بعد أحداث11 أيلول 2001، أعلن جورج بوش الابن «الحرب على الإرهاب» ثم دخلت الولايات المتحدة في حروب عدّة حول العالم، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط. هذه الحروب كان أثرها مدمّراً على شعوب المنطقة وجوارها التي كانت تنعم بنوع من الاستقرار. بنتيجة هذه الحروب تهجّر نحو 37 مليون شخص في أفغانستان، اليمن، ليبيا، الفيليبين، باكستان، الصومال، العراق وسوريا. تقلّصت اقتصادات هذه الدول وسط خراب كبير لحق بها، وتدنّت مستويات الحياة فيها. هذه الحروب كانت عبارة عن صناعة أميركية تهوى التهجير والفقر. الاقتصاد في هذه الدول تدمّر والفقر انتشر بكل تعريفاته: الفقر الغذائي، الفقر التعليمي، الفقر الصحي، الفقر البيئي…

وفي سياق نتائج الحروب الأميركية «على الإرهاب» يضيء ديفيد فاين، وآخرون في بحث بعنوان: «أثمان الحرب - صناعة اللاجئين: النزوح الذي تسببت به الحروب الأميركية بعد 11 أيلول» على كلفة هذه الحروب بالتهجير والفقر اللذين طاولا هروب الملايين من الناس من المناطق المتأثرة بالحروب الأميركية.
يقسم الباحثون، الهاربين من مناطقهم إلى ثلاثة أقسام:
- القسم الأول يختصّ باللاجئين، وهم الناس المتواجدون خارج بلاد منشئهم ويحظون بالحماية التي تسبغها عليهم صفة «لاجئ» لدى البلد المضيف.
- القسم الثاني يختصّ بطالبي اللجوء، أي من هم خارج بلاد منشئهم لكن لم يحظوا بعد بصفة «لاجئ» في البلد المضيف.
- القسم الثالث يختصّ بالنازحين داخل أراضي بلادهم والأسباب التي دفعت هؤلاء للخروج من مناطقهم وبلادهم تُراوح بين الإخلاء القسري والتهديد بالقتل و«التطهير العرقي».
يركز البحث على الحروب التي شنّتها الولايات المتحدة على أفغانستان وباكستان معاً وعلى العراق، بالإضافة إلى الحروب التي كان تصعيد الصراع المسلح فيها من مسؤوليتها مثل ليبيا وسوريا، وأخيراً الحروب التي كانت مشاركتها فيها أساسية من خلال الضربات الجوية أو الاستشارات العسكرية أو الدعم اللوجيستي أو بيع السلاح كما هو الأمر في اليمن والصومال والفيليبين.
يخلص البحث إلى استنتاج بأن عدد المهجرين الناتج من هذه الحروب يبلغ على الأقل 37 مليون إنسان. لمواءمة هذا الرقم مع الواقع، يقول الباحثون إنه بمثابة إخلاء جميع سكان ولاية كاليفورنيا منها أو ولايتَي تكساس وفيرجينيا مجتمعتين. مع أنه، بحسب البحث، فإن 25.3 مليوناً من المهجرين عادوا إلى مناطقهم، لكن هذا لا يعني أنه يمكننا شطب كل الخسائر التي تكبدتها هذه الدول بسبب الحروب الأميركية، سواء أكانت خسائر اقتصادية أم نفسية (من منطلق فردي)، أم اجتماعية (من منطلق جماعي)، وغيرها من الصعد.
في الواقع، لا يمكن تخيّل حجم ما خلّفته هذه الحروب الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، إلا إذا قورن مع بعض الأحداث المفصلية في التاريخ. فعلى سبيل المثال، تسبّبت الحرب العالمية الأولى بلجوء - نزوح 10 ملايين شخص. أما انفصال الهند وباكستان فقد أدّى إلى خروج 14 مليون شخص من مناطقهم. هذه الأرقام لا تقارن بالـ37 مليون إنسان الذين تهجّروا بسبب حروب أميركا على «الإرهاب». الـ37 مليوناً يبدو رقماً غير قابل للمقارنة مع المخيّلة بعدد هائل من البشر الذين يحملون أسماء ولهم ملامح وجوه مميزة. قد نتعرّف في حياتنا اليوميّة إلى أحدهم هنا أو هناك، أو إلى قصّة في وسيلة إعلامية، فنتعاطف معه، لكن هذا لا يكفي لإدراك حجم الضرر الذي لحق بهذه البلدان ومجتمعاتها واقتصاداتها. كل شخص من الـ37 مليوناً ترك بيته وعمله أو مدرسته، وانفصل عن أقاربه، وهجر الأحياء التي تربّى فيها. أمّا من عاد منهم، فقد عاد إلى أطلال لحق بها الدمار وتحتاج إلى إعادة بناء لا موارد كافية لها.



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا