ذهب لبنان الذي عرفناه مع الريح. رحل إلى غير رجعة آخذاً معه نموذجاً سياسياً ـ اقتصادياً، أكرم البعض وحرَمَ البعض الآخر. أوجد هذا النموذج طبقة وسطى ضمِنت استمراريته وشكّلت له حزام أمان. فبذخ اللبنانيون، جميع البنانيين، على حساب بعضهم البعض وعلى حساب أجيالهم القادمة، فعاثوا في الطبيعة فساداً وقتلوا المستقبل من أجل الحاضر والآني.

نحن راهناً، أمام خيارات سياسية واقتصادية دقيقة بدأنا باحتساس آلامها، علماً بأنها مصيرية ووجودية. بدأ يظهر مفترق الطرقات الذي سيحدّد، ليس فقط مصير لبنان، إنّما أيضاً بعض التوازنات داخل المسرح الإقليمي. لبنان بلد صغير، مناعته ضعيفة، وليس بإمكانه أن يواجه العواصف التي تهبّ في الشرق الأوسط من دون أن يكون قد عالج مسبقاً انشطاراته الداخلية وتوصَّلَ إلى عقد اجتماعي جديد يحافظ على التعدّد والخصوصية ويضمن وحدة الأرض والشعب.
إنّ الأسس المقصودة هنا، ضرورية لمعرفة كيفية فهم الانهيار الحاصل بعمقه وبجميع جوانبه السياسية والمالية من أجل الشروع بمعالجته، آخذين في الاعتبار أن وتيرته المتصاعدة ستؤدّي في حال عدم الاعتراف والمواجهة إلى تفتيت البلد وشعبه. 
إذا أردنا بناء اقتصاد جديد، علينا ابتكار هويّة شاملة وتحديد مهامها، انطلاقاً من جغرافيا الأورو - شرق أوسطية، من تاريخ عابر للحدود، ومن مشروع إنساني جامع للأشخاص والمجموعات. تحديد المشروع ونهائيته مرتبطٌ بالسياسات المنوي أخذها لامتصاص الخسائر.
وقبل البحث في تكوين المشروع وبنائه، علينا الانطلاق، من جهة، من توجّه فلسفي - سياسي - مجتمعي، ومن جهة أخرى من موقع اقتصادي وهو موضوع ورقتنا، مبني على قاعدة رقمية علمية ومتينة تفسّر وتحدّد خسائر الحقبات السابقة وأسبابها.
بناء عليه، علينا إضافة معايير توزيع الآلام - نعم الآلام - على المكوّنات المجتمعية التي تسبّبت بها الدولة، ممثّلةً بسلطاتها وبشراكة الأشخاص الذين صنعوا قراراتها، بالاتحاد والتضامن بينهم.
في هذا السياق، نفنّد سبع جهات، من المنتظَر أن يقع عليها حمل وتحمّل وزر الأزمة والانهيار الذي تبعها:
• الدولة بجميع متفرعاتها.
• مصرف لبنان وجميع الهيئات التابعة له مباشرة، أو حتى التي له تأثير عليها.
• أصحاب المصارف، مجالس إدارتها، والمديرون التنفيذيون.
• كبار المودعين.
• الخاضعون للضرائب والرسوم حالياً ومستقبلاً. 
• صغار المودعين. 
• الأجيال القادمة.
بمعنى آخر، علينا ابتكار سياسات مالية ونقدية خلّاقة تحاكي واقعنا، وتفعّل تثمير أصول القطاع العام من دولة، بلديات، مؤسسات عامة... المقاربة المفصلية الفضلى، التي لم تتطرق إليها بطريقة جديّة وفعالة، لا خطّة الحكومة، ولا حتى بقية الخطط، تدعو أولاً إلى خلق نموّ يتوزّع بعدالة وشفافية على المواطنين من دون تمييز، ومهما تطلب ذلك من تضحيات وفذلكات وابتعاد عن الايديولوجيات والسفسطائية الشعبوية المضللة. ففي حال اتفقنا على هذا المنحى، نكون سهّلنا على أنفسنا ليس فقط طريق الخلاص الاقتصادي، إنما أيضاً ترابط وتماسك نسيجنا الاجتماعي حفاظاً على وطن موحّد.
يكمن المبدأ الأساسي في اعتبار أن كلّ من أخطأ يجب عليه أن يدفع (تغريم الفاعل)، وأن يدفع نسبة لفداحة أخطائه. إضافة إلى ذلك، كل من شارك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، عمداً أو سهواً، في أخذ القرار أو في تنفيذه، أو حتى عدم الاعتراض عليه عندما كان ذلك من ضمن صلاحياته.
هذه هي المعايير لمحاسبة سياسية، مالية، ومعنوية. منها محاسبة كلّ من تواطأ في رسم وتنفيذ سياسات مصرف لبنان الخارجة على ما يسمح به قانون النقد والتسليف نصاً وروحاً، بالإضافة إلى المصارف التي تمادت وخاطرت باستعمال المدّخرات، وأي وزير أو مدير عام أو مسؤول في القطاع العام بمعناه الواسع، أمعن في البذخ سواء عبر التوظيف أو الهدر والفساد.
هكذا، تكون المعضلة في التوافق، أو القبول، أو الرضوخ لمعايير هي نتيجة موازين قوى سياسية ومالية، داخلية وخارجية. والمبارزة ستجري على ساحة الشعب اللبناني الجريح، المُفقَر والمُستنفَد، بين من يؤيد المواجهة مع العالم المتقدّم ولو كان ذلك عبر إفقاره لمدى طويل، ومع من يقبل بلعبة الأمم بحسناتها وسيئاتها ولكامل مدّة التصحيح المالي والنقدي والاقتصادي. فقط بعد ذلك، يمكننا أن نعتبر أن لبنان دخل مرحلة الاستقرار السيادي، والاستقلال الفعلي في الممارسة وليس في الخطابات.
نعتبر أن كل جهة مسؤولة، ستتحمّل الواحدة تلو الأخرى، بدءاً بالجهة التي تتحمّل المسؤولية من أكبرها إلى أصغرها، كمن يصبّ في أكبر وعاء وصولاً إلى أصغر وعاء إلى أن تُستنفَذ الكلف والآلام.
في اعتقادي وقناعتي، إن المسؤولية الكبرى تقع على الدولة ممثّلة بكل حكوماتها وبالنواب الذين صوّتوا على جميع الموازنات الذي تخطّى فيها العجز نسبة 5% من الناتج القومي، ثم على مصرف لبنان الذي أرسى قاعدة تثبيت سعر الصرف منذ تشرين الثاني عام 1997 على حساب المدّخرين والأجيال القادمة. أدَّى ذلك إلى استهلاك مفرِط يفوق بكثير إنتاجية الاقتصاد، وبالتزامن، أمعن مصرف لبنان بهذه السياسة رغم تحذيرات الجهات الدولية وقلّة قليلة من الاقتصاديين اللبنانيين من خارج البلاط. للتذكير، وافق مصرف لبنان وسهّل تمويل العجوزات لأسباب لا يجهلها أحد.

يكمن المبدأ الأساسي في اعتبار أن كلّ من أخطأ يجب عليه أن يدفع (تغريم الفاعل) وأن يدفع نسبة لفداحة أخطائه


أما المصارف، فحدّث ولا حرج. إنها من غاص بالمخاطر البالغة عبر استعمال مدخرات اللبنانيين وغير اللبنانيين، وإقراض دولة فاسدة خدمة لسياسيين فاسدين واسترضاءً لحمايات معينة. لذلك، على المصارف أن تتحمّل كامل حصتها من المسؤولية المشتركة ولو تكلّفت الجزء الأكبر من رساميلها واستثماراتها الداخلية والخارجية. من أراد استقطاب المدّخرات عليه أن يتحلّى ويحافظ على رأسمال يكفي للمخاطر التي سيتّخذها وحوكمة رشيدة وشفافة.
وأخيراً، هناك كبار المودعين الذين تجب معالجة أوضاعهم بعيداً عن الاقتصاص أو المسايرة. هناك طرق خلّاقة يمكن من خلالها قلب المعادلة من خاسر - خاسر إلى رابح - رابح، خارج إطار «البيل-إنْ» (Bail In) التقليدي.
فإذا عدنا إلى مسؤولية الدولة بمعناها الشامل، يظهر أن تثمير أصولها ضروري ليس فقط للتعويض عن صغار المدخرين، إنما أيضاً لإطلاق قطار النموّ رأفة بالشباب وبجميع المواطنين. 
 اقتربت خطة التصحيح الحكومية من تحديد الخسائر، ولم يبقَ إلا تقدير المداخيل المنتظرة ضمن مرونة، وبشرط أن يكون المسرح السياسي مستقرٌ، مُنقشِع، ومطمئِن على المدى الطويل. ستتكوّن المداخيل من خلال تثمير أصول الدولة، ومن الرسوم والضرائب الذي ستستوفيها من الأفراد والشركات خلال ربع القرن المقبل، أي ممن يعمل حالياً، ومن سيوافق على المغامرة ويعمل لاحقاً. وهنا يجب إيجاد توازن دقيق بين الضرائب وقدرة تحمل الأفراد والمؤسسات، لئلّا نقتل قدرتهم على الاستمرار والنموّ في ظلّ انعدام تمويل مصرفي.
أتفهم جيداً أن البعض يرفض بيع أصول الدولة لإطفاء قسم من الخسائر التي تكبدتها الدولة ومصرف لبنان مجتمعين ومتضامنين، لأن هذه الأصول هي ملك جميع اللبنانيين وليس فقط المدخرين. إنما هي أيضاً تمثّل الفرصة الداخلية الوحيدة لتثميرها، من دون بيعها، في تمويل النمو وخلق فرص عمل للشباب وإبقائهم في الوطن.
هذه المقاربة هي، في الوقت الحاضر، المقاربة الفضلى في إيجاد توازن دقيق بين الأجيال الحالية والأجيال القادمة في دخولهم إلى سوق العمل. علينا اختيار معادلات بناءة والابتعاد عن النحر والانتحار.
يتضمن امتصاص الخسائر، بالإضافة إلى رساميل المصارف وأصولها، إعادة تقويمها في الوقت المناسب، المتزامن مع بدء مرحلة الإقلاع بالنمو، إذ إنه خارج هذا الإطار، سيلحق بهم وبالمدّخرين إجحاف، جراء انعكاس النمو أو عدمه، على كل بنود الميزانيات.
ومن أجل بناء وطن جامع وقابل للعيش، يجب أن نعوّل على تدقيق جنائيّ لجميع مرافق الدولة منذ الطائف حتى هذه اللحظة، علّنا ننتهي من الفساد السياسي المتجذّر في أخلاقيات الكثيرين.
تبدأ المحاسبة بتجميد جميع الأملاك الخاصة المنقولة غير المنقولة في لبنان وخارجه، لأيّ شخص يُشك به، من قِبل هيئة خاصّة مشتركة تقنية - قضائية، تُنشأ استثنائياً وبسرعة قصوى بهذا الخصوص، وتضمّ إلى جانب لبنانيين شرفاء، طاقماً أجنبياً يُشهد له بنزاهته وحياده، ومن ثم محاكمة عادلة وشفافة أمام عامة الشعب الذي يعدّ المصدر الأول للسلطات. هذه هي الخطوة الأولى والأهم لاستعادة الثقة داخلياً وخارجياً والتي ستمهّد نحو إعادة لبنان إلى المركز الذي نصبو إليه.
كل ما سبق هو من نسج خيال أشخاص يريدون بناء جمهورية تليق بهم وبأولادهم، ولا يمتّ بصلة إلى واقعنا المرير.

* اقتصادي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا