كان أول ما فعلته الغوغاء، إثر الاحتلال الأميركي لبغداد (2003) نهب محتويات «المتحف الوطني العراقي». وحين وصلت دورية أميركية إلى المكان، كان المتحف خاوياً إلا من تمثال نصفي من الرخام يحمل اسم «غيرترود بل/ المدير الأول للمتحف الوطني العراقي». لكن من هي هذه المرأة المجهولة اليوم؟

الروائي البريطاني آلان غولد (1945) وجد في إعادة كتابة سيرة هذه المرأة الاستثنائية التي طواها النسيان في التاريخ الرسمي، بعضاً من الدين المؤجل، وبمعنى آخر إعادتها إلى الحياة، ضمن مشروعه في إزالة الغموض عن النساء المنسيات اللواتي لعبن دوراً مؤثراً في مجتمعاتهن.
في روايته الضخمة والمثيرة «بِل في الصحراء» التي صدرت عام 2012 وانتقلت أخيراً إلى العربية عن «دار الجمل» (ترجمة لمى عمّار) يعود غولد إلى أواخر القرن التاسع عشر، وتحديداً إلى قلعة «ويندسور». نتعرّف إلى شابة أنهت دراستها للتو في «جامعة أوكسفورد»، وهي أول امرأة بريطانية تحصل على إجازة جامعية في التاريخ. هكذا نالت مباركة جلالة الملكة فيكتوريا التي استقبلتها في جناحها الخاص، بعدما أثارتها شخصيتها وجرأتها.

كما حظيت باهتمام رئيس الحكومة الدوق سالزبوري الذي دعاها لتناول الشاي معه في شارع «داونينغ» للاستماع إلى آرائها بحق المرأة في الاقتراع. لم تجد الآنسة غيرترود نفسها في المجتمع المخملي وقيمه السطحيّة، فأدارت ظهرها لفكرة الزواج، عدا بعض المغامرات الرومانسية، إلى أن التحقت بالبعثة الدبلوماسية البريطانية في بوخارست. هناك، أثارها مشهد رجل يرتدي زيّاً بدويّاً، أتى لمقابلة عمها السفير. أتى طالباً مساعدة البريطانيين بالسلاح لاستعادة الحكم من آل الرشيد في شبه الجزيرة العربية. كان هذا الرجل هو عبد الرحمن بن سعود، مما أثار حماسة غيرترود لمعرفة ما يجري في تلك الصحراء البعيدة، خصوصاً أنها سبق أن اطلعت على تاريخ الإمبراطورية العثمانية. بعد ذلك اللقاء العاصف بابن سعود، تعلّمت الآنسة بل اللغة العربية، وسافرت إلى بلاد فارس أولاً، برفقة عمها الذي صار سفيراً لبلاده لدى شاه نصر الدين شاه قاجار، ملك بلاد فارس. وانكبت على قراءة كل ما يتعلّق باللغة الفارسية، وطبائع الصحراء العربية، وأحوال العبودية التي تعيشها المرأة في ظل الأعراف القبلية. ثم انتهت إلى حاجة هذه المنطقة إلى زعيم بمقام صلاح الدين الأيوبي لتوحيدها وتحريرها من الهيمنة العثمانية.
في مطلع القرن العشرين، قررت السفر إلى شبه الجزيرة العربية بقصد كشف كنوز الحضارات المدفونة تحت الرمال، والتعرّف عن كثب إلى تقاليد بلدان الشرق الأوسط: «تعلّمت لغاتهم وجلست بساقين ملتفتين تتدرب على احتساء القهوة وتأكل عيون الغنم مع مشايخ البدو».
هذه الخبرة جعلت الحكومة البريطانية تكلّفها مهمة إعداد تقارير استخباراتية عن الأهمية الاستراتيجية للمنطقة العربية (وجود قناة السويس، واكتشاف النفط). هكذا جمعت أكثر من صفة في شخصيتها، فهي مستشرقة وباحثة أثرية من جهة، وجاسوسة بريطانية من جهةٍ أخرى. صارمة وشهوانية ومغامرة، لطالما انخرطت في مجتمع الرجال غير عابئة بالأعراف المحليّة التي تتحكّم بهذه البيئات المغلقة، سواء في القدس أو دمشق أو القاهرة.


كلفتها الحكومة البريطانية إعداد تقارير عن المنطقة العربية
في الفرات الأعلى، كانت تمتطي ناقتها في صحراء شاسعة مفتوحة على غموض وسحر وكنوز. وفي أحد المواقع الأثرية، تعرّفت إلى شاب بعينين زرقاوين ثاقبتين ووجه نحيل، كان اسمه توماس إدوارد لورنس. لاحقاً، سيلعب هذا الشاب المخنّث دوراً كبيراً في تغيير مصير المنطقة. إذ وجدت غيرترود فيه صلاح الدين الأيوبي الجديد، بعد تعذّر اكتشاف زعيم محلّي، وسوف يشتهر باسم «لورنس العرب». كانت غيرترود قد أحبت العرب، وأحسّت أن من حقهم التحرر من القيد العثماني واستعادة أمجادهم القديمة كأمة، فشجّعت الشريف حسين وابنه فيصل على التمرّد ضد العثمانيين، بمساعدة لورنس، فيما استبعدت ابن سعود عن الواجهة، نظراً لتمسكّه الصارم بالعقيدة الوهابية. لكنها ستلتقي لاحقاً ابنه عبد العزيز بشخصيته المؤثرة، وتقنع الحكومة البريطانية بمساعدته في طرد آل الرشيد من الرياض، فيما سيزحف فيصل بصحبة لورنس نحو دمشق، رغم الصراع المضمر بين فيصل بن الحسين وآل سعود على حكم الأماكن المقدّسة.
على المقلب الآخر، كانت المؤامرات تحاك ضد العرب، إذ ظهر إلى العلن «وعد بلفور» بمنح اليهود دولة في فلسطين، كما اتفق الحليفان البريطاني والفرنسي على تقاسم تركة المريض العثماني (اتفاقية سايكس بيكو)، فطويت أحلام فيصل بن الحسين في أن يحكم سوريا بعدما صارت من حصة فرنسا، فمنحته بريطانيا حكم العراق. هكذا رافقته غيرترود «خاتون» إلى بلاد ما بين النهرين لتأسيس دولة العراق «اختراع البلد الذي من المستحيل أن يُخترع»، ثم ستنشغل هي الأخرى بتأسيس «المتحف الوطني العراقي» وجمع الآثار المنهوبة. وقبل افتتاح المتحف بأيام، اتصل بها الملك واعداً إياها بمفاجأة، لكنها لم تذهب إلى الموعد، إذ فارقت الحياة في صبيحة اليوم نفسه، إثر تناولها حفنة من الحبوب المنوّمة. كانت مفاجأة الملك تمثالاً نصفياً يجسّد صورة غيرترود بل، فأمر بوضعه في مدخل المتحف تخليداً لذكراها. سرد مبهر، كما لو أن آلان غولد يزيح طبقات الرمل عن كنوز التاريخ، فما حدث قبل قرنٍ من اليوم لهذه الخريطة المنكوبة، نعيشه الآن بوقائع مشابهة، وبنسخٍ متعدّدة من «لورنس العرب». أما حلم غيرترود بصلاح الدين آخر، فهو أمر مؤجل..