بغداد | فوجئ الشاب الثلاثيني، أحمد الخفاجي، أخيراً، برسالة نصية على هاتفه، تخطره بالفوز بمنحة مالية مُقدّمة من الحكومة (175 ألف دينار عراقي/ 145 دولاراً أميركياً، لمدة ثلاثة أشهر). هذه المنحة مثّلت جزءاً من الحزم الإصلاحية التي أطلقها رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، تلبية للمطالب المعيشية التي ينادي بها الشارع الغاضب منذ الأول من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. يقول الخفاجي إنه سبق وأن سجّل طلباً من أجل الحصول على المنحة عبر الموقع الإلكتروني لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية. وبعد أيام فقط، تلقّى رسالة تدعوه إلى تسلّمها من أحد مكاتب الصيرفة في العاصمة بغداد. لكن المنحة جاءت منقوصة، إذ أن 8 آلاف دينار منها توزّعت ما بين أجور المكتب ورسوم للدولة حسبما يفيد به أحمد، لافتاً في حديثه إلى «الأخبار» إلى أنه «أنفق منحته لشراء هاتف محمول جديد، يُمكّنه من لعب البوبجي بدقة عالية»!

بعد بضعة أيام من إعلان وزارة العمل والشؤون الاجتماعية تخصيص منح للعاطلين عن العمل، بلغ مجموع ما تلقّاه موقعها على الشبكة العنكبوتية مليونَي طلب، قُبل منها 900 ألف طلب، ما يعني أن الوزارة ستنفق 472.5 مليار دينار (394 مليون دولار تقريباً) على هذه المنح، التي خُصِّص أكثر من 2000 منفذ في المحافظات الـ18 لتوزيعها. ويكشف الناطق الرسمي باسم «العمل والشؤون الاجتماعية»، نجم العقابي، عزم الوزارة توزيع «أكشاك على العاطلين عن العمل بعد انتهائها من توزيع المنح»، مُبيّناً في حديثه إلى «الأخبار» أن «الأكشاك ستُوزَّع في أماكن حيوية في محافظات العراق كافة». ويضيف العقابي أن الوزارة ستدعم العاطلين أيضاً بقروض صغيرة، تُسدَّد على مدى 5 سنوات، لإنشاء مشاريعهم الخاصة، موضحاً أن المنح صُرفت من تخصيصات الوزارة والأموال المسترَدّة من المتجاوزين على الرعاية الاجتماعية بعد استحصال موافقة رئاسة الوزراء على ذلك.

لا تزال الضبابية تلفّ الوعود الإصلاحية في ظلّ هشاشة الثقة بإمكانية تحقيقها


من جهته، يقول المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، إن «الحزم الإصلاحية كانت من ضمن البرنامج الحكومي، لكن الحراك الشعبي عجّل بإطلاقها»، مشيراً إلى أن تلك الحزم تسير في اتجاهين: «الأول إعادة النظر في توزيع الثروة النفطية بشكل غير مباشر عن طريق خلق شيء من الرفاهية للمواطنين، خاصة من خلال التصدي لمسألة السكن»، أما الثاني «فيذهب نحو تأسيس صندوق اجتماعي يُموَّل من العائدات النفطية وفوائض الموازنة، لتوزيعها على العوائل التي ترزح تحت وطأة الفقر». ويتابع صالح أن «الإصلاحات مكلفة، وتحتاج إلى موارد... ولذلك ستتمّ إعادة النظر في موازنة 2020، وفي المصروفات التي خُلقت بعد عام 2003 وأحدثت امتيازات كبيرة»، بدت واضحة من خلال ارتفاع عدد الموظفين الحكوميين ثلاثة أضعاف خلال السنوات الـ16 الماضية.
تفيد معلومات حصلت عليها «الأخبار» بأن موازنة العام المقبل، والتي عقدت اللجنة المالية النيايبة 20 اجتماعاً مع وزارة المالية لمناقشة قانونها، ستشهد زيادة مطّردة في الجانب التشغيلي (التعويضات والرواتب)، تُقدَّر بنحو 60 تريليون دينار (5 مليارات دولار تقريباً) مقارنة بعام 2019. كما سُتسجّل عجزاً بـ72 تريليون دينار (6 مليارات دولار تقريباً)، يُعمَل على تخفيضه إلى 45 تريليون دينار (3.8 مليارات دولار تقريباً)، عبر تخفيض الإنفاق وتعظيم الموارد. هذه الأرقام تراها مصادر في اللجنة المالية النيابية «الأسوأ في التاريخ»، معتبرة أنها «تمثّل انتكاسةً في الواقع الاقتصادي». وتلفت المصادر إلى أن «الحكومة الحالية اتبعت سياسة مالية لم تراعِ تخطيطاً أو دراية في صرف الأموال»، آسفةً لـ«تفاقم عجز الموازنة الاتحادية للعام المقبل بشكل كبير، بسبب الحزم الإصلاحية التي أطلقتها الحكومة والبرلمان».
من جهته، يصف الخبير الاقتصادي، منار العبيدي، الإصلاحات بأنها «إصلاحات مرحلية، هدفها كسب أكبر قدر ممكن من الوقت في التعامل مع الاحتجاجات»، منبهاً في حديثه إلى «الأخبار» إلى أن «نتائجها السلبية ستظهر في المستقبل القريب». ويعزو العبيدي الاحتجاجات المتصاعدة في البلاد إلى النظام الاقتصادي المُعتمِد في موارده على الثروة النفطية، من دون أن يركّز على القطاع الخاص لتوفير فرص عمل للشرائح الشبابية، التي تبلغ نسبة البطالة في صفوفها حوالى 11٪، بينما يعيش 22٪ من العراقيين تحت خطّ الفقر، وفقاً لتقديرات البنك الدولي. ويرى العبيدي أن الحلّ يكمن في تحديد النموذج الاقتصادي الذي يريد العراق اعتماده (اشتراكي أو رأسمالي)، مشدداً على «ضرورة تشغيل المصانع المتوقفة منذ عام 2003، ورسم خطط استراتيجية طويلة الأمد». ويذكّر الخبير القانوني، طارق حرب، بدوره، بأن «الحكومات المتعاقبة لم تطبّق قوانين كان لازماً تطبيقها، بدءاً من الدستور الذي يجب مراعاة أحكامه، كما لم تعمل على الحفاظ على المال العام وتحقيق العدالة والمساواة بين الناس»، داعياً إلى «تشريع قوانين استثمارية لتوفير بيئة استثمارية جاذبة للرساميل من داخل العراق وخارجه».
800 مليون دولار للإسكان
استفادت حكومة عبد المهدي من احتياطيّ الطوارئ في موازنة العام الحالي بأكثر من تريليونَي دينار عراقي (1.7 مليار دولار أميركي) من أجل تأمين المنح الشهرية للعاطلين عن العمل، وتعيين أصحاب الشهادات العليا، وعودة المفسوخة عقودهم في وزارَتي الدفاع والداخلية والبالغ عددهم 154 ألف منتسب. في الوقت نفسه، تحاول الحكومة توفير مصاريف في موازنة العام المقبل لإنشاء وحدات سكنية منخفضة الكلفة، وذلك بُعيد إصدارها قراراً بمعالجة 90% من أزمة السكن المتفاقمة في البلاد (والتي تشكل بالمناسبة أحد أهمّ دوافع الحراك الشعبي)، على أن تتولّى هذه المهمة وزارتا الإعمار والإسكان والبلديات والأشغال العامة، والمالية. الأولى أُسندت إليها «تهيئة المساحات الملائمة، وتحديد الفئات المشمولة بتوزيع الأراضي السكنية»، فيما ستقوم الثانية بـ«إقراض الإسكان المبالغ اللازمة لإنشاء البنى التحتية، على أن يتمّ استيفاء المبالغ من المستحقين». ومن المنتظر أن يتمّ بناء 33000 وحدة سكنية (بكلفة 990 مليار دينار/ 825 مليون دولار)، يُسدّد ثمن كلّ منها (30 مليون دينار/ 25 ألف دولار) بواقع 105 دولارات شهرياً على مدى 20 عاماً. وستتوزّع تلك الوحدات على محافظات العراق الـ18، بواقع 8000 وحدة سكنية لبغداد، ومثلها للبصرة، و4000 لنينوى، و2000 لذي قار، و1000 لبقية المحافظات.
وعلى الرغم من أن الوعود الإصلاحية، خصوصاً منها ما يتصل بالإسكان، ولجت في التفاصيل ولم تقتصر على العناوين العامة، مثلما يظهر مُقدَّماً، إلا أن الضبابية لا تزال تلفّها في ظلّ هشاشة الثقة بإمكانية تحقيقها. وفي هذا الإطار، يرى سرمد العبيدي، أحد المشاركين في التظاهرات، في الإصلاحات «مجرّد حبر على ورق»، لافتاً في حديثه إلى«الأخبار» إلى «(أنني) صاحب عمل حرّ، ودخلي الشهري ضعف الموظف الحكومي، لكنني أتظاهر لأنني أبحث عن وطن يتساوى فيه الجميع». ويؤكد العبيدي الاستمرار في التظاهرات حتى «إسقاط الحكومة وتغيير جميع الوجوه في النظام الحالي»، معبِّراً عن «استغرابه من عدم إطلاق الحكومة للتخصيصات المالية، إلا بعد سقوط عدد كبير من الشهداء رغم توفّر السيولة المالية».