من الواضح جدّاً أننا مُقبِلون على كارثة نقدية ناتجة من إدماننا على المستوردات، التي ترتّب عجزاً تجارياً كبيراً ومزمناً، يتسبّب بخروج مليارات الدولارات من البلاد سنوياً. صحيح أن هذا النزيف يتمّ عكسه من خلال ما يُسمّى «هندسات مالية»، إلّا أن نتائج هذه العمليّات مؤقّتة ومرحلية، فهي تؤجّل يوم الاستحقاق الكبير، بضعة أشهر، في مقابل مضاعفة حجم المشكلة وآثارها في المستقبل.

في الهندسة المالية الأخيرة، تمّ دفع ربا فاحش للبنوك. مرّروا منها 14% فقط إلى معظم زبائنهم الأغنياء، وهم أساساً غير ضليعين بالرياضيات المالية. بينما ما حصل، فعلياً، هو أنهم قنّعوا الفائدة الحقيقية. عملياً، تمّ توصيف هذه العملية على أنها ستدرّ أرباحاً بنسبة 40% على مدى ثلاثة سنين، مع دفعة أولى بنسبة 10%. ومن ثمّ أكملوا المسلسل الخرافي الذي يروي قصة بلد يقبع في مكان ما في العالم، صناعته وزراعته وشركاته ومحلّاته ومطاعمه تُفلس الواحدة تلو الأخرى، فيما بنوكه تزداد أرباحها سنوياً. وكأنه يوجد لبنانان منفصلان؛ لبنان الشركات والمصانع والمؤسّسات والأفراد، الذي ينازع ويحتضر نتيجة كساد اقتصادي وحشي. ولبنان البنوك، الذي يجني أرباحاً قياسية، علماً أن هذه الأرباح وهمية ويوماً ما سيتّضح الأمر.
لكن، ماذا يعني أن تدفع البنوك فائدة بمعدّل 14.2% لزبائنها؟

أنجل بوليغان ــ المكسيك

بمعادلة حسابية بسيطة، يعني أنه في مقابل كلّ مليار دولار وضِع في هذه الهندسة، على البنوك أن تدفع ملياراً ونصف مليار دولار بعد 3 سنوات. إلّا أن الضليع في الأسواق المالية العالمية، طبعاً خارج عالم ألف ليلة وليلة البيروتي، يُدرك استحالة وجود أيّ استثمار على كلّ الكرة الأرضية قادر على خلق عوائد مضمونة بهذا الحجم، فكيف الحال في بلد نموّه صفر بالمئة؟ من هنا، يبدو واضحاً أن هؤلاء «المستثمرين» هم كمن يلعب القمار في الكازينو، مراهنين على دخول فريسة جديدة لتأخذ مكانهم عندما تستحق الوديعة قبل انتهاء لعبة الكراسي الموسيقية. عملياً، تسمّى هذه الاستراتيجية بـ«نظرية الغبي الأكبر»، وهي تقوم على المعادلة البسيطة التالية: قد «أظمط بريشي»، ربّما، طالما يوجد غبي أكبر مني سيأخذ مكاني، و«يأكل الضرب» عني.
في الواقع، كل هذا يحصل لغاية واحدة فقط، وهي جذب الدولارات وتغطية العجز التجاري. ما يعني أن صاحب الوديعة الذي يجلب دولارات من الخارج، ظنّاً منه أنها ستكون بمأمنٍ في مصرفه المفضّل، هو بالحقيقة يتبرّع بها - بالمعنى الحرفي للكلمة - لكي يحافظ على نموذج اقتصادي قائم على الاستهلاك. فدولاره يدخل إلى لبنان اليوم، ليعاود الخروج منه في اليوم التالي، لشراء المستوردات، وهو ما يعني فعلياً أنه «صُرف إلى غير رجعة».
أمّا بالنسبة لأصحاب القرار، فهؤلاء أزالوا من قاموسهم الخيار الوحيد المُتاح، ولنسمِّه «خيار لا سمح الله» استناداً إلى العبارة التي يردّدونها عند الحديث أو حتّى التلميح لتعويم سعر الصرف. ففي ظلّ تراثنا المُعتاد، الذي لا تعنيه المصلحة العامّة أو مستقبل الأجيال الصاعدة، طالما أنه مستفيد الآن (أو لا يزال يصدّق أنه مستفيد)، وفي ظلّ تغييب «خيار لا سمح الله»، يبقى لنا أن نحسب الدولارات التي لا تزال موجودة في البلاد، لكي نُقدِّر كمّية الأوكسجين الموجودة لدينا، أو الوقت المتبقّي قبل دخول غرفة العناية الفائقة.
وفق منشورات المصرف المركزي، تقدّر موجوداته بنحو 30 مليار دولار فقط (لأن علينا استثناء سندات الخزينة بالعملات الأجنبية أي اليوروبوندز)، فيما تبلغ نحو 10 مليارات دولار لدى البنوك وهي عبارة عن ودائع لدى البنوك المراسلة في الخارج. في تقريره الشهري، يقول المصرف المركزي نفسه، إن الميزان التجاري سجّل خروج 10 مليارات دولار منذ أقل من سنة، أي بمعدّل مليار دولار شهرياً. إذا صَدَقت هذه الأرقام، وهي في جميع الأحوال تندرج ضمن السيناريو الأفضل، وإذا اعتبرنا أنه علينا استثناء 15 مليار دولار للضروريات، مثل استيراد القمح والوقود والأدوية، فهذا يعني أن لدينا 24 مليار دولار من السيولة لحماية الليرة وتمويل المستوردات (أي العجز التجاري)، أو بمعنى آخر، 24 شهراً قبل أن تنفُذ السيولة.
طبعاً، هذا السيناريو متفائل. ففي السيناريو الثاني، الأقل تفاؤلاً، وإذا دقّقنا بالأرقام المنشورة، نجد بعض الثغرات. مثلاً، إذا جمعنا كلّ أرقام العجز التجاري منذ عام 1993 وحتى أيار/ مايو الماضي، يتبيّن أن صافي المجموع التراكمي لكلّ الدولارات التي دخلت إلى لبنان وخرجت منه يساوي 9 مليارات دولار فقط. في حين أن صافي مجموع الودائع لدى كلّ البنوك، في عام 1993، كان أقلّ من مليار دولار (وفق ورقة للبروفيسور الياس رعد من الجامعة اللبنانية الأميركية تعود إلى عام 2004). ما يعني أن هامش السيولة لا يتجاوز الـ10 مليارات دولار، أي أقل بكثير ممّا نعتقد. وعلى الأرجح، أن الرقم الحقيقي يقع بين هذين الرقمين.
بغض النظر عن الرقم الحقيقي الآن، الأكيد من كلّ ذلك أن هذه الحسابات لا تأخذ في الاعتبار السيناريو الثالث، والذي يتمثّل بحالة هلع قد تتسبّب بهجمة مفاجئة على البنوك. ففي حال زاد تحويل الدولار إلى خارج البلاد أو تخزين الدولارات في البيوت، ولم تعد الهندسات المالية والفوائد الخيالية تفي بأهدافها، سيُضطر القائمون على السياسات إلى التحوّل من سياسة «حثّ» البنوك على تقنين الدولارات وتقنين سحب الودائع، إلى سياسة فرض الضوابط الرسمية على رأس المال.
في الحصيلة، السيناريوهان الثاني والثالث يعنيان أن يوم الاستحقاق سيأتي في عام 2020، أي على مقربة أشهر من اليوم. أمّا أحد مُسرِّعات حالة الهلع فقد ينبعث من احتمال إعادة تصنيف لبنان من قِبَل وكالات التصنيف التي تزور ربوعنا في هذه الأثناء، وهو ما سيؤدّي حتماً إلى إعادة تصنيف البنوك التي لا يمكن أن تحصل على تصنيف أعلى من التصنيف السيادي (أي تصنيف الدولة). من هنا، يشكّل تشرين الأول/ أكتوبر المقبل مفصلاً مصيرياً للبنان، وهو يتطلّب مراقبة حثيثة لكلّ المعطيات لمعرفة إذا ما كانت ساعة الصفر ستحّلّ في عام 2020 (السيناريو البراغماتي الواقعي) أو في عام 2021 (السيناريو المتفائل).
هناك استنتاج آخر يمكن استخلاصه من هذه الأرقام، وهو أنه في مقابل كلّ 3 أو 4 دولارات من الودائع، يوجد دولار واحد من السيولة، وهذا في أحسن التقديرات (أي إذا صدّقنا صحّة الأرقام المنشورة). أمّا في التقديرات الأكثر براغماتية، فربّما لا يوجد أكثر من دولار واحد سيولة لكلّ 10 دولارات من الودائع. وهذا المعدّل بذاته لا يختلف عن المعدّل الموجود في بنوك البلدان الأخرى، مثل الولايات المتّحدة، إلّا بأمرين رئيسين؛ الأوّل أن كلّ حساب في الولايات المتّحدة مضمون حتى مبلغ 250 ألف دولار (حتّى ولو كان صاحب الحساب يمتلك 10 حسابات أخرى)، والثاني أن هذه الضمانة لها مصداقية مُطلقة، كون الودائع كلّها موجودة بعملتها، أي أنها تستطيع طبع قدر ما تشاء من الدولارات لتسديد هذه الضمانة بغض النظر عن قيمة المبالغ التي سُحبت من بنوكها. لكن في لبنان، الضمانة محدودة بنحو 5 ملايين ليرة (أي 3333 دولاراً)، وبعملة لا نتحكّم بها بأي حال، أي أن الضمانة لا تتمتّع بالمصداقية نفسها.
عملياً، لقد بدأنا نشهد بعض مظاهر التشقّقات الناتجة من نقص الدولارات في السوق. مثلاً هناك صديق لي، الدكتور فرناند، يبني منزلاً في الجبل، قال لي إن تاجر الحديد يُصرّ أن يُدفع له بالدولار، والمقاول كذلك، وإذا قبض المقاول بالليرة، فإنه يحتسب سعر الصرف بقيمة 1520 ليرة، أي خارج نطاق التثبيت المُحدّد من قِبَل البنك المركزي.
وفق المعطيات الرقمية ومؤشّرات السوق، من المتوقّع أن تزيد حدّة نقص الدولار وبالتالي الإجراءات المضادة، أي تقنين التحويلات من الليرة إلى الدولار أو التحويلات المالية إلى الخارج أو سحب الكاش. والنتيجة الحتمية لهذه الإجراءات، هي أن الدولار الموجود في حساباتنا سيصبح بمثابة نقود لعبة المونوبولي؛ تستطيع أن تكتب بها شيكات تنقل الملكية من لاعب إلى آخر، ولكن لا تستطيع استعمالها خارج إطار اللعبة أو تحويلها إلى أوراق نقدية. ما يعني أن قيمة الدولار الأميركي في لبنان تصبح أقل بكثير من قيمة الدولار الحقيقي، وربّما يتطوّر الأمر إلى خلق سوق سوداء بين الدولار النقدي والشيك بقيمة دولار. بتعبير آخر، طالما لم يتغيّر سعر صرف الليرة المُحدّد بـ1500 ليرة مقابل الدولار، سيتغيّر سعر صرف الدولار اللبناني، ليصبح كلّ دولار نقدي أو خارج لبنان، يساوي 3 أو 4 دولارات في البنوك اللبنانية. وبدلاً من تعويم (أي تخفيض) الليرة اللبنانية، نكون قد خفضنا قيمة «الدولار اللبناني».
الدولار الموجود في حساباتنا سيصبح بمثابة نقود لعبة المونوبولي؛ تستطيع أن تكتب بها شيكات تنقل الملكية من لاعب إلى آخر، ولكن لا تستطيع استعمالها خارج إطار اللعبة أو تحويلها إلى أوراق نقدية


في ظلّ عجز الحكومة عن اتخاذ قرارات شجاعة وصارمة لخفض العجز التجاري، الذي هو سرطان لبنان الأساسي. وهو بكلّ حال عجز ناتج من أسباب سياسية تعود إلى عدم قدرة المُمسكين بالحكم على المسّ بجماهيرهم المذهبية، أو ربّما لعدم وعيهم إلى مدى خطورة الوضع نظراً لتنصيبهم مسؤولين وفق اعتبارات المحسوبية بدلاً من الكفاءات التقنية، يبدو أن المصرف المركزي أخذ على عاتقه هذه المهمّة.
فما هي سياسة مصرف لبنان الحقيقية لتأجيل الكارثة الآتية؟
هناك بعض المؤشّرات التي توحي بالأجوبة، مثل انخفاض العجز بنسبة 28% قبل أن تنتهي الحكومة من إعداد ميزانيتها، والتي لن تستطيع تحقيق نصفه في أحسن الأحوال. من الواضح أن المصرف المركزي قطع السيولة عن الدولة، باستثناء حاجتها لتمويل الأساسيات مثل الرواتب والوقود لتأمين الكهرباء. أمّا تمثيلية مفاوضات تمويل الدولة بسندات خزينة بقيمة 11 مليار ليرة بفائدة 1%، ما هي إلّا ستار يُخفي المغزى الحقيقي وهو كسب الوقت فيما السيولة مقطوعة في البلاد. والهدف الأساسي من تخفيض تمويل الدولة هو أنّ معظم السيولة التي تضخّ لصالحها تُنفق على تسديد الاستحقاقات المترتبة عليها تجاه المستشفيات والمقاولين وغيرهم، والتي تتحوّل بدورها إلى دولار لشراء الواردات، أي أنها تخرج من البلاد وتستنزف من احتياطات المصرف المركزي. إذن النمو بنسبة صفر بالمئة الذي نشهده مؤخراً ليس صدفة، بل سياسة مدروسة لحماية الليرة بأي ثمنٍ.
ما هو الثمن؟ ينتج عن هذه السياسة التي تقضي بمكافحة الحريق عبر قطع الأوكسجين تداعيات عدّة، أقلّها حدوث إفلاسات لدى الشركات والأفراد، وارتفاع معدّلات البطالة إلى مستويات قياسية، وانقطاع بعض المواد الاستهلاكية، وارتفاع هجرة الشباب، وغيرها من الآثار التي ستدمّر مكوّنات أساسية في القطاع الخاص، الذي تأتي منه الضرائب التي تموّل القطاع العام، الذي لن يتقلّص في هذه الفترة رغم كلّ شيء، وهو ما سيزيد عجز الدولة التي لن تتمكّن من تمويله عملياً، وسيتسبّب بتأخير دفع رواتب القطاع العام، تماماً كما يحدث الآن في القطاع الخاص.
إذاً، خطّة إحباط الحريق من خلال قطع الأوكسجين قد تخنق المريض أيضاً، أو وفق كلمات ونستون تشرتشل، ستؤدّي إلى مرحلة «دم وعرق ودموع».

* مصرفي متقاعد
* باحث في جامعة «هارفرد»