17 عاماً مضت على استباحة الغزاة الأميركيين والبريطانيين بغداد. مشروع تدمير العراق والدول المركزية في الإقليم، المُعد منذ أواخر التسعينات من قبل زمرة المحافظين الجدد الصهيونية المتطرّفة، وجد في عمليات 11 أيلول 2001 الذريعة المثلى لحمل رئيس أميركي أحمق، جورج بوش الابن، على إعلان «الحرب على الإرهاب»، والمباشرة بتنفيذه. فشل المشروع في تحقيق غاياته الاستراتيجية الكبرى، أي استتباع بلدان الإقليم غير الخاضعة للهيمنة الأميركية، بفضل المقاومة الضارية لشعوبها وبعض دولها، وساهم عملياً في تسريع الانحدار الأميركي، لكنه عاث خراباً عظيماً فيها. في الولايات المتحدة، بضع سنوات بعد بداية «الحرب على الإرهاب»، اتضحت لقطاعات وازنة من النخب السياسية والعسكرية نتائجها الوخيمة على مصالحها وموقعها في المنطقة والعالم، غير أن منطقها وثوابتها بقيا يحكمان سياستها في الإقليم، خاصة تجاه إيران وأطراف محور المقاومة. بن رودس، نائب مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، اعتبر في مقال ذي عنوان لافت في «ذي أتلانتيك»، «حقبة 11 أيلول انتهت»، أن على الأميركيين الاقتناع، بعد أن غيّرت جائحة «كورونا» من «نمط حياتهم، وباتت تمثّل تهديداً أكبر من أي تهديد إرهابي علينا، أن الوقت قد حان لنختم هذا الفصل من تاريخنا الذي بدأ في 11 أيلول 2001». من المؤكد أن دونالد ترامب، الذي عارض الحرب على العراق عند شنّها، وما انفك يذكّر بموقفه هذا عندما كان مرشحاً للرئاسة وبعد وصوله إلى سدّتها، لا يحب الاستماع إلى نصائح خصومه السياسيين في الداخل الأميركي، وبن رودس أحدهم. لكن وقائع زمن الجائحة، التي قالت عنها سوزان غلاسر في «ذا نيويوركر» بأنها أضحت «القوة العظمى العالمية الوحيدة»، ستفرض بالضرورة على الإمبراطورية الهرمة وعلى غيرها من القوى الدولية والإقليمية الصاعدة أو المنحدرة «استراتيجيات تكيّف»، مرحلية على الأقل، لمواجهتها. ما هي تبعات مثل هذه الاستراتيجية بالنسبة إلى العراق وإيران؟ لا شك في أن «حزب الحرب» داخل إدارة ترامب، الممثّل بنواتها العقائدية الملتفة حول الثنائي مايك بنس - مايك بومبيو، اللذين انضم إليهما مستشار الأمن القومي الجديد روبرت أوبرايان، ما زال يحرّض على اغتنام «فرصة الجائحة» لتصعيد الضغوط على إيران، وإضعاف نفوذها في العراق، ولو بالاستهداف المباشر لمجموعات المقاومة المتحالفة معها. غير أن احتلال الولايات المتحدة للمركز الأول للمصابين بالجائحة عالمياً، مع أكثر من 400 ألف حالة، وتداعياتها الكارثية على أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، قد تدفع رئيسها، الذي يرى احتمالات إعادة انتخابه تتراجع، إلى الاتجاه بالحد الأدنى نحو صيغة «تخفيض توتر»، ولو مؤقتة، مع إيران وحلفائها في العراق.

لا يفوّت وزير خارجية الولايات المتحدة فرصة لرفع درجة التوتر مع إيران وحلفائها في العراق والمنطقة إلا ويغتنمها. تصريحاته الأخيرة عن أن «الشعب العراقي هو المعني باختيار رئيس وزرائه وليس كتائب حزب الله» تندرج في هذا الإطار. النواة الأيديولوجية - العقائدية في داخل الإدارة تنظر إلى العراق كساحة مواجهة مع عدوّها الرئيسي، أي إيران، وتعتقد، حتى اللحظة على الأقل، أن الظروف سانحة، بفعل جائحة «كورونا» ومفاعيلها على هذا البلد، لتكثيف الضغوط بهدف تحجيم نفوذه في العراق وإضعافه، وصولاً إلى إسقاط نظامه أو على الأقل حمله على الاستسلام للإملاءات الأميركية. ليس لأقطاب النواة المذكورة حسابات انتخابية راهناً، وتطغى على مقاربتهم لشؤون إيران والعراق الاعتبارات الأيديولوجية والعقائدية، ما يفسّر تعاميهم المتعمّد والعنيد عن المستجدّات المرتبطة بالجائحة. مثال جديد عن هذا التعامي كشفته المعلومات التي نشرتها «نيويورك تايمز» عن أمر توجيهي سرّي من البنتاغون للتخطيط لمحاولة تدمير مجموعات من المقاومة العراقية حليفة لإيران، وفي مقدّمتها «كتائب حزب الله»، رغم التحذيرات الشديدة من الأكلاف البشرية المرتفعة التي قد تدفعها القوات الأميركية نتيجة لمثل هذه المغامرة، ومن نتائجها العكسية لتلك المبتغاة، وإمكانية أن تقود إلى حرب مع إيران، التي تضمنها التقرير الذي أرسله كبير القادة العسكريين الأميركيين في العراق، الجنرال روبرت وايت. وزير الدفاع مارك أسبر، مدرك لهذه المعطيات وهو، حسب الصحيفة، يخشى، شأنه شأن رئيس هيئة الأركان مارك ميلي، من تصعيد عسكري حادّ قد «يؤدي إلى المزيد من زعزعة الشرق الأوسط في الوقت الذي يعلن فيه الرئيس عن رغبة في تقليص عديد القوات الأميركية في المنطقة». ما لا تذكره هو أن صلة بومبيو الشخصية القوية بأسبر وتأثيره عليه حفّزاه على تجاوز خشيته وإعطاء الأمر بإعداد المخطط المشار إليه.
الآراء المحذّرة من مغبّة الاتجاه نحو تصعيد الصراع مع حلفاء إيران في العراق، الصادرة عن مسؤولين سابقين وخبراء تزايدت في الآونة الأخيرة، هي على خلفية الجائحة وتداعياتها طبعاً. ماريا فانتابي، المستشارة في «منظمة الحوار الإنساني»، وسام هيلير، أحد كبار المحللين في «مجموعة الأزمات الدولية»، أكدا مثلاً في مقال على موقع «وور أون ذي روكس» بعنوان «ضبط النفس أفضل خيارات أميركا في العراق»، أن «تخفيض التصعيد في العراق هو مصلحة أميركية، فهو قد يساعد على تأمين الظروف لتشكيل حكومة عراقية جديدة ولتعزيز العلاقات العراقية - الأميركية». دعوة أخرى للتهدئة، ولكن مع ايران مباشرة هذه المرّة، صدرت بصيغة نداء حمل توقيع مجموعة من المسؤولين الأميركيين والأوروبيين السابقين، وكذلك لقادة سابقين لحلف «الناتو»، بينهم وزراء أميركيون سابقون للدفاع والخارجية وللخزانة، كمادلين أولبرايت وويليام كوهين وتشاك هيغيل وبول أونيل، لتخفيف العقوبات على إيران لكي تتمكّن من شراء المعدّات والتجهيزات الطبّية الضرورية لمواجهة الجائحة. هؤلاء المسؤولون الأميركيون غير معروفين بميولهم الإنسانية الرقيقة. مادلين أولبرايت، مثلاً، في مقابلة تلفزيونية شهيرة قالت، رداً على سؤال، إنها لا تأسف لموت الأطفال في العراق بسبب الحصار، في الفترة السابقة على غزوه سنة 2003. ما يشجّعهم على إطلاق هذا النداء هو قناعتهم بضرورة انتهاز فرصة الجائحة لتخفيض حدة توتر خطر مع إيران في العراق والمنطقة ستكون تبعاته وخيمة على بلادهم في حال تطوّر إلى حرب في زمن الجائحة. وهم يعرفون أن ترامب مربك حالياً بسبب المستجدّات المتّصلة بها ولا يمتلك رؤية لما ينبغي فعله لكنه يحرّض يومياً على التشدّد في هذين الملفين من قبل «حزب الحرب»، مع أن مصالحه الانتخابية تتمايز عن توجيهات هذا الحزب إلى حدّ التناقض. هذا الأخير يقف خلف تقرير أعدّه «معهد الدفاع عن الديمقراطية»، إحدى الواجهات الأميركية لوزارة الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية، والذي «ألهم» رئيسه مارك دوبوفيتز لبومبيو، عندما كان مديراً للمخابرات المركزية، استراتيجية «الضغوط القصوى» باعتراف الأخير، عنوانه «هل على الولايات المتحدة رفع العقوبات عن إيران لتسهيل مواجهتها للجائحة؟» يقدّم جميع الحجج التهويلية التي ينبغي أن تمنع رفع العقوبات عنها. إعداد هذا التقرير والسجال العلني حول العقوبات على إيران مؤشّر على أن كيفية التعامل مع ملفها، وبالتالي مع العراق، أصبحا نتيجة للظروف المستجدّة من الموضوعات السياسية الرئيسية في الولايات المتحدة التي يخضع رئيسها بسببها لضغوط متناقضة. قد لا يرفع ترامب أية عقوبات عن إيران بسبب إحاطة رموز «حزب الحرب» به، لكن احتمال موافقته على تسوية مؤقّتة معها في العراق تجنّبه معركة عالية الأكلاف ليس مستبعداً في الظروف العصيبة الراهنة.