحاتة والثانية كاتبة؛ الأولى اسمها كاميل والثانية اسمها زيلدا؛ الأولى أحبّت نحاتاً كبيراً هو رودان والثانية أحبّت روائياً كبيراً هو فيتزجيرالد، فكان حبّهما الكبير قاتلاً لموهبتهما الكبيرة.

الأولى فرنسية والثانية أميركية، كلتاهما شقيقة لروحي، كلتاهما بلا كلل تتجوّل بتعب في عقلي وتعيث جمالاً في قلبي منذ أشهر
عديدة.
كلتاهما أنا بشكل ما أو بآخر، كلتاهما تعرضت للخداع وذاقت مرارة التخلي، كلتاهما أحبت بكلّ طاقة الحبّ على الحبّ، فانكسرت الطاقة وتحطّم الحطام على الحطام، كلتاهما استُخدمت كملهمة ثم ألقيت على قارعة الوقت؛ كلتاهما تعرضت إبداعاتها للسرقة من المحبوبَين الشهيرَين.

«القُبْلَة» لأوغوست رودان (نحت على الرخام، 1889)

فقد شاركت كاميل في نحت المنحوتة الشهيرة «القبلة»، لكنّ المنحوتة عرفت كعمل عبقري لرودان، وسرق فيتزجيرالد بعض شخصيات وأفكار ومواقف كتابات زيلدا، وكشف عن ذلك بعد سنوات طويلة من رحيل زيلدا في العام 1948.
كلتاهما ماتت في المصحّة بعد سنوات طويلة من الحجز، كلتاهما ماتت في الأربعينيات من القرن الماضي، الأولى بسبب حريق في المصحّة، والثانية بسبب حريق آخر اسمه الهرم. كلتاهما نُسيت هناك، في المصحّة.
شقيق كاميل، وهو الشاعر الشهير بول كلوديل، خجل من وجود شقيقته هناك، وزارها ثلاث عشرة مرة، فقط، خلال ثلاثين عاماً. كلتاهما لم تعرف الأخرى، ولم تلتقِيا جسداً، لكنّ روحيهما التقتا في السماء بعد ذوبان الجسد في حريقي المصحة والشيخوخة، وتبادلتا الخيبة والألم والمعلومات.
ضحكتا كثيراً حين عرفتا أن الناس في بلادهما كانوا يسمونهما: المعتوهتين. يا للصدفة المعتوهة! بالصلصال والشمع والرخام نحتت كاميل منحوتاتها، التي كانت تعرض في معرض رودان، وكأنها جزء من عالمه وذهنه، لم تكن كاميل تتألم أو حتى تنتبه إلى ذلك ما دام محبوبها العجوز رودان الذي يكبرها بربع قرن يحبّها وينتبه إليها.
زيلدا كتبت القصص والروايات واليوميات، وكان محبوبها الروائي الوسيم السكّير الشهير يسطو على عالمها، ينهب الفكرة والشخصية والكلمات، وكانت هي تسكت؛ أليس عالمهما واحداً، وجسداهما واحداً وذهناهما واحداً!؟ فما دام يحبها فكل شيء يذوب في مهب الحب. فيما بعد وهي تذوي في المصحة، تذكرت زيلدا كيف كانت طيبةً بإفراط لا لزوم له، لكنها كانت تذكرت، أيضاً، أنّ الحب هو العُته الجميل بإفراط الذي له كل اللزوم، حين يندلع.
زيلدا وكاميل، أجمل معتوهتين في العالم، أعرفهما كما أعرف زميلتين ثانويتين، لي معهما ذكريات، ولهما معي أسرار، أحببتهما كأختين وعشقتهما كامرأتين، وأعجبت بهما كفنانة وككاتبة، وأمضيت ليالي شاتماً النحات والروائي، اللذين ضحكا عليهما واستهلكاهما جسداً وإلهاماً لموضوعات وأفكار، وباعوهما للنسيان. كرهت الحب: مدمر المواهب.
امرأتان في عقلي، امرأتان في مصحة عقلية، لا تتعبان من التجوال في أروقة روحي أنا الذي ولدت بعد رحيلهما بعشرين عاماً تقريباً.
في معرض رودان، ربيع العام 1998، بينما كنت أتجوّل هناك، مبهوراً ومسحوقاً أمام جمال منحوتة «القبلة» الشهيرة لرودان، كنت أرى من دون أن يرى معي أحد صوت كاميل وهو يهب في عينيّ: زياد، انتبه ليديّ، هل تراهما؟ انظر، كم أنا أجمل المعتوهات. غرقت قبل أسابيع في رواية «غاتسبي العظيم» لفيتزجيرالد، وهو غرق ثالث، كنت أشمّ صوت زيلدا وهو يمشي باتجاهي واهناً قائلاً: يا زياد، بارك رائحتي المسروقة هنا وتحسّس خرس حبري.
امرأتان في العقل، امرأتان في الجمال المعتوه. امرأتان في الحب الساحق والمسحوق.

*فلسطين