تستكشف الكاتبة السعودية مضاوي الرشيد في كتابها «الدولة الأكثر ذكورية ـــ المرأة بين السياسة والدين في السعودية» (منشورات الجمل ــ ترجمة صبا قاسم) أحوال المرأة في ظل هزيمة الهاشميين، واندماج الحجاز في المملكة السعودية عام 1925، ما وضع نهايةً للمشروع القومي العربي الإسلامي، الذي لحظ إدخال تعليم النساء في المدارس الرسمية للجمع بين الحداثة والحفاظ على الأصالة الإسلامية.

هُزم هذا المشروع على يد القومية الدينية السعودية البديلة بسبب نغمات وهابية ضيّقة خاصة، وجرى بناء الدولة السعودية عام 1932 كمشروع لاستعادة أمة دينية موحّدة تحت راية الإسلام الوهابي الذي أرسى نوعاً من القومية خاصاً بابن سعود ومشروع علماء بلاده حول تخيّل المملكة كقزمية دينية.
ترى الباحثة والأكاديمية وعالمة الأنثروبولوجيا الاجتماعية أنّ الوهابية مسؤولة عن القيود الكثيرة المفروضة على السعوديات، وتقول إنّ تعاليم الوهابية أخّرت عملية تحررهن وفعاليتهن. فهذه التعاليم هي الأكثر تقييداً وتشدداً ضمن التقاليد الإسلامية الأخرى، فهي المسؤولة عن منع النساء من قيادة السيارة حتى الآن، إلى جانب فصلهن عن الذكور في التعليم والعمل، ووقوعهن تحت وصاية أقاربهن الذكور الذين يسيطرون على حركتهن وزواجهن وعملهن وتعليمهن. يُنسب هذا الإقصاء والتبعية إلى علماء الوهابية وفتاويهم التي تطاول جميع جوانب حياة النساء، من الزواج وانتعال الكعب العالي إلى قيود جدّية خطيرة.

القومية الدينية هي الإطار الذي حدّد دور النساء في السعودية

ترى الكاتبة السعودية أن القومية الدينية هي الإطار الذي حدّد دور النساء في المجتمع، حين استُوليَ عليهن ليصبحن جزءاً أساسياً من التنمية والهوية الوطنية، كذلك حوّلتهن إلى رموز يمثلن كل شيء إلا أنفسهن. توضح أيضاً أنّ بعض السعوديين مُنحوا القليل من الحرية لانتقاد آراء دينية متطرفة والمطالبة بتفسيرات معتدلة بشأن المسائل المرتبطة بحياة النساء، لكنهم مع ذلك لا يتمتعون بحرية التعبير وتوجيه انتقادات مماثلة لمسؤولين رفيعي المستوى أو لمناقشة رؤية الملك فوق صفحات الجرائد الرسمية. وفيما يُكافَأ العلماء الدينيون الذين يقدمون آراء معتدلة، يُنبذ الذين يعارضون سياسات الدولة حول المرأة بل يُقالون أيضاً.
تهميش السعوديات في الحياة العامة قاد النساء إلى الالتفاف على القوانين والتوجه إلى أنشطة «هامشية» كممارسة الأدب في مجتمع أدين فيه الأدب الخيالي، خصوصاً الرواية، باعتباره غريباً، ومنحطاً، ونمطاً مشبوهاً استُورِد من الغرب. وبالنسبة إلى الكاتبات السعوديات، تُعَدّ الرواية أقل صدامية، فالمؤلفة يمكنها أن تتوارى وراء عالم خيالي منبثق من شظايا الواقع وشخصياته، وليس سيرة ذاتية، بغية الهروب من الإدانة بسبب المشاهد واللغة الجريئة.
إن الكلام العام والكتابة العامة (سواء الأعمدة الصحافية والأدبية) تهديد للنظام الديني والبطريركي، وهذه مسألة تطاول التعاليم الوهابية في أصلها وجذرها، وتشكّل تناقضاً وعنصراً مقلقاً. مع ذلك، ظهرت في الستينيات روائيات شابات، غُصن في رواياتهن في الشهوة والجنس والعاطفة، ودمّرن المحرمات التي كانت مرتبطة دوماً بهذه المواضيع. لكنّ الروائية والكاتبة بدرية البشر، تقول إن المواضيع الجنسية الموجودة في الأدب الجديد، لا تساوي هوس المجتمع المفرط بالجنس.
كتاب السعودية مضاوي الرشيد يتوخى التوقف عند الصور المتناقضة للنساء السعوديات، ووضع «قضية المرأة» في سياق أوسع يتجاوز الدين والقبلية، ويأتي على التهميش المستمر للنساء السعوديات، الذي لا مثيل له في العالم الإسلامي، ويحتاج إلى أن يفهم في سياق تاريخي وسياسي. رغم أنّ النزعة الذكورية الراسخة في الأعراف الاجتماعية والثقافية والتقاليد الدينية السائدة، هي عامل مشترك بدرجات متفاوتة بين جميع النساء في العالم الإسلامي، إلا أن تهميش النساء السعوديات دليل على صيرورة تاريخية، تحوّل فيها الدين إلى ايديولوجية قومية دينية للدولة، وهذا ما يجعل متغيرات أخرى أقل إقناعاً من تلقاء نفسها في شرح «قضية المرأة».
أظهر هذا الكتاب أنّ الدولة الأكثر ذكورية تمرّ اليوم في لحظات حرجة وأزمة تاريخية، بسبب عدم مناصرة قضايا النساء. وقد تنجح السعودية الدكتاتورية في احتواء تعبئة النساء على المدى القصير، لكن على المدى الطويل، ستحاول المرأة السعودية تحقيق حلمها في أن تصبح مواطنة كاملة الحقوق. الرحلة طويلة وشاقة، لكن تجب المحاولة ولو في ظل ظروف صعبة على الصعد السياسية والاجتماعية والأخلاقية وسائر المشاكل التي تواجه تلك البقعة من الأرض.