يقدّم الكاتب في مقاله أبرز النتائج التي استخلصها من بحث أعدّه أخيراً، بدعم من الجامعة اللبنانية، ونشره في كتاب صادر عن دار الفارابي تحت عنوان «سوق العمل وأزمة التشغيل في لبنان - اقتصاد المعرفة كمدخل لاستراتيجية الخروج من الأزمة». ويقترح التحوّل إلى نمط اقتصادي آخر يقوم على الاستخدام الأمثل لرأس المال البشري


أزمة التشغيل في لبنان ليست أزمة طارئة. فمعدّلات البطالة بقيت عند مستويات مرتفعة طوال الفترة 1997- 2010 (نحو 10% كمتوسّط سنوي). وأخذ هذا المعدّل يرتفع بعد 2010، ويقدّره البنك الدولي في الوقت الحاضر بنحو 20% من مجموع القوى العاملة. وكانت معدّلات البطالة (ولا تزال) أعلى بكثير عند الفئات الشابّة وذات المستويات التعليمية المرتفعة. لكن أزمة البطالة السافرة ما هي إلّا الجانب الظاهر من أزمة أعمّ وأشمل تعاني منها سوق العمل في لبنان. أزمة مُزمنة، تتمثّل بهدر متمادٍ لرأس المال البشري في مسارب الهجرة والبطالة السافرة والبطالة الجزئية وسوء استخدام المهارات المُكتسبة. ووفق حسابات تقريبيّة قمنا بها (في كتاب «سوق العمل وأزمة التشغيل في لبنان - اقتصاد المعرفة كمدخل لاستراتيجية الخروج من الأزمة»، صدر عن دار الفارابي)، تبيّن أنّ هذا الهدر لا يقلّ عن 50% من مجموع القوى العاملة اللبنانية المقيمة والمهاجرة.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

لكي نستطيع تحديد الأسباب الرئيسية لهذه الأزمة، أجرينا تقييماً للأدوار الفعليّة التي يلعبها كلّ عامل من العوامل الأكثر تأثيراً في حركة سوق العمل، ولا سيّما: أنظمة التعليم والتدريب، العمالة غير اللبنانية، الأطر المؤسّساتية التشريعية والتنظيمية، مستويات النموّ الاقتصادي، اَليّة اشتغال سوق العمل نفسها. وتوصّلنا إلى الخلاصة التالية: إن هذه العوامل، منفردة أو مجتمعة، ليست هي المساهمة الرئيسية في أزمة التشغيل الحادّة، لأنها ليست أزمة ظرفية أو تقنية أو قطاعية، وإنّما هي من طبيعة بنيوية ترتبط عضوياً بطبيعة الاقتصاد اللبناني ككلّ ونمط اشتغاله في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية. إذ أنّ نموّ هذا الاقتصاد أصبح يعتمد إلى حدٍّ بعيد على التدفّقات المالية الخارجية، الخاضعة بدورها لتقلّبات الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية في بلدان المصدر وفي لبنان نفسه. وهذه التدفّقات لا تتحكّم فقط بمستويات النموّ، وإنّما أيضاً بالبنية القطاعية للاقتصاد. فالجزء الأعظم منها يذهب للاستثمار في نشاطات اقتصادية ريعية، كالعقارات والأدوات المالية (سندات خزينة وغيرها)، أو لتمويل استهلاك سلع وخدمات، مستوردة بمعظمها. وبذلك تكون النشاطات التي تنمو إمّا قليلة الاستيعاب للقوى العاملة، وإمّا نشاطات خدماتية متدنية الإنتاجية، لا تؤمّن للشباب اللبناني المستوى المعيشي اللائق، فيفضّل البقاء متعطّلاً من العمل بانتظار أن يأخذ طريقه إلى الهجرة، ويُستعاض عنه بتشغيل غير اللبنانيين على نطاق واسع

الاستراتيجية البديلة: اقتصاد المعرفة هو الحل


المعالجة الناجعة لأزمة التشغيل، التي يعاني منها لبنان، يجب أن لا تقتصر على السياسات المُسمّاة «سياسات سوق العمل». فهذه السياسات هي عبارة عن مجموعة من البرامج الموجّهة لـ«تنشيط» السوق. وفي الحالة اللبنانية، فإن هذه البرامج، على أهمّيتها، لن تعالج مصادر الأزمة البنيوية، حتّى ولو ترافقت مع عملية إصلاح أنظمة التعليم والتدريب، وإجراءات لتنظيم الاعتماد على اليد العاملة الأجنبية... وبالتالي، لا بدّ أن توضع برامج «التنشيط» في سياق استراتيجية أشمل للتحوّل من نمط الاقتصاد الحالي إلى نمط آخر، يوفّر الأرضية الصالحة للتغلّب على العجز البنيوي الذي يعاني منه الطلب على القوى العاملة اللبنانية، ويكون قادراً على إطلاق عملية نمو اقتصادي مستدام، على قاعدة بنية إنتاجية محلّية أكثر متانة وأقل تعرّضاً للصدمات الخارجية وأكثر قدرة على المنافسة في الأسواق المحلّية والخارجية. فالنمط الاقتصادي، القائم على نشاطات كثيفة الاستخدام لليد العاملة الرخيصة، كما هو حال النمط الاقتصادي اللبناني الحالي، ليس قادراً على توليد فرص عمل كافية ومجزية لأفواج القادمين الجدد إلى سوق العمل. ولذلك، عليه إطلاق نشاطات عالية الإنتاجية، تعتمد على المعرفة العلمية والتكنولوجية المتقدّمة بوصفها عامل الإنتاج الرئيسي. بعبارة أخرى، على الاقتصاد في لبنان أن يتحوّل إلى ما يمكن تسميته «اقتصاد معرفة».
لا يعني اقتصاد المعرفة فقط الاستخدام الكثيف للإنترنت والهاتف المحمول والحاسوب، كما هو شائع، بل هو يقوم على إنتاج ونشر واستخدام كثيف للمعرفة العلمية والتكنولوجية في جميع القطاعات، وتلعب المعرفة دور المحرّك الرئيسي فيه لتحقيق النموّ الاقتصادي، وتصبح الموارد البشرية المؤهّلة وذات المهارات العالية الأصول الأكثر قيمة فيه.
يملك لبنان الكثير من المقوّمات التي تمكّنه من اللحاق بركب اقتصاد المعرفة. فبلدان كسنغافورة وإيرلندا وفنلندا لم تكن، قبل شروعها في التحوّل إلى هذا النوع من الاقتصاد، تملك من هذه المقومات أكثر ما يملكه لبنان؛ ناهيك عن القطاع الخاصّ اللبناني الديناميكي، والانفتاح التاريخي على الخارج، وانتشار اللبنانيين في مختلف أنحاء العالم. وقد خلصت دراسات وتقارير عدّة (IDAL) إلى أن هذه المقوّمات تُكسِب لبنان مزايا تنافسية حقيقية، تتيح له الكثير من فرص الاستثمار الواعدة في مختلف القطاعات الإنتاجية ذات المكوّنات المعرفية العلمية والتكنولوجية المتقدّمة.
ما الذي ينقص لبنان من أجل تحويل هذه الإمكانات والفرص إلى إنجازات ملموسة على الأرض؟ إنه، تحديداً، الدور المفقود الذي يجب أن تلعبه الدولة كمخطِّط وموجّه ومحفّز ومنسّق ومؤطّر وناظم للمبادرات الخاصّة.
في السنوات الأخيرة، كثرت المبادرات الخاصّة في لبنان في مجال إنشاء ودعم المؤسّسات الصغيرة والمتوسّطة بشكل عام، والشركات التكنولوجية الناشئة بشكل خاصّ. ولكن هذه المبادرات، على أهمّيتها، بقيت محدودة الأثر في تشكيل قاعدة متينة لانطلاق عملية التنمية المنشودة المرتكزة إلى التحوّل إلى اقتصاد المعرفة، وذلك بسبب قصور الحكومات في لبنان عن لعب الدور الناقص. ويظهر هذا القصور بشكل واضح في مجال المنظومة البيئية المناسبة لنمو الشركة التكنولوجية الناشئة. فعدم توفير البنية التحتية المادية والعلمية والقانونية، وعدم تحمّل القدر الكافي من أعباء المخاطر التي تتعرّض لها هذه الشركات بسبب طبيعتها، يفسّر إلى حدٍّ بعيد محدودية نموّها، إن كان لناحية العدد والحجم أم لناحية القطاعات الإنتاجية التي تعمل فيها. ذلك إن عدم توفير البنية التحتية يجعل نسبة فشل النشاطات القائمة على المعارف العلمية والتكنولوجية عالية. وفي حال تسنّى لها تجاوز المراحل الأولى للتأسيس بنجاح، تجد الكثير من الشركات أنها مجبرة بعد ذلك على الهجرة إلى الخارج أو تحويل المُلكية إلى شركات أجنبية، هذا إن لم تكن أصلاً تعمل لحساب شركات أجنبية. وعليه، بقي تأثير هذه المبادرات محدوداً على نموّ الاقتصاد وتنوّعه، وعلى خلق فرص عمل وفيرة تستوعب أفواج الخرّيجين.
4 محاور للانتقال إلى النمط الاقتصادي الجديد

إن استراتيجية الانتقال إلى نمط اقتصادي بديل لا يمكن أن تخرج إلى حيّز الواقع في ظلّ النظام السياسي الاقتصادي السائد، الذي أنتج أزمة التشغيل نفسها. فمثل هذه الاستراتيجية تتطلّب أن تتحوّل الدولة إلى ما يسمّى «دولة تنموية»، أي التي تلعب دور المخطِّط والموجّه والمحفّز والمنسّق والمؤطّر والناظم للمبادرات الخاصّة.
ولكن، حتى لو سارت الأمور على ما يرام في هذا الاتجاه، فإنّ التحوّل إلى اقتصاد المعرفة يحتاج إلى ما لا يقلّ عن عشر سنوات. لذلك فإن الاهتمام يجب أن يتركّز في هذه الفترة على رصد ما يمكن أن يترتّب من انعكاسات على سوق العمل، عبر تحديد 4 محاور رئيسة للإجراءات الواجب اعتمادها.

تعزيز مرتكزات اقتصاد المعرفة
المطلوب، هنا، معالجة وجوه التقصير الحكومي على صعيد مرتكزات اقتصاد المعرفة الأربعة (التعليم والتدريب، البنية التحتية للمعلومات، أنظمة الابتكار، الحوافز الاقتصادية والنظم المؤسّسية). وبالتالي، إخراج الاستراتيجيات والمخطّطات من الأدراج وتطويرها وتنفيذ مندرجاتها.
دعم وتنمية المؤسّسات الصغيرة والمتوسّطة
إن الوضع الراهن لهذه المؤسّسات وبرامج الدعم المشتّتة والمجتزأة التي تستهدفها، من قِبل جهات حكومية وغير حكومية متفرقة، يجعل من الضروري العمل على بلورة رؤية مستقبلية شاملة ومتكاملة لتنمية هذه المؤسّسات.

إصلاح سياسات الاقتصاد الكلّي
إن السياسات الخاصة، الرامية إلى تعزيز مرتكزات اقتصاد المعرفة ودعم وتنمية مؤسّساته الإنتاجية، لا تحقّق بذاتها النمو المستدام الموفّر لفرص العمل المطلوبة، ولا سيّما في ظل السياسات المالية والنقدية والأطر الإدارية والمؤسّسية الحالية، ما يقتضي إرساء الإصلاح في هذا المجال على مرتكزات أربعة رئيسية:
• التخطيط الاقتصادي والاجتماعي الشامل والقطاعي: أي التخطيط الديموقراطي القائم على المشاركة الفعلية بين القطاع العامّ والقطاع الخاصّ وقطاعات المجتمع المدني، ولا سيّما منها النقابات العمّالية. ما يستدعي استحداث وزارة للتخطيط.
• سياسة مالية تتمتّع بقدر كبير من الفعالية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، تقوم على نظام ضريبي محفّز للنشاطات الإنتاجية ولاجم للنشاطات الريعية، ومتوازن بين الضرائب غير المباشرة والضرائب المباشرة، وأكثر تصاعدية على الدخل والثروات. ويتعيّن إقفال مزاريب الهدر والفساد وترشيد الإنفاق الجاري وتخفيض تدرّجي لأسعار الفائدة، وزيادة الإنفاق الاستثماري على تطوير البنية التحتية والمرافق العامّة.
• سياسة نقدية تحفّز الإنتاج المحلّي القابل للتبادل على الصعيد الدولي. ما يستدعي اعتماد المرونة في تحديد سعر الصرف للعملة الوطنية، بما يشجّع التصدير ويلجم الاستيراد ويخفّض كلفة مدخلات الإنتاج المستوردة.
• الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية، ولا سيّما الأراضي الزراعية (تنفيذ «الخطة الشاملة لترتيب الأراضي»)، الثروة المائية، والثروة البترولية الواعدة، التي يتوجّب تحويلها إلى «وقود» لعملية التحوّل إلى اقتصاد إنتاجي قائم على المعرفة.
• تأطير نشاطات القطاع الخاصّ. وإبقاء حرية المبادرة الفردية ضمن أطر مؤسّسية تضمن عدم خروجها عمّا تقتضيه المصلحة العامّة. ما يتطلّب مكافحة الاحتكارات والممارسات الاحتكارية، وإعادة هيكلة النظام المصرفي، وإنشاء سوق مالية فعلية. وتشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاعات التي تحظى بالأولوية في خطط التنمية الوطنية، وتنطوي على نقل وتوطين التقنيات المتقدّمة.

تطوير سياسات سوق العمل
يستغرق التحوّل إلى الاقتصاد الجديد، في حال توفرت له الشروط المطلوبة، ما لا يقلّ عن عقد من الزمن، ما يعني أن زوال الجانب البنيوي للخلل في سوق العمل، المتمثّل بمنسوب الهدر المرتفع في رأس المال البشري، سيأخذ طابعاً تدرّجياً. حتى أن بعض وجوه الخلل في سوق العمل قد تزداد حدّة خلال مسيرة التحوّل. نعني، بشكل رئيسي، تعرّض العمالة الأقل مهارة لفقدان وظائفها، نتيجة لدخول التقنيات المتقدّمة إلى القطاعات التي تعمل فيها. وزوال الخلل البنيوي بحدّ ذاته، لا يعني بالضرورة استمرار التوازن بين العرض والطلب في سوق العمل. فهذه الأخيرة تبقى عرضة لاختلالات بعضها عادي كالبطالة الاحتكاكية، وبعضها ظرفي أو طارئ، وبعضها الآخر كالبطالة التكنولوجية الناتجة عن تغيير موضعي في التقنيات المستخدمة في أحد القطاعات. لذلك من الضروري بلورة سياسات تهدف إلى «تنشيط» سوق العمل. ويدخل في هذا الإطار:
• تطوير آليات اشتغال سوق العمل. وفي المقام الأوّل، يتوجّب توفير قاعدة معلومات شاملة ودقيقة حول سوق العمل. ومن العار بهذا الخصوص أن يبقى لبنان البلد الوحيد في العالم الذي لا يجري تعدادات دورية لسكّانه. وفي المقام الثاني، وفي ضوء قاعدة المعلومات العتيدة، يجب العمل على صوغ وتنفيذ مجموعة/ منظومة البرامج التي من شأنها المواءمة الكمّية والنوعية بين العرض والطلب في سوق العمل. ومروحة هذه البرامج واسعة، أهمّها إنشاء شبكة من مكاتب التشغيل تغطّي جميع المناطق اللبنانية، ومدّها بالعناصر البشرية المؤهّلة والكفؤة والتجهيزات المادية الحديثة. وتوسيع مروحة برامج تدريب القوى العاملة ورفع مستوى أدائها. وتطوير مناهج التدريب وتنويعها بحيث تشمل المزيد من التخصّصات والمهارات التي يحتاج إليها سوق العمل. وإنشاء منظومة أعلام حول سوق العمل. واستحداث برامج للتدخّل الظرفي الطارئ لتوفير فرص عمل مؤقّتة وظرفية لمعالجة الأحداث المفاجئة والطارئة التي من شأنها زيادة معدّلات البطالة في بعض الأوقات والمناطق. أما في المقام الثالث، فيجب العمل على ترشيد الاعتماد على اليد العاملة غير اللبنانية باتّخاذ إجراءات من شأنها إزاحة منافستها لليد العاملة اللبنانية وإزالة الضغوط التي تُحدثها على مستوى الأجور.
• توفير ظروف العمل اللائق، عبر إعادة النظر على نحو جذري بالقوانين والأنظمة المتعلّقة بالعمل وبرامج التأمين الاجتماعي القائمة في الوقت الحاضر، والتي فشلت في حماية العمّال من التعسّف والتمييز والمخاطر الاقتصادية، وشجّعت على تفشّي العمالة اللانظامية، ولم تعد تغطّي سوى قسم من العاملين في القطاع النظامي. وتستدعي إعادة النظر هذه، إصدار قانون جديد للعمل يأخذ بالمعايير التي حدّدتها منظّمة العمل الدولية والاتفاقات الدولية بخصوص علاقات العمل وظروف/بيئة ممارسة العمل. ومأسسة عمل لجنة المؤشّر واعتماد آليات محدّدة لتعديل الحدّ الأدنى للأجور، وتصحيح الأجور ربطاً بارتفاع مستويات الأسعار والإنتاجية. والتحوّل إلى نظام موحّد للتغطية الصحية يشمل جميع المواطنين ويموَّل من الموازنة العامّة، والانتقال من نظام تعويض نهاية الخدمة إلى نظام تقاعدي يشمل جميع أفراد القوى العاملة، واستحداث نظام للتعويض عن البطالة.
• تفعيل الأطر المؤسّساتية، عبر العمل على إعادة هيكلة وزارة العمل والمؤسّسة الوطنية للاستخدام وتزويدهما بالموارد البشرية والمادية، التي تمكّنهما من القيام بدورهما على الوجه الصحيح. وكذلك إعادة هيكلة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أو إنشاء هيئة/ مؤسّسة أخرى بديلة، للانتقال إلى نظام التغطية الشاملة الموحّد ونظام المعاشات التقاعدية الشامل ونظام تعويضات البطالة.

رؤية الحكومة وبرنامج «سيدر»: خلق 75 ألف وظيفة فقط!

قدّمت الحكومة المستقيلة إلى مؤتمر «سيدر» ورقة بعنوان «رؤية الحكومة اللبنانية للاستقرار والنموّ وفرص العمل». وكما درجت عليه الحكومات التي سبقتها منذ مطلع التسعينيات، رأت الحكومة الجانب المتعلّق بالبطالة فقط في أزمة التشغيل، واعتبرت أن النموّ الاقتصادي، بحدّ ذاته، يؤدّي تلقائياً إلى القضاء على هذه الظاهرة، وفي هذا السياق تضمّنت الرؤية فكرة رئيسة، مفادها أن نموّ التشغيل لا يمكن أن يتحقّق في المدى القصير، على نحو ملموس، إلّا من خلال ارتفاع كبير في مستوى الإنفاق الاستثماري الحكومي، لأن طاقة القطاع الخاصّ على خلق فرص عمل، من خلال زيادة النشاط والاستثمار، تبقى في هذا الأمد محدودة. ما يعني ضمناً، أن الالتزام بمندرجات مؤتمر «سيدر» من شأنه، في المدى الأبعد، خلق فرص عمل أكثر. فهل هذا ما نتوقّعه فعلاً من تأثيرات مؤتمر «سيدر» على التوظيف؟

التأثير المتوقّع لبرنامج الإنفاق الاستثماري على البنية التحتية
تستند الرؤية الرسمية إلى تقديرات البنك الدولي التي تقول إن كلّ مليار دولار من الإنفاق الاستثماري على البنية التحتية يولّد، مباشرة وغير مباشرة، 50 ألف فرصة عمل. وإذا افترضنا أن الطاقة الاستيعابية للإنفاق الاستثماري الحكومي يمكن أن تصل إلى 1.5 مليار دولار في السنة، فيكون مجموع فرص العمل التي يمكن أن تتولّد من البرنامج بجميع مراحله 75 ألف وظيفة فقط. من جهتنا، يمكننا التأكيد أن معظم فرص العمل، التي سيولدها هذا البرنامج، هي مؤقّتة ومنخفضة الإنتاجية (على أساس أن حصّة الأجور من مجموع الإنفاق هي 30%، أي إن متوسّط الأجر الشهري للعامل لا يزيد عن 500 دولار)، ما يجعلها لا تتناسب مع طموحات ومتطلّبات الشباب اللبناني، وسيكون أكثرها من نصيب اليد العاملة غير اللبنانية، وستكون مساهمتها متواضعة في التخفيف من حدّة أزمة التشغيل. وهذا ما تؤكّده النتائج التي أسفرت عنها خطة إعادة الإعمار في التسعينيات.

التأثير المتوقّع لرؤية الحكومة ككلّ
إن الخطط والأوراق، المقدّمة إلى مؤتمرات باريس السابقة، تضمّنت أيضاً تعهّدات بإجراء إصلاحات مالية وتحسين بيئة الأعمال للقطاع الخاصّ ومحاربة الفساد ...إلخ، وهذا يطرح تساؤلاً عن قدرة الحكومة المقبلة (التي ستكون من طينة سابقاتها) على الوفاء بتعهّداتها. لكن، بغضّ النظر عن هذا الأمر، فإن اعتبار الحكومة أن النموّ بحدّ ذاته، ومهما كانت معدّلاته مرتفعة، يؤدّي بالضرورة إلى معالجة الخلل الكبير في سوق العمل، هو اعتبار خاطئ، لأن الأمر يتعلّق بنوعية القطاعات التي يأتي منها النموّ. وبهذا الخصوص، تحيلنا الرؤية إلى خطّة ماكينزي التي عُهد إليها مهمّة وضع استراتيجية تنويع قطاعات الإنتاج والخدمات. والسؤال الذي يطرح نفسه هو عن مدى التنسيق والمواءمة القائمين بين مندرجات الرؤية الحكومية في مؤتمر «سيدر» وخطّة ماكينزي، التي لا تزال في الأدراج، ولا نعرف إلى أيّ مدى أخذت في الاعتبار السبب الرئيسي لأزمة التشغيل في لبنان وخصائص الوافدين الجدد إلى سوق العمل، في تحديد القطاعات التي يجب أن تحظى بالأولوية في مجال الاهتمام والتحفيز والسياسات المقترحة للتحفيز.
بانتظار نشر خطّة ماكنزي، وفي حال وضعت رؤية الحكومة لمؤتمر «سيدر» موضع التطبيق، يمكننا أن نتوقّع بعض الانتعاش في سوق العمل. إذ إن إجراءات، كتحسين أوضاع البنية التحتية والمرافق العامّة والإصلاح الضريبي وخفض سعر الفائدة ...إلخ، والتوسّع في البرامج الحالية لدعم مؤسّسات الإنتاج... من شأنها العمل على التخفيف من كوابح نموّ القطاعات الإنتاجية القائمة، وتخفيض جزء من تكاليف الإنتاج غير المرتبطة بالأجور، فتسهّل بالتالي إمكانية جعل مستويات الأجور تواكب ارتفاع مستويات أسعار الاستهلاك. وإذا جرى اعتماد نظام تغطية صحّية يشمل جميع المواطنين والانتقال من تعويض نهاية الخدمة إلى نظام ضمان معاش تقاعدي يشمل جميع أفراد القوى العاملة، فذلك كلّه، يجعل قسماً من الوافدين الجدد إلى سوق العمل، والذين لا يجدون طريقهم إلى الهجرة، يقبلون بالانخراط في سوق العمل على الرغم من أن مستويات الأجور لا تتوافق تماماً مع تطلّعاتهم. وسيتعزّز أكثر انخراط الفئة المذكورة في سوق العمل إذا لجأت الحكومة إلى توسيع دائرة تدخّلاتها المباشرة في هذه السوق، وتحسين نوعية هذه التدخّلات، وعملت على اتخاذ الإجراءات اللازمة، منها:
• تنفيذ برامج حوافز وإعانات للمؤسّسات الإنتاجية، تهدف إلى تخفيف تكاليف اليد العاملة عن كاهلها (تخفيضات ضريبية، مخصّصات مالية لدعم الأجور...إلخ). وبهذا الخصوص قد تعمد الحكومة إلى المباشرة في تنفيذ المشروع الذي أقرّ في عام 2014 تحت مسمى «دعم أول فرصة عمل للشباب».
• التحسين الكمّي والنوعي لبرامج تنمية المؤسّسات الصغيرة، التي تسعى إلى خلق وظائف في قطاع العمل للحساب الخاصّ (برامج قروض صغيرة بشروط ميّسرة، وحزمة من الخدمات المرافقة: تقديم المعلومات والاستشارات الفنية والقانونية والإدارية... إلخ).
• استحداث وتنشيط برامج التنمية المحلّية في إطار البلديات.
• تنظيم الاعتماد على اليد العاملة غير اللبنانية.
لكن، في غياب استراتيجية للتحوّل إلى نمط نموّ جديد، لا يمكن لكلّ ذلك أن يساهم إلّا ببعض الانخفاض في معدّلات البطالة، ولا سيّما في شرائح القوى العاملة الأقل تعليماً ومهارة والأقل إنتاجية. أما بقية القادمين الجدد إلى سوق العمل، وهم الأكثر تعليماً ومهارة والأكثر إنتاجية، فسيبقون ضحية للبطالة بانتظار إيجاد فرصة عمل في الخارج.

* يحمل نجيب عيسى شهادة دكتوراه دولة في العلوم الاقتصادية ودبلوم في علم السكّان من جامعة باريس الأولى. درّس في الجامعة اللبنانية وتولّى إدارة معهد العلوم الاجتماعية وعمادة كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال، وعمل بصفة خبير استشاري لدى منظّمات دولية عدّة، وله الكثير من المؤلّفات في قضايا التنمية والتشغيل.