البدايات غامضة، رغم بساطتها. أظن أن اللحظة الفعلية كانت في مطلع عام 1986. خرجت انشقاقاً عن الحياة الحزبية المسلحة، وهرباً من بيروت الحرب. وصلت إلى ليبيريا حاملاً كتباً قليلة، منها مجلدات "دار العودة" الحمراء، لأعمال صلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب ومحمد الماغوط، إضافة إلى ثلاثية عباس بيضون (صيد الأمثال، زوار الشتوة الأولى، مدافن زجاجية) و"قصائد مهربة إلى حبيبتي آسيا" لمحمد علي شمس الدين، و"أعراس" محمود درويش.

غالباً ما كنت أقرأ، أو أدوّن على دفاتر مدرسية خواطري الشعرية الساذجة، أثناء نوبات الحراسة الليلية. هي عتمة الحرب والصمت الرهيب قبل الفجر، قرب تنكة الخشب المشتعل، والكلاشنيكوف الممدّد في حضني... وكتاب أو دفتر بين يديّ. قضيت أيضاً أوقاتاً مديدة في مواقع قتالية خامدة وفي معسكرات وثكنات مرتجلة، أو حتى في غرفة الضجر المنزلي. تلك كانت أوقات القراءات الكبيرة: "الدون الهادئ" لشولوخوف، أعمال دوستويفسكي ونجيب محفوظ... لكن أيضاً مجلات سوبرمان والشياطين 13 والمغامرون الخمسة، وما لا يحضر الآن في ذاكرتي.
في ليبيريا، عرفت أني انتقلت ليس في الجغرافيا فحسب، لكن أيضاً في الزمن وفي تحولات العمر. هي لحظة "تقرير المصير" الشخصي. في سن التاسعة عشرة اتخذت قرارات نهائية: الاستقالة من الحزب، التبرّؤ من السلاح والحرب، امتهان التجارة في أفريقيا كسائر اللبنانيين هناك، عدا عن شغف المراهقة بالقراءة والكتابة.

وصلت إلى ليبيريا حاملاً كتباً قليلة لصلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب ومحمد الماغوط وعباس بيضون

كان هذا بالتوازي مع تحوّل في نمط العيش. اندفعت إلى حياة صاخبة ومفعمة باللهو والمتع المجانية. ففي أفريقيا، على ما يبدو، تطغى الحسية على ما عداها، تغمرك عناصر الطبيعة ومناخاتها الاستوائية، فتنتبه إلى حقيقتك البيولوجية وإلى انعدام المسافة بينك وبين الفضاء الملتهب بألوانه وحرارته وكثافة الهواء والماء والنبات، وتكتشف أقصى تفتحات غرائزك وأقصى استيقاظات حواسك.
كنت أعمل طوال النهار مشرفاً على 18 عتالاً، في مرفأ العاصمة، مونروفيا، يحملون أكياس الأرزّ من العنابر الهائلة إلى الشاحنات، يفرغون السفن من بضائعها طوال عشر ساعات. أخرج معهم مساءً إلى الأسواق، إلى الأكواخ المزينة باللمبات الملونة، المفعمة بالزنخة والقيء والكحول وروائح البول والأنفاس الحادة. أهبهم السجائر وزجاجات البيرة وسندويشات الهوت دوغ، كـ"رجل أبيض طيب". نذهب إلى البارات القذرة والصاخبة بالموسيقى المحلية والهجينة بمؤثرات البلوز والجاز والسول الأميركية، حيث لا فرق بين فتيات المدارس والعاهرات، وحيث كان حضوري مثيراً للدهشة أو الحذر. فلبنانيّو أفريقيا عموماً عنصريون على نحو مختلف تماماً عن عنصرية الغربيين المموّهة غالباً. عنصرية اللبنانيين ليست فقط عرقية، فهي دينية وثقافية وطبقية وعرقية، ومضاف إليها عقد النقص والدونية تجاه "الأبيض الغربي"، تترجم نفسها إمعاناً في العنصرية تجاه الأفارقة، ثأراً ضمنياً من عقدة النقص نفسها. اللبنانيون يسمّون الأفارقة تلقائياً "العبيد". وثمة وسواس متأصل يحكم علاقة اللبنانيين بالأفارقة: النجاسة والطهارة. الأفريقي هو الوسخ، هو مصدر الأوبئة، هو النجس حكماً.
انغمست في الحياة الأفريقية حتى النخاع. كنت كلما عدت إلى منزل عمّي حيث أعيش، كانت زوجته تشتكي أن رائحتي "رائحة العبيد". كان أقربائي ومعارفي اللبنانيون يستنكرون اختلاطي بالليبيريين بلا تحوّط أو تحفظ، بلا وسواس النظافة. بتّ منبوذاً من اللبنانيين، بصيت سيّئ كأزعر سكّير وعربيد.
مع وصولي إلى أفريقيا كانت مراهقتي العاطفية والسياسية قد انتهت. خلال أشهر، سأبدأ بكتابة قصائد طالعة من المرفأ، من العنابر، من الأسواق، من الجنس الرخيص في الفنادق الرخيصة، من العرق والتعب والصخب واللهو، والروائح والرطوبة وسطوع الشمس والوجوه السوداء المشبعة بالفقر والمهانة والألم، والمترعة بالحياة الحسية. كنت خائفاً لأنها قصائد لا تشبه قصائد الكتب التي كانت في حوزتي، وإن كنت أتعلم منها تلك "الحيل" في صنع العبارة، في تأليف جملة مكهربة بالشعر، في مزج الغموض اللفظي بوضوح المعنى، في الاختصار والإيحاء والإشارة والمجاز... كانت تلك هي لحظة "استثمار" تاريخ قراءاتي المبكرة، المبتدئة بالمتنبي وكاسيتات مظفر النواب و"نبي" جبران.
فكرة "الشاعر" راودتني فعلياً أثناء حصار بيروت، عام 1982. كل يوم كانت تصل إلى موقعنا القتالي نشرتا "المعركة" (أصدرها اتحادا الكتاب الفلسطينيين واللبنانيين، على ما أذكر) و"رصيف 81" (علي فودة ورسمي أبو علي وآخرون). نقرأ فيهما نصوصاً وقصائد ملهمة في النضال والصمود ورثاء الشهداء...
طردني عمي من ليبيريا. وصلت إلى بيروت في ربيع عام 1987 بخطة واضحة: لن أكون تاجراً، سأتحول إلى كاتب، أدخل إلى الجامعة، قسم الفلسفة. أبحث عن مهنة مؤقتة. أذهب إلى منزل محمد علي شمس الدين، الذي يحرر صفحة لتقديم المواهب الشعرية في مجلة "الكفاح العربي"، ينشر قصيدتين لي ويكتب تعليقاً مطوّلاً شديد الحماسة، على نحو يذهلني. هذا ما سيدفع أقراني الذين أجهلهم إلى التعرف إليّ. أذهب مرتجفاً ومرعوباً إلى جريدة "السفير" وصفحتها الثقافية المرهوبة والمهيبة. أسلّم محمد علي فرحات ثلاث قصائد على أمل انتقاء واحدة. بعد أيام أسير كالأبله في منتصف الشارع، وسط السيارات، وأنا لا أصدق، متأملاً بسعادة غامرة قصائدي الثلاث معاً في صدر الصفحة. تلك الحادثة، رسمت خياري في الحياة، أن أكتب الشعر وأسعى لأكون صحافياً. بعد أيام قليلة، وبالصدفة، في شارع الحمرا، تلتقطني زهرة حمود، رفيقتي الحزبية السابقة: هل أنت الذي نشروا له تلك القصائد؟ على الفور، تأخذني معها إلى مجلة "صباح الخير"، لأبدأ تجربتي وتدريبي الصحافي. القدر يسير أفضل ممّا خططت له. كل شيء يجري في وقت قياسي.
أقرأ قصيدة "بحيرة المصل" ليحيى جابر. وبلا تردد أبحث عنه. هذا الشخص سيكون صديقي. في اليوم التالي أجده. نجلس معاً وتبدأ علاقة بلا نهاية. في كلية الآداب، في مجلة "صباح الخير"، في مقهى "الويمبي"، وفي حانة "شي أندريه" سأنخرط في حياة ثقافية يومية. أتعرف على أبناء جيلي: شبيب الأمين، زاهي وهبي، إسماعيل الفقيه، اسكندر حبش، فادي أبو خليل، جوزيف عيساوي، بلال خبيز... بل سأذهب إلى جونية لأتعرف على شارل شهوان ووديع سعادة والراحلة صباح خراط زوين. ستنعقد الصداقات الأولى مع بول شاوول والياس خوري ورشيد الضعيف وعباس بيضون وشوقي أبي شقرا ومحمد علي شمس الدين وحسن عبدالله...إلخ، وفي متن تلك اليوميات كان المختبر والتجريب الشعري والقراءات وامتحان مسودات القصائد، وسجال الأفكار والنقد، على نحو متبادل، تأثراً وتأثيراً. كان الترحيب بي بالغاً ومشجعاً، ربما أكثر مما أستحق.
كان الشباب قد أصدروا نشرتَيّ "ميكروب" و"الأخير أولاً". ومعهم سنصدر نشرة "آي". أصوات متعددة، وكل يبحث عن نبرته الخاصة وبصمته الشخصية. الوعي بشرط المغايرة، بالأهمية الجوهرية لمضمون الخطاب الشعري، أن تحمل القصيدة ضمناً حساً بما هو تاريخي وسياسي وثقافي وجمالي، نبهنا إلى مخزون تجربتنا وسِيَرنا وذاكرتنا الشخصية والحزبية والسياسية، نبهنا إلى أثر منابتنا وبيئاتنا المضطربة، والتحولات التي فرضتها الحرب على حيواتنا. لم يكن بمقدورنا أن ننتج ذاك الشعر اللبناني "الراقي" و"النظيف" و"الجميل" و"العسلي". لسنا ببراعة سعيد عقل، ولا بأناقة بول شاوول، ولا بحذاقة شوقي أبي شقرا، ولا بنزق أنسي الحاج ولا بوعورة عباس بيضون ولا بلغوية محمد علي شمس الدين.. ثم إن خروجنا وانشقاقنا جعلانا نمقت تراث الشعر النضالي والسياسي، ونهزأ من دعاوى الأدب "الملتزم". توضحت القناعة، حتى في الشعر، لم نخرج من الحرب وحسب، بل خرجنا عليها، بلا بطولة، بلا أمجاد، وبذاكرة من متاريس ودم وخطايا.
هكذا، تبين لي أن شرعيتي الشعرية لا أستمدها من مدى تشابهها أو تواؤمها مع شعرية الآخرين المكرسة، بل من الإصرار على ما نعرف قوله وعلى ما عشناه واختبرناه، وعلى اللغة التي نأنس إليها، وإن كانت أقل رفعة وبهرجة وبلاغة من الشعراء الذين نحبهم. بشيء من الإدراك والقصد والاستفزاز، كما بكثير من الوقاحة أو ربما "الركاكة" و"الجهل"، كتبت قصائدي عن أفريقيا وعن حياتي اليومية في الحرب وعن أشياء أخرى... لم أتحرج، وزملائي، من تأثيرات لا حصر لها على تقنيات كتاباتنا وعلى ذائقتنا، خصوصاً في الفنون البصرية، كالأفلام والفيديو كليب وموسيقى الروك والبوب، وأيضاً تلك الروايات الغريبة المترجمة (مثلاً، همنغواي وخوان رولفو وماركيز وكاربنتييه...). كان يحيى جابر، المسرحي أولاً، أكثرنا انتباهاً وتحريضاً على ذلك. سيظهر هذا في ما بعد بوصفه ميزة لهذا الجيل! كذلك فإن النثرية المتأتية من اللغة "المستعملة"، الممزقة كالبلد الممزق، كالعمران الممزق... ستكون سمة واضحة.
الترحيب بديوان اسكندر حبش "بورتريه لرجل من معدن"، ثم فوز يحيى جابر في ديوانه "بحيرة المصل" بـ"جائزة يوسف الخال للشعر" (1988)، شجّعاني على أن أرتب مخطوطة "المرقّط" (العنوان مستلهم من جلد النمر الأفريقي، ومن البدلة العسكرية) وأرسلها إلى مسابقة تلك الجائزة بالذات، لأنالها في السنة التالية (1989).

* كتبتُ قصائد ديواني الأول عن أفريقيا وعن حياتي اليومية في الحرب الأهلية