التغيّرات في السياسات الضريبية في أميركا، دفعت اللامساواة إلى مستويات لم تشهدها الولايات المتحدة منذ نهاية القرن التاسع عشر. عكسُ هذا المسار، وإعادة المجتمع إلى حالة تتّسم بحدّ أدنى من المساواة الاجتماعية التي تحمّل الوضع وتجعله أفضل، يتطلب إصلاحاً شاملاً وتعديلاً للتغيّرات التي حدثت في السياسة الضريبية على مدى العقود الأربعة الماضية.

على مدى 40 عاماً، استقرّت حصّة الضرائب من الدخل القومي الأميركي. في عام 2019 سجّلت نسبة الضرائب إلى الناتج القومي نحو 17%، أي ما يوازي معدّل النسبة المسجّلة في منتصف القرن الماضي، فيما كانت ضرائب الدخل ثابتة عند 8% من حجم الاقتصاد. يجب أن تكون هذه المعدلات المستقرّة سبباً للقلق وليس سبباً للرضا. ففي أي نظام ضريبي قائم على مبادئ الضريبة التصاعدية، يجب أن تزيد إيرادات الدخل الضريبي الفيدرالي إذا كانت الحصّة الأكبر من الدخل تذهب إلى الأثرياء، إنما هذا لم يحدث. بل أدّت الخفوضات الضريبية الكبيرة التي وقّعها رونالد ريغان، وجورج و. بوش، ودونالد ترامب، إلى ميل الهيكل الضريبي لمصلحة من هم في القمّة. بفضل هذه الخفوضات، أمضى أثرياء أميركا، العقود الأربعة الماضية، وهم يدفعون ضرائب بمعدّلات أقل من تلك التي يجب أن يدفعوها. فقد انخفضت هذه الضرائب إلى درجة أن إجمالي الإيرادات الفيدرالية بقيت مستقرّة لأن الأميركيين العاديين يدفعون، كحصّة من الاقتصاد، أكثر بكثير من خلال ضرائب الدخل التنازلية.
تظهر الأرقام أنه بين عامَي 1980 و2018، أدّت التغييرات في قانون الضرائب التي أتت لمصلحة أثرياء البلاد، إلى دفع أصحاب المليارات ضرائب أقل بنسبة 79% مما كانت عليه، كحصّة من ثروتهم. وأدّت هذه الخفوضات بـشريحة الـ0.01% الأغنى في البلاد، وهي مجموعة تتكوّن من أسر تزيد ثروتها عن 100 مليون دولار، إلى توفير 27% مما كان يتوجب عليهم من ضرائب إذ بلغت مدفوعاتهم الضريبية ما نسبته 73% تقريباً من المتوجب.
يستهلك معظمنا الجزء الأكبر من أي زيادة تطرأ على الدخل، على تحسين مستوى المعيشة، إلا أصحاب الثروات الهائلة. فلا تتسرّع الأسر الفائقة الثراء، إذا وفّرت 25 مليون دولار من الضرائب مثلاً، في إنفاق هذا الوفر على الطعام أو على تحسين مستوى المعيشه، لأنه لا حاجة إليها، بل هي في الواقع تعيش في المستوى الأفضل. معظم هذه الملايين الإضافية، تزيد ثروة تلك الأسر الفاحشة الثراء، وهذا بدوره يزيد الدخل المستقبلي للأسرة، ويزيد أيضا ثروتها في المستقبل.
بعبارة أخرى، الثروة تولّد الثروة، والخفض الكبير في الضرائب المترتبة على الأثرياء، كنسبة مئوية من ثروتهم، يؤدي إلى زيادة سرعة تركّز الثروة. بهذه السياسة تضاعفت حصّة الثروة الأميركية التي يمتلكها أغنى 0.01% أربع مرات فارتفعت من 2.3% في عام 1980 إلى 9.6% في عام 2018. خلال الفترة نفسها قفزت حصّة مداخيل هؤلاء من الدخل القومي من 1.5% إلى 4.6%.
من المؤكد أن استعادة الهيكل الضريبي الذي كان قائماً في عام 1980 سيؤدي إلى إبطاء التفاوت المتزايد في الثروة والدخل في أميركا. لكن مجرد استعادة هذا الهيكل لن يؤدّي إلى عكس التركّز العبثي الذي نشهده لثروة أميركا. سوف تبقى المليارات التي جمعها الأغنياء متراكمة لديهم حتى لو عدنا إلى وضع عام 1980. يتربّع حالياً مؤسّس شركة جيف بيزوس، على أكثر من 100 مليار دولار في قيمة سهم الشركة. ولن تحتسب قيمة هذه الأسهم في ضريبة دخله إلا إذا قرّر أن يبيعها.
إذاً، ماذا يمكننا أن نفعل؟ قد تكون الضريبة على الثروة هي الطريقة الأكثر مباشرة وعقلانية لمعالجة المستوى الفاحش لتركّز الثروة في أميركا.

الضريبة على الثروة هي الطريقة الأكثر مباشرة وعقلانية لمعالجة المستوى الفاحش لتركّز الثروة في أميركا


الاعتماد فقط على الضرائب على الدخل وعلى الممتلكات العقارية، أو على الاستهلاك، لن يؤدي أبداً إلى عكس مسار تركّز ثروة هذا البلد. نعم، يجب أن يدفع الأثرياء معدلات ضريبة دخل أعلى بكثير على الأرباح التي يجنونها. أيضاً يجب أن يواجهوا ضرائب على الممتلكات وضرائب غير مباشرة على الاستهلاك مثل بقيّتنا، لكن يجب أن يواجه الأثرياء أيضاً ضريبة إضافية على ثرواتهم الفعلية.
ستكون هذه الضريبة بمثابة حدّ يوضع لتراكم الثروة الإضافية، وأيضاً زيادة الإيرادات الكبيرة حتى لو تهرّب بعض الأثرياء من هذه الضريبة الجديدة. وفقاً للاقتصاديين إيمانويل سايز وغابرييل زوكمان، فإن ثروة الأسر التي تزيد عن 172 مليون دولار ستمثّل قاعدة ضريبية تبلغ 6.3 تريليونات دولار. سوف تمثّل ثروة الأسر التي تزيد عن 31 مليون دولار، قاعدة ضريبية تزيد عن 13 تريليون دولار.
واقترحت السناتور إليزابيث وورن في العام الماضي ضريبة بنسبة 2% على الثروة التي تزيد عن 50 مليون دولار، و3% على الثروة التي تزيد عن المليار دولار. لو فُرضت هذه الضريبة في عام 1982، بحسب حسابات سايز وزوكمان، فإن حصّة أغنى 400 شخص من ثروة أمتنا، كانت ستزداد من 1% إلى 2% في عام 2018. لكن في الحقيقة، من دون هذه الضريبة، ارتفعت حصّة هؤلاء إلى 3.5% في عام 2018.
ووفقاً لسايز وزوكمان، إن فرض ضريبة بنسبة 10% على الثروة التي تزيد عن مليار دولار كان من شأنه، لو بدأ في عام 1982، أن يحافظ على حصّة أغنى 400 شخص من ثروة الأمة عند مستوى 1% الذي كانت عليه في ذاك العام.
هل يمكن أن تتسبّب هذه الضريبة في تقلّص الثروات التي تزيد عن 5 مليارات دولار مع مرور الوقت؟ ربما، لكن هذا لن يكون فظيعاً. فإن أي أسرة غنية لا يتجاوز حجم ثروتها 5 مليارات دولار ستظل تمتلك ثروة كافية لتغطية 100 ألف دولار من النفقات اليومية على مدى قرن.
في المقابل، سنرى نتيجة أسوأ بكثير، في ما يخص صالحنا الديمقراطي، إذا سمحنا لثروات تزيد عن 5 مليارات دولار أن تنمو بشكل أكبر. لذلك دعونا نقف في جانب عكس مستوى اللامساواة الفاحش في أميركا، وليس في جانب حماية أصحاب المليارات.

* نُشر هذا المقال على موقع counterpunch.org (ترجمة الأخبار)

تابع حساب «رأس المال» على إنستغرام هنا

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا