تطرح خطّة الكهرباء المُقرة حديثاً إنشاء ستة معامل إنتاج جديدة بين عامي 2019 و2026، بقدرة إجماليّة تصل إلى 3100 ميغاواط، وذلك بهدف توفير الكهرباء على مدار الساعة. في الواقع، لم يكن هذا الهدف (أي توفير الكهرباء 24/24) غاية بحدّ ذاتها، لا في السنوات الماضية، ولا حالياً، لسبب بسيط، هو أنّ معظم اللبنانيين يحصلون على الكهرباء، معتمدين على المولّدات الخاصّة كجزء لا يتجزّأ من المزيج الطاقوي في لبنان، بل إن الهمّ الرئيسي لدى الحكومات المُتعاقبة يتمثّل بعدم تكبّد المزيد من الأكلاف على إنتاج الطاقة لتوفير الكهرباء، ولا سيّما أن هذه العملية تشكّل ضغطاً أساسياً على العجز المالي وميزان المدفوعات، أي على نزف الدولارات التي يحتاجها لبنان لتمويل نموذجه الاقتصادي، وذلك من خلال ما يُنفق سنوياً على شراء الفيول. فوفقاً لإحصاءات الجمارك اللبنانية، شكّلت واردات المنتجات المعدنية (فيول وغيرها) أكثر من 21% من مجمل قيمة الواردات.

لطالما حاولت الحكومات اللبنانية أن تخفّف من عبء الكهرباء على ميزان المدفوعات، الذي يقيس صافي الأموال الخارجة من لبنان والداخلة إليه. فمنذ بداية الألفية الثانية، أوقفت كلّ استثمار في هذا القطاع، وأطلقت سياسة التقنين وسيلةً لتخفيف الإنفاق بالعملات الصعبة، وذلك على أثر الأزمة المالية الأولى التي شهدها لبنان بعد حربه الأهلية، وأوصلته إلى أول مؤتمر لطلب المساعدات الخارجية، «باريس-1». حالياً، هناك إجماع على أن الأزمة الفعلية التي يمرّ بها لبنان تتمثّل بعجز ميزان مدفوعاته، وهي أزمة آخذة بالتفاقم، وباتت تشكّل خطراً أساسياً على استدامة النموذج الاقتصادي الريعي القائم، الذي بطبيعته هو نظام متعطّش لتدفّق الأموال من الخارج. أمام هذا الواقع، لجأت الحكومة مجدّداً إلى الخارج لطلب القروض الخارجية من خلال مؤتمر «سيدر» الذي تعوّل عليه لتمويل مشاريع البنية التحتية المطروحة ضمن برنامجها الاستثماري، ومن ضمنها مشاريع الطاقة، وذلك ليس لأيّ سبب فعلي سوى أنها «أموال طازجة» ستُغدق عليها من الخارج، وتساعد في دعم ميزان المدفوعات وتخفيف العجوزات المتراكمة فيه.
فهل ستحقّق الخطّة المطروحة في قطاع الكهرباء هذا الهدف فعلاً؟

نموذج عملي
قد لا يستفيد قطاع الكهرباء مباشرة من مجمل هذه القروض، لكون معظم مشاريع الإنتاج المُزمع القيام بها ستكون على أساس الشراكة مع القطاع الخاص، ووفق اتفاقيات شراء طاقة لمدّة 20 أو 25 سنة، أي إن الشريك الخاص الفائز في المناقصة سيكون مسؤولاً عن إنشاء المعمل وتشغيله، ثمّ بيع الكهرباء المُنتجة إلى الدولة بالعملات الأجنبية أو بالقيمة الفعلية للعملة المحلّية.
لنفترض أن الدولة اللبنانية أطلقت اليوم مناقصة عالمية لإنشاء معمل إنتاج كهرباء وفق تقنية الـ(CCGT Combined-Cycle Gas Turbines) كتلك المطروحة في الخطّة، التي ستفوز بها شركة أجنبية ذات خبرة مع بعض الشركاء المحلّيين، وتكون أصولها وأموالها الأساسية خارج لبنان، فذلك قد يؤدّي إلى خروج للأموال من لبنان لا العكس، إذ سيُنشئ المعمل على أرضٍ تملكها الدولة (مُستملكة أو قيد الاستملاك)، وبالتالي ستتسلّمها الشركة الفائزة لتباشر بالأعمال عليها من دون أي كلفة تُذكر. ولبناء المعمل، ستُستقدَم المعدّات (التوربينات) من الشركات الأجنبية المصنّعة، وبالتالي سيُدفَع ثمنها إلى خارج لبنان بالعملات الأجنبية. وستوقّع هذه الشركة عقد شراء طاقة (PPA) مع الدولة اللبنانية، ممثّلة بوزارة الطاقة والمياه، كما حصل مع مشاريع طاقة الرّياح في عكّار، وكما يحصل بموجب مشاريع مماثلة، يُحدّد فيه سعر مبيع الكيلواط/ساعة خلال مدة العقد (عادة تكون 20 عاماً) والتي ستلتزم الدولة بدفعه بالعملات الأجنبية، مع تعهّدها بتوفير الفيول اللّازم لتشغيل المحرّكات والذي تستورده من الخارج وتدفع ثمنه بالعملات الأجنبية.



عملياً، ينطوي هذا العقد على التزامين مفصليين: الأوّل يقضي بتوفير الفيول، الذي يؤدّي استيراده إلى نزف دائم بالعملات الأجنبية، وقد أثبتت التجارب المتلاحقة أن التأخير في فتح الاعتمادات في وزارة المال يؤدّي تلقائياً إلى تقنين قاسٍ ويُكبّد الدولة خسائر بملايين الدولارات. أمّا الالتزام الثاني، فهو بدفع سعر الطاقة المُنتجة للشركة المُشغّلة بالدولار، مع الالتزام بضمانات مالية ضخمة في حال التخلّف عن الالتزام بموجبات العقد، وهو ما يعني رهن مسبق لمداخيل الخزينة العامة المستقبلية بهدف ضمان استدامة الطاقة كأولوية وتسديد ثمن الحصول عليها، أو استقطاب الدولارات بشتّى الوسائل المُمكنة كحاجة دائمة ومستمرّة. في كلتا الحالتين (أو الالتزامين)، تكون الدّولة قد وضعت في سُلّم أولوياتها تسديد الدولارات، متى توافرت، إلى منتجي الطاقة ومستوردي الفيول، الذين بدورهم يُخرجون هذه الأرباح إلى حساباتهم خارج لبنان، ما يشكّل ضغطاً إضافياً على ميزان المدفوعات. وفي حال تعذُّر الدفع، يتمّ اللجوء إلى التحكيم الدّولي كما حصل في نموذج «دير عمار-2»، مع ما يترتّب عن ذلك من خسائر ومخاطر في آنٍ واحد، مثل وضع اليد على أصول الدولة في الخارج، أو حتّى أصولها بالعملات الأجنبية الموضوعة في الخارج.
على سبيل المثال، عند المباشرة بالإنتاج من معمل «دير عمار-2» (469 ميغاواط) المنتظر، وإذا بقي السعر بنحو 2.95 سنت/كيلواط، كما هو مُعلن، ستدفع الدولة للشركة نحو 100 مليون دولار سنوياً بالعملات الأجنبية، أي ما يوازي مليارَي دولار خلال 20 عاماً. فقد أظهرت دراسة الاستشاري الدولي موت ماكدونالد (الذي استعانت به الدولة اللبنانية في عام 2014 لدراسة جدوى إنشاء 1500 ميغاواط من معامل الإنتاج، شملت مقارنة لمحرّكات أكثر من منتج عالمي) أن كلفة شراء الفيول (الذي يدفع ثمنه للخارج)، بغضّ النظر عمّا إذا كانت تعتمد على الغاز الطبيعي أو الفيول أويل، تشكّل نحو 70% من سعر مبيع الطاقة النهائي LCOE، فيما تشكّل النفقات الاستثمارية CAPEX نحو 15 إلى 20% من هذا السعر، والنفقات التشغيلية OPEX نحو 7 إلى 10%. بمعنى آخر، تظهر الأرقام أعلاه أن أكثر من 80% من الأموال التي تستثمر لإنتاج الطاقة تعود وتخرج من البلاد لتزيد الضغط على ميزان المدفوعات، فيما وحدها الأموال التي تُنفق خلال عمليتي البناء والتشغيل والصيانة تُسهم في تحريك العجلة الاقتصادية الداخلية عبر خلق فرص عمل مؤقّتة ودائمة.

هل من مخارج عمليّة أخرى؟
إذا سلّمنا جدلاً أننا بحاجة للكهرباء كأولوية على كلّ الخدمات الضرورية الأخرى، بغضّ النظر عن المخاطر النقدية التي يواجهها لبنان، فما الحلول البديلة؟ ألا يمكن تخفيف عجز ميزان المدفوعات من خلال اللجوء إلى مصادر طاقة أقل سعراً من الفيول، أو حتى الاستثمار في مشاريع الطاقة المُتجدّدة، خصوصاً أن هناك العديد من الدراسات التي تشير إلى وجود إمكانات مماثلة؟ وإذا أردنا الاستثمار في بناء المعامل المطروحة في خطّة الكهرباء، ألا توجد طريقة أمثل لتمويل هذه المشاريع؟
وسط هذا الضغط المتنامي والخطير الذي وصل إليه عجز ميزان المدفوعات، تبرز الحاجة الملحّة إلى اجتراح الحلول التي تخرجنا من هذه الدّوامة وتوقف النّزف. في الوقت الذي تحاول فيه الحكومة عبر موازنتها التقشّفية استهداف مدّخرات المتقاعدين والأساتذة والضمان الاجتماعي وموظّفي الدولة المستفيدين من صناديق التقاعد (القضاة، الجامعة اللبنانية... إلخ)، عبر فرض رسومٍ متفرّقة ومقنّعة تخفّف القدرة الشرائية، وبالتالي الطلب على الاستيراد، مع ما يمثّل هؤلاء من طبقة وسطى وقوى فاعلة في الاقتصاد. من هنا، يبرز الدور المحوري الذي يمكن أن يؤدّيه هؤلاء جميعاً في تغيير النموذج المتّبع وضمان استدامة الأموال ومنعها من الخروج خارج لبنان، وذلك بالتعاون مع شرائح اجتماعية مؤثّرة، كالمنضوين في نقابات المهن الحرّة من أطبّاء ومحامين ومهندسين.
لقد درجت العادة، بسبب النموذج الاقتصادي المتبع، كما السياسات الحكومية المتعاقبة، إلى الحدّ من هامش المناورة في استخدام أموال هذه الصناديق، بحيث كانت تُلزم بطريقة مباشرة وغير مباشرة باستثمار هذه المدّخرات في المصارف أو في سندات خزينة طويلة الأجل، وبالتالي إبقاء حركتها تحت تأثير السلطة السياسية والبنك المركزي من خلال التحكّم بأنظمة العوائد والفوائد ومدّة الاستثمار. علماً أن أموال تعويضات صناديق نهاية الخدمة في الضمان الاجتماعي، ونقابات المهن الحرّة من أطبّاء ومحامين ومهندسين، وتعاونية موظفي الدولة وأساتذة التعليم الخاص وغيرها تراوح بين 12-14 مليار دولار.
بالعودة إلى مشاريع الطاقة وكيفيّة إدارتها، يمكن إنشاء شركة وطنية مساهمة تُدرج في بورصة بيروت لتمويل إنشاء معمل الإنتاج بدلاً من الشركة الأجنبية الفائزة في المناقصة، التي تبقى مسؤولة عن التصميم والبناء والصيانة والتشغيل. ويمكن هذه الشركة الوطنية أن تكون مزيجاً من اكتتابات للصناديق المذكورة أعلاه، واكتتابات عامّة من الأفراد والمؤسّسات وأصحاب المدّخرات في المصارف وشركاء استراتيجيين، ويمكن الدولة أيضاً أن تكون شريكاً في هذه العملية، بحيث يستفيد من عوائد هذا المشروع مساهمون لبنانيون في هذه الشركة، وذلك لـ20 سنة مستقبلية، فتُخلَق حركة اقتصادية داخلية من دون خروج الدولارات إلى حسابات في الخارج، ولا تعود الدولة تنافس على الدولارات المعروضة في السوق، ما ينعكس على ميزان المدفوعات.
تراوح أموال صناديق نهاية الخدمة والتعاضد بين 12 و14 مليار دولار


يؤدّي هذا النموذج إلى تحقيق منافع عدّة تنعكس على القطاع الكهربائي والاقتصاد في آنٍ واحد، إذ إنّ هذا المشروع يمكن أن يدرّ أموالاً من جرّاء بيع الطاقة للدولة والمستهلكين عموماً من دون رهن مقدّرات الدولة، ولكن لأشخاص محلّيين سيستفيدون من دورتها لمدّة 20 سنة، وبالتالي يحافظون على العقد الاجتماعي وعلى القدرة الشرائية للأسر، ويبعدون شبح التحكيم الدولي، وينقذون ما بقي من أموال في الاحتياطات الأجنبية. أضف إلى ذلك، تسمح الشركة الوطنية بخلق إدارة فعّالة وشفّافة، غايتها المحافظة على مصلحة المكتتبين فيها وتحقيق الأرباح في الوقت نفسه، فيصبح من الصعب إغراقها في الفساد والزبائنية والمحسوبية.
إذا كانت الغاية فعلاً تغيير النموذج الاقتصادي المتّبع منذ عشرات السنين، والاتجاه نحو نموذجٍ أكثر إنتاجية وخلق فرص جديدة، فإن هذا الطرح يمثّل مدخلاً لتغيير النمط السائد. هو طرحٌ لا ينطبق فقط في معامل إنتاج الكهرباء على الغاز فحسب، بل أيضاً في مشاريع الإنتاج من الطاقات المُتجدّدة التي أثبتت جدواها وفعاليّتها، كما في مشاريع المياه والصرف الصحّي والنقل المشترك وغيرها... إن أي استراتيجية للمشاريع الاستثمارية المقبلة، في أي قطاع خدماتي كان، إن لم تقارب أزمة ميزان المدفوعات وتعمل على تخفيف وطأتها، باعتبارها الأزمة الداهمة التي تهدّد سعر الصرف وتؤثّر في كلّ مكوّنات المجتمع، تكون بذلك تؤدّي دوراً يفاقم الأزمة ويكسب الوقت لا أكثر.

* باحث في مجال الطاقة