الزبد

أيها الوعد المتغضّن،
وتلك الأقمار التي تُعفّر وجهها في عمولات الدّم،
فيمَ تنفعك شهادة يائس على عصر مظلم؟
أنا لا أرتجف من البرد،
ولكن ثمّة أصوات بالغناء المبحوح المتقطّع
لا أعرف مصدرها
تأخذني من يدي إلى غيوم على نهر ميّت.
سمعتُ من الذين مرُّوا قبلي
ويمّموا شطر السُّدُم الوسنانة
رافعين أصابع نصر مجذومة،
أنّ الكلمة في عصر الطواغيت
ما أكثر شهداءها
حيث أسراب الزمّج
تلعق الخناجر المسمومة،
والزبد المُدْمى
على الشاطئ الحجري
يتهادى بالريش
والكلمات.
أيها الوعد المتغضّن،
يا زهر البحيرات الميتة
في القرن الواحد والعشرين.

استدراك
لو بوسع اليأس أن يبطل اللعبة،
لقال إنّه من اختراع الشعر،
لكن لا وقت له.

احتلال
شجرة الحلم تنوء بالثِّمار:
شاعرٌ مات للتوّ
منتشرٌ في ظلالها.

غربة
يا شجر الممرّ المصمت،
ها ظلال أغصانك تتلوى عليّ
مثل أفاعٍ ومواعيد ضائعة؛
أين يختفي ظلّي،
وأحياناً يتخلى عني؟

تدوير
رأى النور،
وعاش للدخان يكنسه من الداخل،
ثُمّ فغر فاه للموت.

تأتأة
الشّعر الذي تمتمْتَ به
ذات جرح،
لم يلتئم بعد في جملة.

الدالية
أيها الليل،
أين نجد النهار
فنشرب معاً
من دالية العدم؟

رتق
أيها البحر الذي يئنُّ بما فيه،
موجةً وراء موجة،
من يقرأ الكتاب
ويرتق أصل الشهوة؟

نوتة
عندما ألقى بالقصبة في البحر،
تحلّلت أطرافه؛
فالأرجح أنّه سمع
نشيد الغرقى،
وفاض.

حيرة
أيّتها الريح، لا تلعبي بستارة النافذة،
وبالظلال على جدران غرفتي؛
فإنّ أحلامي قد نامَتْ
ولا أعرفُ أنا أيّ طريقٍ أسلك؟

انطفاء
أيتها النجوم،
إلام تلتمعين!
الليل لا عهد له،
والعيون التي حدّقتْ فيك
قد امتلأت بالتراب.

عطش
ماذا بوسعهم أن يصنعوا
أكثر من الذي كتبوا
على زجاج العالم،
وفي نيّتهم أن يشربوا !

استعارة
إذا التّوْبة رغبت في أن تندم،
فمن أين
تستعير الأصابع؟

قصيدة وصوليّة
فَرِحت بالبروفة الأخيرة،
ولم تفكر في الكلمات التي شُطب عليها،
ولا في النّفَس الذي تقطّع إِرْباً إِرْبا.

وفي رواية أخرى
يموت الشاعر،
والقصيدة لم تفرغ بعدُ
من تصحيح بروفاته.

القرين
ما إن يخرج
حتى يلقي نظرَهُ في المرآة
لِصْق الباب؛
يخاف أن تضيع منه قدماه.

منشور سرّي
في مثل هذا الوقت
خرج وحده مالئًا رئتيْهِ بالرايات،
وفي المساء
عاد مع الظلام.

غروب
عندما تشرق الشمس،
إلى أين يذهب الفجر
والشفق
والضباب
والندى
وغناء الزيزان؟

رماد
بقلم الرصاص
كتبوا كلّ شيء بداخلهم
وهو يحترق.

انفعال
أعمى من لم يرَ.
لكن الشاعر منذ أن رأى، وهو أعمى:
إنّه ينتشر ذرّاتٍ
لكي ينفعل الضوء! 

غياب
آه،
أحرقنا إليك
كلّ الأشرعة،
ولم نصل بعد.
أيّتها القصيدة الغائبة!

يأس
رأى أحدهم مخطوطاً
بحرف دقيق وحواشي مزغبة،
فقال: هذا شعرُ مَنْ يَئِس
من طول استغراقه.

برزخ
القبور المعشوشبة 
إنّما لأجسادٍ حملت معها الذكريات؛
فهي تتحلّل
لتزهر حذاءها الأبدية.

صفحة وأخرى...
عندما تذيع ألسنة النّار
في الشعر الموزون،
هل تستجير الكلماتُ بالعَرُوض؟
وجه الصفحة الذي خرّقته إرباً إرباً،
ما ذنب ظهرها؟
الذي يبدأ من الصفحة الرابعة
وينتهي عندها؛
هل يهمُّه سعر الفائدة؟

المغدور
في أيّ مكان
ينزف دم العصفور الذي أهوى
مغدوراً به؟

ملوحة
الدمعة
في عين المرأة
محارة؛
تصّاعد
وهي مالحة.
الدمعة
إذ تتّشح الكحل،
زبرجدة.
الدمعة
ذات الرائحة
تعكس اللباس الداخلي.
التي هبطت
الدمعةُ عيْنُها.

* المغرب