متسلحةً بقدراتها الإنتاجية الاستثنائية، وفي ظلّ انتعاش ملحوظ يُسجّل منذ بداية العام في سوق النفط، تلتقي مجموعة «أوبك+» - وهي تشكيلة من البلدان المنتجة للنفط اجتمعت لدواع استراتيجية أكبر من قدرة المنظمة التاريخية التي تحمل الاسم - في 4 آذار لبحث مستقبل حصص الإنتاج وسياسة الإنتاج للمرحلة المقبلة.

لكلّ بلد من المجموعة برنامجه الخاص ورؤيته لسوق النفط طبقاً لحاجته ولقدرته على صياغة القرارات واتخاذها، وتحديداً البلدين الأكثر نفوذاً، السعودية وروسيا. لكن ما يجمعها هو الارتياح لتعافي سعر البرميل وعودته إلى المستويات التي كانت سائدة قبل انتشار وباء كوفيد-19.
مقارنة بالخريف الماضي، تُسجّل أسعار النفط اليوم ارتفاعاً بنسبة 75%. وهو تحول دراماتيكي عما كانت عليه السوق في خضم الوباء العالمي حين انخفض سعر البرميل في سوق تداول العقود الآجلة إلى ما دون الصفر في لحظة معينة. تلك السوق هي البورصة حيث حيّز العرض والطلب يعكس أساسيات الاقتصاد والمعطيات السياسية وتوقعات المحللين في كل لحظة، لذا، فإن تقييم السلعة سلباً يعني أن السوق ارتأت بأن مخاطر حملها أكبر من التخلي عنها بخسارة.


التقديرات اليوم تفيد بأن السعر سيستمر بالارتفاع وسيبلغ 70 دولاراً للبرميل في الفصل الثاني من هذا العام، على أن يرتفع إلى 75 دولاراً في الفصل اللاحق، وفقاً لأبحاث «غولدمان ساكس». تعكس هذه التقديرات تعديلاً بنحو 10 دولارات مقارنة بالتوقعات السابقة. ويشرح المحللون في المصرف الأميركي، أن العودة السريعة إلى حالة من التوازن بعد أشهر الشتاء ستتبعها مرحلة من ارتفاع العجز حيث إن نمو الطلب سيتخطى زيادة الإنتاج التي قد تتوصل إليها مجموعة «أوبك+».
وكان المصرف نفسه قد توقع تعافي الطلب على النفط وتخطي المستوى الذي كان سائداً ما قبل الوباء عند 100 مليون برميل يومياً، بحلول شهر آب المقبل. فما الذي حصل تحديداً منذ ربيع 2020 ليُسجّل النفط هذا الارتفاع السريع ويجعل التوقعات عند هذا المستوى من التفاؤل؟
يعود ارتفاع السعر عملياً إلى أساسيات السوق التي تُحدّد الطلب الحقيقي. فبعدما عانى الاقتصاد العالمي من صدمة وباء كوفيد-19 التي أدّت إلى تقلّصه بنسبة 3.5% في عام 2020، يستعيد منذ أشهر نشاطه مع بدء توزيع اللقاحات والبحث في أُطُر العودة إلى نوع من الحركة الطبيعية بين الدول؛ اليوم يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 5.5% هذا العام، مُعدّلاً بالتالي توقعاته صعودياً.
صحيح أن النمو العالمي يُسجّل تفاوتاً بين البلدان والأقاليم وذلك طبقاً لمعطى الجهوزية المؤسّساتية والطبية في التلقيح وتطبيع الاقتصاد مع مرحلة ما بعد الوباء، وصحيح أن النموّ قد يتعثّر مع ظهور نسخ جديدة من فيروس كورونا الجديد بما يستتبع ذلك من صعوبة احتوائها باستخدام اللقاحات الموجودة، إلا أن العالم بدأ يتأقلم مع الفيروس بحدود معينة، ويعدّل نشاطَي الاستهلاك والإنتاج، وبالتالي الطلب على النفط الناجم عنهما.

93.8 مليون

برميل يومياً هو الطلب المتوقّع عالمياً على النفط في الربع الأول من عام 2021 بحسب تقديرات شركة غولدمان ساكس


المعطى الثاني المهم الذي يشرح صعود الأسعار أخيراً هو السياسة النفطية السعودية التي لا تزال تُحدّد بهوامش كبيرة مسار السوق. فالمملكة مرتبطة وجودياً بالنفط الثمين، وهو لا يزال مسؤولاً عن نصف الناتج المحلي الإجمالي تقريباً وأي قرار سيادي متعلق برفع المديونية أو وقف أو تحفيز المشاريع الاستثمارية مرتبط بمسار سوق النفط؛ في العام الحالي مثلاً، تحتاج السعودية إلى أن يبلغ معدل سعر البرميل 68 دولاراً لكي تُحقّق توازناً مالياً.
عشية انتشار فيروس كورونا الجديد حول العالم وتسبّبه بوباء شلّ الحركة الاقتصادية وكبح الطلب على الوقود الأحفوري، كانت الرياض تخوض معركة نفطية جديدة مع روسيا في إطار حرب مستمرة تارة مع هذا البلد الأوروبي، وطوراً مع الولايات المتّحدة ومنتجي النفط الصخري فيها. أدّت هذه الجولات إلى انخفاض سعر البرميل من 60 دولاراً إلى المستويات الدنيا. وهي مستويات لا تناسب أبداً الرياض وموسكو رغم صراعهما على الحصص السوقية، لذا توصلت مجموعة «أوبك+»، التي تضمّ 23 بلداً نفطياً، إلى اتفاق لكبح الإنتاج بنحو 10 ملايين برميل يومياً. وتم تعديل الاتفاق تدريجاً وصولاً إلى نهاية العام حين اتُّخذ قرار البدء برفع الإنتاج. غير أن السعودية، متوجسةً من أن زيادة في المعروض قد تُغرق السوق مجدداً، قررت خفض الإنتاج بنحو مليون برميل إضافي حتى نهاية شهر آذار المقبل.
هذه السياسة التي تعتمدها السعودية والتي أضحت تُشكّل استراتيجيتها النفطية في التأثير على الأسعار وأيضاً في كسب حصص سوقية جديدة، ستكون عرضة للاختبار مجدداً مع اجتماع أعضاء مجموعة «أوبك+» هذا الأسبوع للبحث في مستقبل حصص الإنتاج وآليات كبح الإنتاج أو زيادته.
وإذ يحمل كل بلد من المجموعة، وتعدادها 23، أجندة خاصة نابعة من هواجس اقتصادية وسياسية، ترى الرياض في المفاوضات المرتقبة جولة جديدة من النقاش بشأن مستقبل النموذج الاقتصادي الذي تديره مع ابتعاد العالم تدريجاً عن النفط وتحوّل شركات نفطية كبرى إلى الاستثمار في الطاقة المتجددة.
تأتي هذه الجولة بعدما شهدت السعودية ومعها بلدان مجلس التعاون الخليجي النفط تحولاً اجتماعياً عميقاً نابعاً من انهيار أسعار النفط والنشاط الاقتصادي عموماً بسبب كوفيد-19، وأيضاً نتيجة السياسات القومية التي بدأت تطبّقها هذه البلدان والتي تمثّلت بتراجع عدد السكان في البلدان الستة بنسبة 4% تقريباً؛ وهو تراجع سيستمر على ما يبدو خلال السنوات الثلاث المقبلة. ومن شأن هذا التحول أن يرتدّ على الاقتصاد النفطي الإقليمي برمّته ويفرض تحدياً إضافياً على بلدان المنطقة للتنويع الاقتصادي والابتعاد عن النفط. ومع الاستمرار بالبرامج القومية التي تفرض قيوداً على العمالة الأجنبية، هناك حاجة ضرورية إلى زيادة الاستثمار في تحفيز إنتاجية مواطني تلك البلدان لتعويض النقص الذي تخلفه هجرة الأجانب.

تُسجّل أسعار النفط اليوم ارتفاعاً بنسبة 75%. وهو تحول دراماتيكي عما كانت عليه السوق في خضم الوباء العالمي حين انخفض سعر البرميل في سوق تداول العقود الآجلة إلى ما دون الصفر


وضع السعودية والبلدان النفطية الخليجية في هذه الجولة النفطية هو جزء من صورة أشمل لسوق النفط تُخبر قصة توازن جيوسياسي يختل مع تحول البلدان إلى الطاقة البديلة، وتحديداً في ظل ما تطرحه الإدارة الأميركية الجديدة على مستوى السياسة العامة في مجال الطاقة والبيئة. فقد أعرب الرئيس المنتخب جو بايدن عن التزامه بتحقيق أعلى خفض ممكن من انبعاثات الكربون يُمكن أن تحققه بلاده، وذلك غداة موافقته على عودة واشنطن إلى اتفاق باريس المتعدد الأطراف لحماية المناخ الذي كان سلفه دونالد ترامب انسحب منه. وقد تخضع مناورات الرئيس الديمقراطي الجديد لتعديلات كثيرة إلا أن التزاماً بيئياً لإعادة الانتخاب وإعادة إنتاج قطاع الطاقة في أكبر اقتصاد في العالم سيخلق ترددات سياسية وصناعية عميقة في سوق النفط وعبر الاقتصادات كافة.
كذلك يفرض تقييم سوق النفط، من المنظور الأوسع، النظر في وضعية اللاعب الثالث المهم في المعادلة، روسيا. فرغم أن تراجع الطلب على النفط وانخفاض الأسعار يُعدان أمراً سلبياً للاقتصاد الروسي، إلا أن موسكو تمكّنت خلال فترة العقد الماضي من تطوير وسادات اقتصادية تجعلها أكثر قدرة على تحمل الصدمات النفطية. لذا هي تناصر خيار زيادة الإنتاج في إطار محادثات «أوبك+» في مواجهة السعودية المتحفّظة والقلقة على قيمة ثروتها الطبيعية في السوق. وقد عبّر الرئيس فلاديمير بوتين عن هذا التوجه في العام الماضي عبر التزام بخفض الاعتماد على إيرادات النفط إلى ثلث الإيرادات العامة الإجمالية هذا العام، بعدما كانت عند النصف منذ عقد مضى.

تابع «رأس المال» على إنستاغرام

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا