خلال العقود الثلاثة الماضية، أضحى لبنان ملاذاً آمناً للأموال التائهة أو الخارجة عن الشرعية الضريبية الدولية، أو الناتجة عن تبييض الأموال، ومرتعاً للفاسدين والمفسدين والمتطاولين والمتهربين المحليين من أصحاب نفوذ و/أو مال ومن هو في مقامهم أو منظومتهم أو تحوم حوله الشكوك والشبهات. من أهم العوامل الراعية، أو المسهّلة لهذه الأعمال الجائرة والمخالفات الفادحة، هو تلك الثغرات ونقاط الضعف العديدة التي تكتنف نظامنا التشريعي والضريبي البالي والمترهّل، والذي بات ملعباً للتذاكي وترجيح المصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة والعدالة الاجتماعية. وقد أثرّ ذلك بشكل ملحوظ وسلبي على سمعة لبنان، وحَرَمَ الخزينة من أرصدة وإيرادات هي أحوج ما تكون إليها اليوم في الظروف القاسية والعصيبة والمتدهورة التي نواجه.

شكّل موضوع التخفّي وراء أشخاص طبيعيين أو معنويين مستعارين (ولا سيما شركات الأوف شور الأجنبية في الجنات الضريبية)، بهدف إخفاء مظاهر الإثراء غير المبرر أو التهرّب من تسديد الضرائب والرسوم المترتبة، مادّة أساسية للنقاش والتجاذب بين مدّعي الحفاظ على وجه لبنان الليبرالي الرأسمالي الجاذب للاستثمارات والرساميل (أياً كان مصدرها أو موضوع استثمارها)، وبين من يطالب بإصلاح هيكلي للنظام يدعم الاقتصاد الفعلي ويحفّز النمو ويخلق فرص عمل ويعيد توزيع الثروة بشكل عادل من خلال الخدمات العامة والبنى التحتية ذات القيمة المضافة.
استفاد العديد من المتمولين من هذه الثغرات، ولا سيما لجهة نظام الضرائب النوعيّة ومبدأ إقليمية الضريبة المنصوص عنه في المادة الثالثة من قانون ضريبة الدخل (المرسوم الاشتراعي رقم 144 تاريخ 12/6/1959 وتعديلاته)، بحيث لم يخضع لضريبة الدخل إلا ربح التحسين الناتج عن تفرّغ كلي أو جزئي عن عقارات وأموال غير منقولة مبنيّة أو غير مبنيّة مصنّفة على أنها أصول ثابتة لشركات محليّة وفقاً للأصول المحدّدة للمكلّفين على طريقة الربح الحقيقي. هذا الأمر أتاح المجال واسعاً للاستعانة بكيان أجنبي لتملّك العقار أو البناء أو الشقة واستثماره وبيعه بمعزلٍ عن أي موجب ضريبي أو تصريح.

داريو كاستيليخوس ــ المكسيك

غير أنه ومع العولمة ومساعي الدول للتقارب والتعاون التقني في المجال الضريبي للحدّ من هذه الظواهر ومكافحة التهرب بدأت الأمور تتبدل شيئاً فشيئاً، وأثمرت وضع وتطبيق أنظمة امتثال وتبادل وشفافيّة موحّدة ضمن ما يُعرف بالمنتدى الدولي حول الشفافية وتبادل المعلومات لغايات ضريبية الذي ضيّق الخناق بإلزام المكلفين والمتعاملين معهم بإفشاء المعلومات وتطبيق قواعد وأنظمة صارمة للعناية والتتبع والتبليغ عن المستفيدين الفعليين من الحقوق أو أصحاب الحقوق الاقتصادية ومن يدور في فلكهم. وقد شكّلت المعاهدة المتعدّدة الأطراف للتعاون التقني في المجال الضريبي (Multilateral Convention on Mutual Administrative Assistance in Tax Matters) حجر الأساس لهذا التبدل وتبعتها الاتفاقية المتعلقة بالسلطات المختصة (MCAA) التي أرست مبدأ التبادل التلقائي (automatic exchange) للمعلومات بعد التبادل غبّ الطلب (upon request).
تماشياً مع ذلك، صدرت عن مجلس النواب خلال السنوات الأخيرة رزمة من القوانين منها القانون رقم 55 الصادر في 27/10/2016 الذي يحدّد الأصول والإجراءات الجديدة الواجبة لتبادل المعلومات الضريبية بشكل يتلاءم مع ما هو مطلوب من المنتدى العالمي والمعاهدات المتعددة الأطراف. كذلك صدر القانون رقم 106 في 30/11/2018 الذي يلزم عدداً من الجهات ومنها الشركات، بالإفشاء عن صاحب الحقّ الاقتصادي الفعلي تحت طائلة المساءلة والمسؤولية والتغريم.
هكذا، أصبح متاحاً اليوم مكافحة ظاهرة التهرّب والتخفّي عبر الشركات الأجنبية الوهمية المالكة لعقارات في لبنان وإلزامها بالكشف عن أصحابها ومساهميها الفعليين وتطبيق القوانين المرعيّة بحقهم، وخصوصاً قانون الإثراء غير المشروع رقم 154 تاريخ 27/11/1999 والقانون رقم 44 تاريخ 24/11/2015 (مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب) وقانون العقوبات بالنسبة إلى الجرائم المخلّة بواجبات الوظيفية وقانون محاربة التهرّب الضريبي وفقاً للمرسوم الاشتراعي رقم 156 تاريخ 16/9/1983وسواها؛ وذلك، من خلال عملية جمع وتفسير النصوص القانونية المترابطة بطريقة التوسيع (interprétation extensive) والقياس والتناسب (raisonnement par analogie ou association des textes).
فقد عُدّل قانون ضريبة الدخل ليخضع أرباح التفرّغ عن العقارات لضريبة بمعدل 15%، سواء كانت تعود لأشخاص طبيعيين ومعنويين غير خاضعين للضريبة على الدخل، أو يتمتّعون بإعفاءات دائمة أو خاصة أو استثنائية من تلك الضريبة، أو لأشخاص طبيعيين خاضعين للضريبة على الدخل ولا تشكل هذه العقارات أصلاً من أصول ممارسة المهنة. واستثنيت من هذه الضريبة أمكنة السكن الأساسية. ومن أجل احتساب ربح التفرغ، تنزّل عن كل سنة كاملة تفصل بين تاريخ حيازة العقار وتاريخ التفرغ عنه، نسبة 8% من قيمة ربح التفرغ. ويُعفى من الضريبة المتفرغ الذي استمرّ في حيازة العقار لمدة 12 سنة كاملة وما فوق على أن يدفع الفرق في السنة التي يحصل خلالها التفرغ.
كذلك حدّدت المادة 18 من القرار التطبيقي رقم 517 تاريخ 17/04/2018 المعدّل بموجب القرار رقم 747/ 2019 فئات الخاضعين لهذه الضريبة: «الأشخاص الطبيعيون والمعنويون الذين لا يمارسون عملاً خاضعاً لضريبة الدخل على الأرباح وبصرف النظر عن مكان إقامة أو جنسية الشخص المتفرغ، ما لم تكن عملية التفرغ على شكل تقاسم بين الورثة بالنسبة إلى الأشخاص الطبيعيين»، بالإضافة إلى «الأشخاص الطبيعيون الخاضعون لضريبة الدخل على الأرباح ولا يشكل العقار المتفرغ عنه أصلاً من أصول ممارسة المهنة ما لم تكن عملية التفرغ على شكل تقاسم بين الورثة»، و«الأشخاص الطبيعيون والمعنويون الذين يتمتعون بإعفاءات دائمة أو خاصة أو استثنائية من ضريبة الدخل على الأرباح أياً يكن شكلهم القانوني، ما لم تكن عملية التفرغ على شكل تقاسم بين الورثة بالنسبة للأشخاص الطبيعيين».
ولما كانت المادة 1 من قانون الإجراءات الضريبية رقم 44 تاريخ 11/11/2008 مع تعديلاته قد عرّفت المكلف على أنه: «كل شخص مُلزم بحكم القوانين الضريبية بموجبات ضريبية»؛ فإن هذا التوصيف ينطبق حكماً على الأشخاص الطبيعيين والمعنويين المشمولين بنطاق تطبيق المادة 18 من القرار التطبيقي رقم 517 تاريخ 17/04/2018 الآنف الذكر. وقد فرض البند (1) من المادة 32 من نفس القانون: «على كل شخص يباشر عملاً خاضعاً للضريبة أن يحيط الإدارة الضريبية علماً بذلك بموجب طلب تسجيل يقدمه إليها خلال شهرين من تاريخ مباشرة العمل وذلك وفقاً لمعايير وإجراءات تحدد بقرار يصدر عن وزير المالية». وعليه، تعطي الإدارة الضريبية المكلف عند تسجيله رقماً ضريبياً واحداً لجميع أنواع الضرائب بما فيها الرسوم الجمركية والعقارية، وذلك وفقا لإجراءات تحدد بقرار يصدر عن وزير المالية (المادة 34). ولا نخال التملك مع نتائج التفرغ اللاحق عملاً بأحكام المادة 13 من القانون رقم 64/2017 يخرج عن نطاق الأعمال الخاضعة للضريبة أي التي توجب التسجيل عملاً بما تقدم.
وبعد التعديلات التي طاولت القانون رقم 44 تاريخ 11/11/2008، بات لزاماً على المكلفين مسك وتيويم سجلّ خاص بأصحاب الحقوق الاقتصادية يتضمن: الاسم الثلاثي، الجنسية، تاريخ الولادة، عنوان الإقامة وعنوان المراسلة، رقم الهوية أو جواز السفر للبنانيين، رقم جواز السفر للأجانب، مكان الإقامة الضريبية، الرقم الضريبي، نسبة توزع الحق. كما يتوجب عليهم حفظ المستندات التي تبيّن هيكلة ملكية الشخص المعنوي و/أو كيفية السيطرة عليه وكل المعلومات والمستندات المتعلقة بأصحاب الحقوق الاقتصادية لمدة عشر سنوات، حتى بعد انتفاء صفة صاحب الحق الاقتصادي عن الشخص المعني، أو حتى بعد توقفهم عن العمل.
لم يخضع لضريبة الدخل إلا ربح التحسين الناتج عن تفرّغ كلي أو جزئي عن عقارات وأموال غير منقولة مبنيّة أو غير مبنيّة مصنّفة على أنها أصول ثابتة لشركات محليّة وفقاً للأصول المحدّدة للمكلّفين على طريقة الربح الحقيقي، ما أتاح المجال واسعاً للاستعانة بكيان أجنبي لتملّك العقار أو البناء أو الشقة واستثماره وبيعه بمعزلٍ عن أيّ موجب ضريبي أو تصريح


وبموجب المرسوم 3692 تاريخ 22/6/2016 الذي حدد دقائق تطبيق أحكام المواد 41 و42 و43 (ضريبة غير المقيمين) من المرسوم الاشتراعي رقم 144 تاريخ 12/6/1959، بات تملك عقار من قبل شركة أجنبية وتأجيرها أو إشغاله من دون مقابل من قبل أصحاب الشركة يُعتبر على أنه مزاولة نشاط يستتبع تطبيق سائر وجميع المواد والأحكام السابق ذكرها. فقد اعتبر أنه في حال اتخاذ محل لمزاولة المهنة في لبنان يتوجب التسجل لدى وزارة المالية والخضوع للضريبة وفقاً للقوانين المرعية الإجراء. ويقصد بعبارة «محل لمزاولة المهنة» أي مركز عمل يمارس من خلاله المكلف نشاطه لمدة تتجاوز 6 أشهر خلال أي فترة اثني عشر شهراً بالنسبة للإشغال العامة والخاصة ولمدة تتجاوز 3 أشهر خلال أي فترة من الاثني عشر شهراً لباقي الأنشطة، سواء كان هذا المركز مملوكاً أو مستأجراً من قبل المكلف أو موضوعاً تحت تصرفه بأي وسيلة كانت.
كما أن المادة 29 من قانون التجارة اللبناني قد فرضت هي أيضا بدورها على كل «شركة تجارية أجنبية لها فرع أو وكالة في لبنان موجب التسجيل في سجل التجارة (إلخ)».
وبانضمام لبنان إلى الاتفاقية المتعددة الأطراف للتعاون التقني في المجال الضريبي (MAC)، بات يتوجب على الأعضاء تزويد المعلومات الضريبية والمالية، العائدة لمقيمي ورعايا الدول الأعضاء الأخرى المستقصية، غب الطلب (upon request) دون قيد أو شرط (ولا سيما لجهة السرية المصرفية)، وأحياناً بصورة عفوية (spontaneous) في حال توفرّ الظروف لذلك، لكي تتمكن الدولة مقدِّمة الطلب من تطبيق قوانينها الضريبية بصورة فعالة والحدّ من التهرب الضريبي. مع العلم، أن معظم الدول التي تنتمي إليها الشركات الأجنبية مالكة العقارات والحقوق العينية العقارية في لبنان هي من عداد الدول الموقعة على المعاهدة والشريكة أيضاً (Partner States) في الاتفاقية المتعلقة بالسلطات المختصة (MCAA).
لذا، يقتضي إلزام الشركات الأجنبية مالكة العقارات والحقوق العينية العقارية في لبنان التسجيل في وزارتي المال والاقتصاد وفي السجل التجاري وإلزام المسؤولين عنها بمسك وتيويم سجل خاص بأصحاب الحقوق الاقتصادية وحفظ المستندات التي تبين كيفية هيكلة ملكية الشخص المعنوي و/أو كيفية السيطرة عليه وكل المعلومات والمستندات المتعلقة بأصحاب الحقوق الاقتصادية وتزويد المراجع المختصة المذكورة بها لكي تقارنها مع تلك التي سوف تستحصل عليها غب الطلب أو تلقائياً من الدول الأجنبية حيث هي مسجلة بموجب اتفاقيتَي التبادل MAC وMCAA.