نشر مركز أبحاث السياسات الاقتصادية (لندن)، في العام الماضي، ورقة بحثية بعنوان «شراء الأصوات والمنظّمات الدولية: فرضية العمل القذر». يدرس الباحثون في هذه الورقة كيف تستخدم الولايات المتّحدة الأميركية الدعم المباشر لتحقيق أهداف جيو - سياسية وشراء أصوات الدول في المحافل الدولية، وتحديداً في مجلس الأمن، أقوى مجالس الأمم المتّحدة. أما حين يتعذّر توفير الدعم المباشر وتبريره لأسباب داخلية سياسية أو مالية، تلجأ الولايات المتّحدة حينها إلى الدعم غير المباشر واستخدام صندوق النقد والبنك الدوليين لمكافأة الدول التي تصوّت لها، أو لخفض الدعم كإجراء تأديبي عندما تعصي هذه الدول القرارَ الأميركي.

يعرض الباحثون أمثلة من السياق التاريخي. فمثلاً، عملت الولايات المتّحدة الأميركية على احتواء روسيا وإمكانية صعودها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. كان الدعم الأميركي المباشر لروسيا الاتحادية الوليدة أداة لهذه الغاية، وارتفعت قيمته من مليار دولار في عام 1993 إلى مليارين ونصف مليار في عام 1994. إلّا أن القلق من عجز الخزينة الأميركية، بالإضافة إلى نتائج الانتخابات البرلمانية الروسية غير الواعدة في نهاية عام 1993، فضلاً عن عوامل أخرى، أدّت إلى خفض هذا الدعم جذريّاً.
هناك أمر لافت يشير إلى فرضية مهمّة بُنيت عليها أوراق بحثية عديدة، ومنها هذه الورقة. ففيما انخفضت المساعدات الأميركية التي يصعب تبرير استمراريتها لأسباب داخلية، شهد دعم صندوق النقد الدولي لروسيا في المقابل ازدياداً كبيراً. في عام 1995 وافق الصندوق على قرض بقيمة ستة مليارات دولار، ثمّ رفعه إلى 10 مليارات في عام 1996، وصولاً إلى 18 مليار دولار في عام 1998. حدث هذا بالتوازي مع تصريحات الرئيس الأميركي بيل كلينتون حول ضرورة هذا الدعم وتأييده، وتصريحات للرئيس الروسي بوريس يلتسن حول ضرورة إشراك كلينتون والرئيس الفرنسي جاك شيراك وغيرهما لتوفير هذه القروض.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

يشدّد البحث على نقض فكرة استقلالية صندوق النقد والبنك الدوليّين وحياديتهما. ينقض كذلك السردية القائلة إن الدعم الثنائي المباشر، أي دعم دولة لأخرى، أداة لترويج الأجندات السياسية، فيما مساعدات المنظّمات الدولية تهدف حصراً إلى التنمية والخدمات العالمية العامّة. إن البحث ينتهي إلى أن المنظّمات الدولية عبر المساعدات التي تقدّمها، هي أيضاً أداة أخرى للضغط تستغلّها الولايات المتّحدة لفرض سياساتها.
إذاً، إن كان دعم صندوق النقد في حالات معيّنة يهدف إلى الضغط السياسي، وإن كانت الولايات المتّحدة هي المموّل الرئيس للصندوق، فلماذا لا تقدّم الولايات المتحدة دوماً مساعداتها مباشرة إلى دولة ما مقابل شراء صوتها في مجلس الأمن؟
إن الجواب عن هذا السؤال يكمن في أن الولايات المتّحدة تقدّم الدعم المباشر حين يكون الداخل الأميركي مرحّباً بالخطوة، أو عندما يكون الدعم موجّهاً إلى حليف وثيق. في المقابل، تلجأ الولايات المتّحدة إلى الدعم غير المباشر عبر صندوق النقد مثلاً حين يكون الرأي العام أو مجلس الشيوخ معارضاً للدعم وعدائياً تجاه الدولة المتلقّية. إن هذه المنظّمات الدولية تقوم إذاً بـ«العمل القذر» الذي لا تستطيع الدول ذات المساهمة الأساسية في هذه المنظّمات القيام به لأسباب محلّية. يذكر البحث أيضاً أن هذه المنظّمات تقوم بعملية «غسل» (على غرار غسل الأموال) للنشاط السياسي للدول المؤثّرة فيها، عبر تنفيذ أجنداتها بعيداً من انتباه شعوبها، ما يجنّبها أي تبعات وعواقب انتخابية كانت ستترتّب عليها، لو دعمت بعض الدول مباشرةً.
نقطتان مهمّتان هنا: أولاً، حفاظاً على الصورة الاستقلالية والحيادية لهذه المنظّمات، كالبنك وصندوق النقد الدوليّين، بغية ضمان استمراريتها الوظيفية، تمتنع الدول المؤثّرة فيها عن التدخّل في «معظم الحالات»، وتحصر تدخّلاتها في حالات معيّنة، لكن ذات الأهمية العالية. ثانياً، لأنّ المساعدات التي تمرّرها الولايات المتّحدة مثلاً عبر صندوق النقد تكون أصلاً لدول غير حليفة لأميركا، كما أُشير سابقاً، تبدو الصورة من الخارج أن صندوق النقد يدعم دولاً بعكس مشيئة الولايات المتّحدة نفسها. وهذا أمر من شأنه تعزيز صدقية الصندوق واستقلاليته ونفي سيطرة الولايات المتّحدة عليه للمراقبين من الخارج.
يذكر الباحثون بعض الأمثلة. المثل الأوّل حرب الخليج في عام 1990، حيث قدّمت الولايات المتّحدة وعوداً إلى الصين بقروض من البنك الدولي مقابل تمرير قرار مجلس الأمن والامتناع عن استخدام الفيتو. كذلك، قدّمت وعوداً إلى الاتحاد السوفياتي باحتفاظه بأستونيا ولاتفيا وليتوانيا في قمة باريس 1990 مقابل تمرير القرار. وأقنعت الكويت والمملكة السعودية بإمدادهما بالعملة الصعبة. كذلك وعدت كولومبيا وساحل العاج وإثيوبيا وزائير بمساعدات مالية. أمّا اليمن التي رفضت القرار من موقعها عضواً مؤقّتاً في مجلس الأمن، فقد أوقفت الولايات المتّحدة كل مساعداتها لها، وفق مذكّرات وزير الخارجية الأميركي جايمس بايكر. المثل الثاني، مساعدة الولايات المتّحدة الصين للحصول على قروض من البنك الدولي، وإعطاؤها ضمانات أمنية بخصوص تايوان، في مقابل تمرير الصين لقرار مجلس الأمن حول «استعادة الديموقراطية في هاييتي» في عام 1994. المثل الثالث هو الاقتراح الذي عُرض في مجلس الأمن لإبطال خطوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لـ«إسرائيل». صوّتت 14 دولة لمصلحة القرار الذي سقط بفعل الفيتو الأميركي، وهدّد بعدها الرئيس الأميركي ترامب بقطع المساعدات الخارجية عن الدول التي صوّتت ضد الولايات المتّحدة.
الإنجاز الذي يقوم به البحث هو النموذج الرياضي التي يقدّمه، والذي يظهر العلاقات بين الدعم الذي تتلقّاه الدول الأعضاء في مجلس الأمن وبين تصويتها لمصلحة الولايات المتّحدة الأميركية. جمع الباحثون قاعدة بيانات حول كل أصوات الدول الأعضاء الخمس عشرة في مجلس الأمن على 2،524 قراراً له بين عامي 1946 و2015. يُترجم هذا الرقم إلى 36,460 تصويتاً فردياً. يطوّر الباحثون نماذج إيكونومتريّة عدّة (قياسات اقتصادية) لدراسة أثر متغيّرات عديدة على تلقّي الدول لدعم مباشر من الولايات المتّحدة أو من صندوق النقد الدولي. النموذج الأهمّ يدرس المتغيّرات التالية بين عامي 1960-2015: عضوية الدولة في مجلس الأمن، نسبة أصوات الدولة ضد أميركا، التصويت دوماً لمصلحة أميركا، التصويت دوماً ضد أميركا، التصويت لمصلحة أميركا أو ضدّها في سنوات مهمّة وسنوات غير مهمّة سياسياً، وغيرها من المتغيّرات.
إن الأهمّية المتفاوتة لقرارات مجلس الأمن تقتضي حتماً التمييز بين هذه القرارات وإعطاء أهمّية ووزن أكبر للقرارات الأهم بالنسبة إلى الولايات المتّحدة. وضع الباحثون ثلاثة معايير لقياس أهمّية أي قرار لمجلس الأمن: أوّلاً، عدد المرّات التي بُحث فيها عن اسم القرار الرسمي على موقع غوغل (Google hits). ثانياً، تعلّق القرار بـ«إسرائيل» حصراً حيث تُعَدّ «حليفة أميركا المهمّة جداً». ثالثاً، يعتمد الباحثون على معيار دلالي (Proxy) لتصنيف أهمّية السنوات وفق مقدار تكرّر كلمات «الأمم المتّحدة» و«مجلس الأمن» في مقالات جريدة نيويورك تايمز الأميركية.
تبيّن الحسابات أن الدول التي تصوّت لمصلحة الولايات المتّحدة حصراً في كل الأصوات تحصل على مساعدات أميركية أكثر بـ 42%. أمّا إذا اعتُمد معيار «إسرائيل» لتحديد أهمّية القرارات، فإن الدول التي تصوّت بالكامل لمصلحة الولايات المتّحدة تحصل على مساعدات أكثر بـ83%، فيما تحصل هذه الدول على مساعدات أكثر بـ38% و62% إذا اعتُمد معيارا غوغل أو نيويورك تايمز على التوالي. أمّا بخصوص مساعدات صندوق النقد الدولي، فإن الدول التي تصوّت بالكامل مع الولايات المتّحدة الأميركية تحصل على مساعدات من الصندوق أكثر بـ46% و78% اعتماداً على معيارَي غوغل ونيويورك تايمز على التوالي.
لقد أُجري قياس أثر هذه المتغيّرات على مساعدات صندوق النقد الدولي التي تتلقّاها الدول حين تصوّت لمصلحة دول أخرى دائمة العضوية في مجلس الأمن، فلم تبيّن أيّ نتائج لافتة. يعني هذا تفرّداً للولايات المتّحدة الأميركية في استغلال هذه الميكانيزمات.
ينتهي البحث إلى أن أصدقاء الولايات المتّحدة وحلفاءها يتلقّون مساعدات مباشرة أكثر لتصويتهم لمصلحة الولايات المتّحدة الأميركية في مجلس الأمن، فيما «يُكافأ» خصوم الولايات المتّحدة أحياناً بقروض من صندوق النقد والبنك الدوليّين. كذلك يبني البحث على نتائج سابقة تقول إن الحكومات اليمينية عُرضة لتقديم دعم غير مباشر، من طريق منظّمات عالمية، أكثر من الحكومات اليسارية. يردّ الباحثون ذلك إلى ميل الحكومات اليمينية إلى التدخّل الخارجي أكثر من تلك اليسارية. هذا مثلاً يبرّر الإصرار الألماني على المحافظة على دور صندوق النقد الدولي في الأزمة اليونانية، لأن الرأي العام الألماني يحبّذ ذلك، فيما الغاية الأعمق هي الحفاظ على القرار الألماني كمحدّد في الأزمة. ويذهب الباحثون إلى توقّع توجيه الحكومات الأوروبية مساعداتها عبر الاتحاد الأوروبي إلى إنشاء «صندوق نقد أوروبي» ليكون أداة لتنفيذ سياسات لا تستطيع الحكومات القيام بها علناً، لكونها غير مُحبّذة من الرأي العام الأوروبي كمسألة اللاجئين وغيرها.